افتتاحية العدد 448 من جريدة ملفات تادلة: هل سنحاصر الوباء بالاستعراضات العسكرية؟

– ملفات تادلة 24 –

في افتتاحية سابقة، تحت وطأة الحجر الصحي، تطرقنا إلى جوانب من الإجراءات التي تقوم بها الدولة لمحاصرة الوباء، الذي يحاصرنا، ويكاد يحول حياة العديد منا إلى جحيم لا يطاق، أشرنا إلى أن الدولة في شخص وزارة الداخلية – الدينامو الذي يبرز في واجهة الأحداث- ، “تفكر  -في التعاطي مع الأزمة الصحية ومخلفاتها—بمنطق الضبط الأمني وفرض الأمور”، وأن “الحكومة يقودها العقل المقاولاتي ويتحكم فيها العقل الأمني”، ذلك ما تأكد ولازال يتأكد مع توالي الأحداث، خصوصا في ظل توقيع غالبية الفاعلين المدنيين، لشيك على بياض للدولة لتفعل ما تشاء، والقلة التي لم/ولن توقع مصيرها معروف، مزيد من التضييق والترهيب والقمع والإقصاء.

قيل الكثير عن القرارات التي ما فتئت تخرج بها الدولة عن طريق حكومتها، وخلقت مجمل القرارات جدلا وسط المجتمع ما بين موافق ومعارض ومتحفظ على بعضها، غير أن بعضها تميز بغموض، إلى حد أن المرء يكاد يجزم أن من أصدرها من الصعب أن يكون مقتنعا بجدواها فما بالك أن يقنع بها غيره.

ولعل قرار وزارة التربية الوطنية، الأخير بخصوص الدخول المدرسي المقبل يشكل نموذجا ساطعا في هذا الباب، فهو وإن بدا في ظاهره إشراكا للآباء في اتخاذ قرار يهم فلذات أكبادهم، يظل في جوهره دلالة ساطعة على التخبط وغياب الشجاعة السياسية في اتخاذ قرار يلزم جميع مرتفقي قطاع التربية والتكوين، بما يضمن المساواة أمام المرفق العام، كإحدى أهم قواعد المرفق العام إلى جانب الاستمرارية في أداء الخدمات، والجودة، والإنصاف في تغطية التراب الوطني، وربط المسؤولية بالمحاسبة … كما نص على ذلك القانون رقم 54.19 بمثابة ميثاق المرافق العمومية، الذي قيل لنا أنه يعتبر “تنزيلا إجرائيا لمقتضيات الدستور في مجال الحكامة الجيدة”.

هذا القانون ينص في مادته الخامسة على أنه “تخضع المرافق العمومية للمبادئ التالية: ”...

المساواة بين جميع المرتفقين  المتوفرين على نفس الشروط، دون أي تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو المعتقد أو الثقافة أو الإنتماء السياسي أو النقابي أو الاجتماعي أو الجهوي أو اللغة أو الإعاقة أو أي وضع شخصي آخر، …

 –الملاءمة عبر التطوير المستمر لتنظيم المرافق العمومية والخدمات التي تقدمها، استجابة لحاجيات المرتفقين ومسايرة للتطورات التي يشهدها محيط هذه المرافق، لاسيما منها التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية…”

وبينما تفرض القواعد المنظمة لعلاقة المرافق العمومية بالمرتفقين، انفتاح هذه المرافق على المرتفقين والتواصل معهم، أصبحنا نرى تهربا من تحمل مسؤولية القرار وإلقاء المسؤولية على الآباء، بما يكرس التفاوت الطبقي ويشكل ضربا صارخا لتكافئ الفرص. في حين كان الأجدر أن يتم فتح الحوار مع أولياء الأمور وجمعياتهم  إبان العطلة الصيفية، ليكون هناك وقت كافٍ لتدارس الحلول الممكنة بهدوء، تم اللجوء إلى قرار أحادي الجانب وفي وقت ضيق، وتم رمي الكرة في مرمى العائلات دون توفير شروط إنجاح أي من الحلين المطروحين/المفروضين.

