محمد الجاوي الفنان الذي رسم البسمة على شفاه الأجيال

-محمد لغريب-

” أن تضحك جمهورا متخما بالهموم والمشاكل اليومية، وترسم البسمة على وجهه، مهمة صعبة لا يثقنها سوى “الحرايفية” ذوي الموهبة والتجربة في ميدان الحلقة 

” بدأت قصتي مع آلة الوتار، ” منذ الطفولة بالدوار، حينما اشترى لي والدي هذه الآلة من مدينة مراكش أواخر الستينيات من القرن الماضي، حيث كان تاجرا يقصد المدينة لبيع مادة النخالة هناك، ومنذ تلك الفترة، وأنا أربط علاقة صداقة مع الوتار لا زالت مستمرة حتى الآن، ومن خلال هذه الآلة ولجت بحر الحلقة المتلاطم الأمواج وجاورت أشهر شيوخها”، يقول محمد الجاوي، والضحك لا يفارق محياه.

دخل محمد الجاوي الذي ازداد سنة 1951 بدوار أولاد الرامي أولاد سلامة بقلعة السراغنة، عالم الحلقة الممتع والمتعب، وهو لم يتجاوز بعد عمره 17 سنة، دون أن يلج مدرسة أو معهدا، باستثناء قضائه لأيام قليلة في كتاب القرية، كما حكى لملفات تادلة.

اشتغل الجاوي أول الأمر مع أحد شيوخ الحلقة الكبار بقلعة السراغنة الشيخ الرحالي الذائع الصيت أنذاك، يومها كانت الحلقة أشبه بمسارح شعبية متنقلة بين الأسواق الأسبوعية والمواسم وساحات المدن الكبرى، تعرض فيها مختلف اللوحات الهزلية والروايات والحكايات والألعاب وفنون العيطة وغيرها، وتشد إليها الكبار كما تشد الصغار.

ومع إطلالة كل يوم جديد، يمتطي الجاوي دراجته النارية السوداء اللون، يقصد سوقا من الأسواق الأسبوعية المحيطة بمنطقة أولاد عياد، حيث يتواجد محل سكناه، ليس لعرض سلعة أو خدمة أو لشراء بضاعة. ” فزبناؤه” من نوع خاص، ينتظرونه بكل شوق كما ينتظرهم، ويعرفونه كما يعرفهم، أما المكان فمعروف ومحدد بدقة في زاوية من كل سوق أو موسم يقصده، للقاء جمهوره المتشكل في الغالب من الغلبة والمقصيين.

تبدأ جولة الجاوي الأسبوعية من سوق حد بو موسى (بوعقبة)، ثم اثنين دار ولد زيدوح وثلاثاء أولاد عريف، وأربعاء الفقيه بن صالح، وخميس أولاد عياد، أو بني شكدال، ثم سوق السبت أولاد النمة، حيث يتجدد اللقاء مع الجمهور الذي يتفاعل مع عروضه الهزلية، وكذا مع وصلات “العيوط” التي يقدمها بين الفينة والأخرى، التي تتشكل من المرساوي، كبت الخيل، رجانا فالله، الحديويات… إرضاء لأذواق كل متتبعيه.

يقصد الجاوي السوق مبكرا، وفي غالب الأوقات بعد الفجر، وكله أمل أن يلتقي جمهوره المعتاد، الذي ينتظر قدومه كما ينتظر جمهور السينما، الممثلين، وهم يمشون على البساط الأحمر.

يتكون العتاد الذي يستعمله الجاوي أثناء عمله اليومي في الغالب من ” بوق” وبطارية وألة الوتار وكرسي بسيط يستعين به أحيانا للاستراحة كلما أحس بالتعب.

