عنتي فاظنة…بقلم الدكتور محمد أبخوش

د.محمد أبخوش

بقوامها الفارع وعكازها الخشبي البسيط المنحوت من غصن شجرة، تتجه هذا المساء إلى منزل ابن أخيها، لقد تعودت على زيارتهم من وقت لآخر، كانت الزيارة البسيطة تتحول إلى مبيت ليلي. حبها للصغار كان الدافع دائما، وإلحاحهم لا يترك لها مجالا للمغادرة.  ستكون هذه الليلة مميزة كما العادة، فلن ينتظر الصغار أن تنتهي عمتي فاظنة من تناول وجبتها المسائية لمطالبتها كما العادة بقص بعض الحكايات التي بدأ الصغار يتعودون عليها، لكنها تفاجئهم دائما، فغالبا ما تأتي بحكايات جديدة تقصها في نهاية السهرة إن استطاعوا أن يبقوا يقظين: 

عنتي فاظنة لا تقص فقط، بل تجسد أحداث قصصها فتغير صوتها بحسب مواقف أبطال القصة، وهذا ما يبعث الإعجاب والخوف لدى الصغار، كما أن الصور التي تنقلها في حكيها تظل تحمل في مخيال الصغار لأيام وأيام حتى تشرف عل الزيارة الموالية. 

ككل ليلة تزورهم عنتي فاظنة يتحلق الصغار حولها حتى الأم التي كانت تظهر لامبالاتها ترخي سمعها لتتابع أحداث القصة، والصغار ينتظرون بشوق وتلهف، أما عنتي فاظنة فتسرح في ربيرطوار  حكاياتها لتختار ما تراه مناسبا لليوم. 

على غير عادتها، تطيل عنتي فاظنة التفكير والأطفال متلهفون ينتظرون، أما الأم فقد ظنت أن مكروها قد أصاب العمة لذلك بادرتها بالسؤال: عمتي ياك لاباس؟  

لا، لا، لا باس، فقط أفكر وأعيد التفكير فيما سيكون مناسبا لهذه الليلة، فكما تعلمين، الزمن غير الزمن، والمكان غير المكان، والسياق مختلف، الأولاد اليوم كبروا بل شاخوا، وأنا لم أعد أفهم شيئا في عالمكم، أنا من عالم آخر انتهى منذ زمن بعيد، لذلك لن أكون راوية للحكاية اليوم وسأترك الأمر للآخرين، شهود عصركم للحكي، سأكتفي بمرتبة راوية من الدرجة الثانية على غير عادتي. أما الراوي الحقيقي فسيكون منكم، بل أكثر من ذلك، شاهد على زمانكم وخبير بكل تقلباته وتبدلاته. 

تلقى الصغار كلام العمة كالصفعة ظنا منهم أنها لا ترغب في الحكي، انطلق مسلسل من الطلب والاستعطاف بل هناك منهم من يقبل اليدين أو الرأس، “عنتي لابد أن تحكي لنا الليلة” والعمة تحاول أن تهدأ من روعهم، “سيكون لكم ما تريدون”. 

فأمام الصغار تضعف عزيمة عنتي فاظنة، لم يكن لها أولاد وتعتبر كل صغار العائلة أبناءها، “ماذا تريدون مني أن أحكي؟ أية حكاية ترغبون في سماعها؟”، والصغار يتابعون المطالبة فترضخ عنتي فاظنة وتقول: ” لقد اخترت لكم حكاية الإخوة”.

“نزوور ربي”

كان يا مكان في الزمن الغابر، أخوين ذكرين لم يسبق لهما أن افترقا، كانت الصداقة تجمعهما كما الأخوة، عشقا بلدتهما ولم يغادراها ولم يغيرا من سلوكهما المعتاد فيها. 

هدأ روع الصغار، بدأ مخيالهم في الاشتغال، في السفر، تشكلت الصور الأولى للأخوين بل حتى اللباس والملامح، ينتظر الصغار باقي الحكاية لتكتمل الصورة، فغالبا ما يكون البطل في مواجهة الصعاب وكفاءته  هي طوق نجاته التي توصله بر الأمان. 

سكتت عنتي فاظنة، وبدأت خيوط الحكي تتشكل..  

أشرقت الشمس كعادتها، خرج الأخ الأكبر من باب المنزل، تأمل محيطه كأنه يتذكر التفاصيل الصغيرة، بعد برهة خرج الصغير، نظر إلى أخيه ثم إلى الشمس الساطعة كما لو كان يذكره بشيء قد فاتهم، فربما كان موعد الجولة اليوم متأخرا، لكن لا شيء يمنعهم من عادتهم اليومية. 