كل ذلك دفع أغلب المتتبعين إلى الجزم أن القرار يخدم مصلحة ”لوبيات التعليم الخاص“ باعتبار أنها الوحيدة القادرة على توفير الشروط المطلوبة لتنزيل التعليم عن بعد أو التعليم الحضوري، وذلك ما يقودنا إلى مفارقة أخرى، كيف يعقل أن يقدم مقاول مستثمر في قطاع التربية والتكوين، خدمة عمومية أكثر جودة مما تستطيع أن تقدمه دولة تملك من الإمكانيات ما لا يملكه الأفراد؟

في كل الأحوال ومهما كانت المبررات والذرائع يظل هناك تمييز بين أبناء الوطن في الاستفادة من هذا الحق المقدس في التعليم، وهذا التمييز هو في حد ذاته ضرب لمفهوم الخدمة العمومية حتى لو أخذ غطاء “إشراك في اتخاذ القرار”، فهو في الواقع يكشف عن غياب للشجاعة السياسية في اتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته وعواقبه، والاستعداد للتعرض للمحاسبة على أرضية نتائجه في ارتباطها بالإمكانات التي رصدت قصد إنجاحه، دون ذلك لا يبقى سوى إعلان إفلاس مفهوم الدولة كما يراد تقديمه.

ما يبدو أن البعض يغيبه بوعي أو بدونه هو أننا جميعا في سفينة واحدة، إن غرقت ستجرفنا جميعا، في غياب إمكانية الهروب، فأينما وليتم وجوهكم فتمة كوفيد-19، يحاصركم.

في السياق ذاته وارتباطا بإدارة الأزمة في شقها الصحي، قيل الكثير وألقيت المسؤولية على المواطن المغلوب على أمره، وتم اللجوء إلى خطوات لا يفهمه مغزاها سوى من أصدرها، وآخرها إنزال دبابات الجيش إلى شوارع بعض المدن وآخرها بني ملال,

عندما نسمع في الإعلام الدولي أن “قوات الجيش نزلت إلى الشوارع”، يتبادر مباشرة إلى الأذهان أن الأمر يتعلق إما بانقلاب عسكري، وإما ب”انفلات أمني” ناجم عن تمرد مسلح، عجزت معه قوات الشرطة والدرك على احتواء الوضع، والحال أنه عندنا نسمع دوما أن “الوضع تحت السيطرة”، ولكن لكل قاعدة استثناءات، فإن نسينا لن ننسى أن الجيش سبق أن نزل في البيضاء والريف وفاس … لا لشيء سوى لقمع احتجاجات سلمية.

غير أن نزوله اليوم يختلف، إذ لا وجود لتمرد، ولا لاحتجاجات ولا لأي شيء ظاهر يبرر النزول، اللهم إن كانت هناك أمور خفية لا يعلمها سوى الماسكون بزمام الأمور.

الطريف في الأمر أن الجميع يكتب ويصرخ ويردد أن الجيش نزل إلى الشوارع ل”محاصرة تفشي فيروس كورونا المستجد”، والحال ألا أحد من المرددين ولا من السامعين يعرف كيف سيتم ذلك، ولم يكلف أي من المسؤولين نفسه عبء توضيح ما لم يفهمه أحد.

الجيش بطبيعته يحاصر عدوا مكشوفا واضحا، أنَّى له أن يحاصر “عدوا خفيا”، لا يُرى إلا من خلال الأجساد المنهكة لضحاياه، لكن بإمكانه أن يحاصر انتشاره، أكيد لن يتاتى له ذلك باستعراض الدبابات كل صباح ومساء، وإنما بالاستجابة لصرخة الجماهير  منذ ما شهده الوباء من إرتفاع في عدد المصابين ببني ملال، وقبلها بمراكش، كما اختزلت ذلك “صرخة مراكش تختنق”، والتي أنزلت اَيت الطالب إلى مدينة سبعة رجال ليعطي وعودا لم تقنع أحدا، خاصة وأن مؤشرات تنفيذها لا تزال في علم الغيب، بينما يواصل الوباء حصد الضحايا دون  انتظار اذن ولا وعد من أحد…

 

أكيد لن يتأتى للجيش محاصرة انتشار الوباء باستعراض الدبابات صباح مساء ، لكن له من الإمكانات ما يؤهله  ليساهم  في محاصرة تفشي الوباء بإنزال مستشفيات عسكرية ميدانية كفيلة بتجاوز الخصاص الكبير الذي أدى إلى ازدياد الضحايا والحد من مزيد من حصد الأرواح                                   

         ملفات تادلة

 

 

إسألوا عن العدد في الأكشاك أو على موقع النخلة الرقمية palma digitale 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...