أما الحلقة، فلها طقوسها المحددة والصارمة، فبعد اختيار المكان بعناية كبيرة، بعيدا عن ضجيج أبواق السوق المنتشرة في كل مكان، يشرع الجاوي في تقديم بعض الوصلات الاشهارية، إعلانا ببدء عروضه الفرجوية، وفي الغالب ما تكون هذه الوصلات ( مقدمات ومفاتيح) عبارة عن صياح بصوت عال يشد انتباه الجمهور، أو فقرة موسيقية بالوتار لاستدراجه إلى الحلقة، ولا ينطلق العرض إلا بعد استكمال بعض الشروط التي لا يعرف سرها إلا “الحلايقي”.

فالحلقة بالنسبة له، “كباقي المهن لها شروطها ( قوامها)، فهو لا يتردد في تشبيه صعوبتها  ب”المات” ( الرياضيات)  وما على “الحرايفي” إلا إتقانها بشكل جيد”، يقول الجاوي وهو يطلق ضحكة بصوت مرتفع.

ثم يضيف” كانت الحلقة في الماضي تقام بدون أبواق أو مكروفونات، وتعتمد بشكل كبير على جهد وطاقة الحلايقي لإيصال الصوت إلى الجمهور الذي كان يتابع العروض بفضول كبير، أما اليوم، فإنه لا يمكن لك أن تقيم الحلقة دون بوق نظرا للضجيج الذي أصبح يعم كل الأمكنة من السوق”.

تتنوع عروض الجاوي بين العيطة، والنكتة التي تتعدد مواضيعها، ولكنها تظل لصيقة بالهامش، وتعبر عن معاناة فئات واسعة من الناس، مع الفقر والحرمان والأمية والجنس والصراع اليومي من أجل لقمة العيش، دون أن يقيم حدود أو طابوهات لذلك، مما يغني عروضه الفنية، ويعطيها طابعا شعبيا متميزا صرفا. وبين كل فقرة من فقرات العرض يخصص الجاوي، وقتا مستقطعا لجمع ما يجود به الجمهور من دريهمات نظير ما يلقيه من عروض فنية وموسيقية.

ولشد أنظار جمهوره المتعطش، لا يفوت الجاوي التذكير بباقي فقرات العرض، ويعده بتقديم ” فراجة ” أفضل مما قدمه له في السابق، وأن بجعبته الكثير من النكت الجديدة والروايات المشوقة، والأغاني التي لاتزال (فميكتها) يقول الجاوي.

“الحلقة ميدان تستنفر فيه كل حواسك كي تضحك الجمهور وتخلق الفرجة حتى من لا شيء”

رغم “البركة” القليلة التي يحصل عليها الجاوي، من الجمهور بعد نهاية كل عرض، فهو يحترم مواعيده لتجديد اللقاء مع جمهور آخر، وفي ساحة أخرى، وبطقوس تختلف من سوق إلى آخر حسب كل منطقة وعاداتها، يقول الجاوي ” لقد استطعنا أن نبني أسرة ونربي الأولاد بما نحصل عليه من مدخول يومي متواضع من الحلقة، وأن نواجه تكاليف الحياة الصعبة. “

منذ مدة طويلة، أصبح الجاوي يشتغل بمفرده في الحلقة، يهيئ أجواء العرض، بعد أن ينصب البوق ويختار الوجهة التي يصوبه إليها، ويشرع في العزف على ” الوتار” ويحكي الروايات والنكت التي في الغالب يكون جمهوره موضوعا لها، ويحرص على ضبط نظام الحلقة حتى لا ينصرف عشاقه إلى وجهة أو حلقة أخرى.

  1. محمد الجاوي رفقة صديقه كرتال

وتشكل السخرية محورا لكل المواضيع التي يتطرق إليها الجاوي، فهي تعكس ثقافته الشعبية التي تستحضر الواقع بكل صراعاته وتناقضاته، من خلال ثنائيات العروبي/ المديني، والمرأة المسخوطة/ والمرأة المرضية، والعروبي/ والشلح…مما يجعل الجمهور أكثر تفاعلا مع عروضه الفرجوية الممتعة.