قال الكبير: انظر لقد بدأ الناس يتجمعون في السوق رغم أن اليوم الإثنين وموعده هو الغد، فالناس ينتظرون هذا اليوم بشغف كبير، أدوار كثيرة يلعبها في حياة الناس بدءا من الدور الاقتصادي كموعد للبيع والشراء والتبادل أيضا. هل تذكر أخي الأعداد الكثيرة من رؤوس الأغنام والماعز التي تدخل السوق ناهيك عن الجمال والبغال والحمير، كان لكل نوع مكان خاص به، كنا نتلصص من السور الخارجي للنظر للحيوانات والناس وتعاملاتهم، وهل تذكر النكسة الكبرى لهذا السوق خلال سنوات الثمانينيات حيث يترك الناس ماشيتهم وينصرفون، لم يكن لهم ما يطعمونها وستهلك لا محالة. وللسوق جهة أخرى مخصصة للسلع والخضر تكون مكتظة منها المحلي ومنها ما جلب من مناطق بعيدة. 

الصغير: لا، لا، ليس ذلك ما أتذكره أنا، إنه ذاك الرجل الطيب البشوش والفكاهي أيضا الذي كان مكلفا بالنظافة، السي عبد القادر، أتذكر حجم العمل الذي يتركون له ليقوم به، وبدون كلل يقوم بذلك، قد يصادف أن يدخل في حوار مع أحدهم وهو يقوم بذلك لكنه لا يتدمر. ما كان يثير انتباهي كثيرا هو حواره مع حماره، الذي كان يتباهى به كثيرا “وكأن بعض فصول رواية الأشجار واغتيال مرزوق قد تجسدت في هذه العلاقة” فيشبهه بالحصان والجمل وغيرها من الصفات كل ذلك حبا له وتباه به فيقول :” الله انعل اللي ميبغيك أحماري” وبعضا من الجمل التي تعود على قولها لا أذكرها الآن. هذا التباهي بالحمار تعيد إلى ذهني بعضا مما قاله بنو هلال في بكائياتهم الشعرية فهم أيضا يتذكرون حياتهم الماضية وبالرغم من تعاستها يتباهون بكل شيء فيها. 

عمي عبد القادر يجوب الأزقة بعد أن ينهي جمع أزبال السوق وينظف كل شيء وهو في حواره مع الناس ومع حماره المميز الذي كان يفهم حديثه، فلا يبتعد عنه وإن رآه منهمكا في عمله يقف بثبات وينتظر. 

الكبير: إلى أين سنتجه الآن، أفضل أن نتجه شرقا حتى إن عدنا كانت أشعة  الشمس وراءنا لا نتلقاها في ووجوهنا. 

الصغير: أتقصد أن نتجه إلى “المجلس” هو أيضا اليوم يكون مزدحما بالناس. 

الكبير: نعم فاليوم يأتي الناس لينهوا بعض مسائلهم قبل التفرغ غذا للتسوق، ففي المجلس تعقد بعض جلسات التقاضي حيث يعرض الناس نزاعاتهم أمام القاضي وغالبا أمام قاضي الجماعة لأنها ليست جنحا ولا جنايات، بعض الخلافات القبلية التي تسويها هذه الشخصية المختارة بعناية التي تذكر بشخصية “أكرام ” في الثرات الاجتماعي المغربي، فكل أحكامه مقبولة ولا تناقش إنه الصالح في التجمع القبلي. هل تذكر تلك الجموع الكثيرة من الفضوليين المتحلقين تستهويهم الأحداث ويحضرون لتتبع المحاكمة؟ 

الصغير: أنت تسرع دائما، فلا يمكنك بلوغ المجلس قبل المرور على مكتب “الكاتب العمومي” الذي قدم خدمات كبيرة للناس في تالسينت، كما أن شغفه بكرة القدم لا يضاهى فقد كان المشجع الأول والمسير الأول دائما للفريق، ثم بعد ذلك تبلغ منزل “رقية عزي”  “بني تجيت ألويلا فين تباتي الليلة” إنها ليست ظاهرة خاصة بتالسينت فقط بل بالمنطقة الشرقية كلها. ففي تلك الفترة لم يكن من يشبهها في اهتمامها وحبها لفريق كرة القدم، تعد العدة قبل المقابلة فتجد النسوة في حيرة من أمرهم كأنما يعددن لحفلة زفاف، وإذا جاء اليوم الموعود ذهبن للملعب جماعات بلباسهن المحتشم مرفوقين بأبناءهن الصغار تتقدمهن المايسترو “رقية عزي” التي تبدأ التشجيع قبل صافرة الحكم وتنهيه بعد صافرته الختامية. كان الخصم دائما يقف مبهورا أمام هذه الظاهرة، أما النسوة فتجعل من المناسبة حفلا تغني وترقص فيه لكن ذلك كله يتم بكل احترام. اليوم غابت النسوة عن ملعبنا و أصبح الحضور باهثا. 