حينما تجالس محمد الجاوي، فإنك ترافق رجلا يتميز بذاكرة قوية. فهو يتذكر كل الذين اشتغل معهم من شيوخ وحلايقية سواء بجامع الفنا خلال السبعينات، كبلحمامة وفليفلة ومصطفى العموم، وباقشيش… أو بمنطقة الغرب، كولد الكاطو ومولاي سعيد، الركراكي…، أو بمنطقتي بني عمير وبني موسى وقلعة السراغنة ووادي زم، ومنهم محمد السمعلي، ورفيقه الشباني إدريس ومصطفى الحجاجي والجيلالي الرواضي وولد تودا…وغيرهم من رواد الحلقة.

 يتميز الجاوي بقوة في الوصف، وسرد التفاصيل بدقة، وكأنك تشاهد شريطا أمامك مليئا بالأحداث والشخصيات، فهو يحكي عن مغامراته مع رجال الدرك في الطريق، وصراعه اليومي مع الباعة الذين يحتلون مكان الحلقة، ومع الجمهور غير المنضبط، وفضل “الجواد” عليه، والسهرات التي أحياها في أماكن خاصة كالأعراس والمناسبات العائلية، وعن مشاركته في برنامج ” الحلقة” الذي بثته قناة ميدي 1 تيفي، وعن تجاربه اليومية من أجل لقمة العيش.

كما يتميز الجاوي بقدرة كبيرة على إضحاك الجمهور من خلال سرعة البديهة وحضور ردة الفعل واختيار المواضيع والحركات المناسبة، وإشراكه في العرض، مما يضفي على الحلقة طابعا فرجويا يميزه عن باقي الحلايقية الذين مروا من المنطقة.

 بالنسبة للجاوي “أن تضحك جمهورا متخما بالهموم والمشاكل اليومية، وترسم البسمة على وجهه، مهمة صعبة لا يتقنها سوى الحرايفية ذوي الموهبة والتجربة في ميدان الحلقة”. ” فالحلقة ميدان تستنفر فيه كل حواسك كي تضحك الجمهور وتخلق الفرجة حتى من لا شيء ” غا جيب أفم وقول” بتعبير الجاوي.

وبنوع من الحسرة يحكي لملفات تادلة عن الأوضاع التي آلت إليها الحلقة التي بدأت في الانقراض، أمام زحف التقنية الرقمية وانتشار الهواتف النقالة واختيار بعض الحلايقية نشر أعمالهم بقنوات على مواقع اليوتوب، وبالتالي الاقتراب من الجمهور أكثر، فضلا عن ابتعاد بعض الشيوخ عن ميدان الحلقة، خاصة أن جيلا من روادها تقدم بهم السن ولم يعد يقوى على مجاراة متاعبها اليومية.

الجاوي، لم يخف امتعاضه مما آلت إليه أوضاع بعض زملائه الذين قضوا نحبهم، وهم مستسلمون لضربات الفقر القاسية، أو الذين لا زالوا ينتظرون التفاتة المسؤولين دون أن تعطى لهم القيمة التي يستحقونها، عرفانا لما قدموه من جهود لإغناء الثقافة الشعبية المغربية.

وبنبرة من التفاؤل يتطلع الجاوي للمستقبل ” أفكر اليوم في إنشاء قناة على اليوتيوب للتواصل مع جمهوري ونشر أعمالي على القناة حتى لا أترك الفرصة لبعض المتطفلين الذين يستغلون العروض التي أقوم بها لتحقيق أرباح لصالحهم “.

رحلة الجاوي مع الحلقة والتي امتدت قرابة نصف قرن من الزمن تظل تجربة غنية وذات قيمة فنية كبيرة، ولأن أحد أبطالها من الهامش فهي تتهيأ لأن تدخل دائرة النسيان الذي يغتال الذاكرة في صمت، وبتواطؤ الجميع عن سبق إصرار وترصد.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...