الكبير: يا لك من متسرع، ألا تذكر سبب خصامنا آخر مرة، ألم يدم شهرا كاملا حتى تدخلت الأم؟ هل تذكر سببه؟ إنه تسرعك الدائم، كيف تقفز من المجلس إلى الملعب؟ فالجولة لا زالت في بدايتها. 

الصغير معترضا: أنا فقط أتكلم عن “رقية عزي” ولا شأن لي بالملعب. 

الكبير مسترسلا: لا زال الملعب بعيدا و إذا شئنا أن نتمم كلامنا فلا بد أن نذكر المسجد، المعلمة القديمة في تالسينت والتي شهدت تجديدا وتوسيعا لعدة مرات، هل تذكر هذه الساحة الممتدة ما بين المجلس والمسجد لقد كانت مكانا مخصصا لسباق الخيل خلال الإحتفالات  “التبوريدة أو الفنتازيا”، هل تذكر الثكنة التي تخدها من اليمين؟ لقد اختفت كما لو لم تكن، كانت هندستها منسجمة مع عمران البلدة، بها بابان كبيران مقوسان، وكان يسكنها كثير من الناس أبنائهم اليوم يتباهون بهذا الانتماء للبلدة ككل أبناءها.    المسجد كان مكانا للصلاة ومكانا يجتمع به الناس للتداول في الكثير من أمورهم الحياتية، وإن أرادوا القيام بإصلاح أو توسيع هبوا جميعا للعمل والمساعدة كبارا وصغارا. كان بالمسجد مكان مخصص لتعليم الصغار لعل الأجيال الأولى كلها تتذكره ولها به قصص متعددة مع الرفاق ومع الفقيه. 

الصغير: أتذكر جيدا كما لو كان الأمر يحدث الآن “أحبايلو” يمر بسرعة البرق من أمام المسجد أو يدخل إليه فينهاه بعض الحاضرين، كان الصغار المشاغبين يرمونه بحجر فيصدر صراخا كما لو كان صوت سيارة اسعاف. كان أحد المحسنين يحلق رأسه وذقنه دائما، أتذكر أنه بعد أن فقد أمه تعرض لإهمال كبير وتوفي بعد ذلك. 

تسكت عنتي فاظنة لتلتقط أنفاسها، فتلقي نظرة في الاتجاهين لتجد العيون الصغيرة مشدودة إليها، لا زالوا مستيقظين، لقد انتظروا هذا الموعد بفارغ الصبر، لم يعرفوا التلفاز ولا السينما، فقط حكاياتها تحلق بهم بعيدا فيسرح خيالهم مع شخصياتها، تارة يستنطقونها لتتابع المغامرة وتارة يتابعون مسارها بكل هدوء. فباستثناء القصص المدرسية لم يكن هناك ما يستهويهم أكثر من حكي عنتي فاظنة. تحت استعطاف عيونهم لها ترضخ عنتي فاظنة وتعود للكلام المباح. 

الكبير: هيا نسرع شيئا ما فأمامنا طريق طويل. 

الصغير: لا تقل أننا سنصل منزل السيد “أوعيسى” فأنا أتعب كثيرا ثم هناك وصايا أمنا ألا تبتعد كثيرا. 

الكبير: لا أيها الأحمق الكبير، لن نتجاوز “دار المش”، إنها هناك خلف الواد في تاغرامت، المنزل الوحيد الذي بني دون أن يكتمل. 

الصغير: أخشى هذا المنزل، كما أخشى أبناء الفيلاج التحتاني فهو مكانهم المفضل للعب. 

الكبير: لا تخشى شيئا فهم يهابونني، نحن الآن نمر أمام أقدم محطة طرقية، إنها “كراج مولاي”، لقد خلف أبناءه وورثته كل شيء وهاجروا، كان صلة الوصل التي تربط تالسينت بمناطق مختلفة شمالا في اتجاه فاس وجنوبا في اتجاه “قصر السوق”. كان “لمولاي” أسطول من الحافلات يسهر عليه شخصيا، فبستثناء “الساتيام CTM” لم يكن هناك ناقلين آخرين غيره. لقد أخرج تالسينت من العزلة لسنوات وبعد رحيله لم يكن هناك من يخلفه، تعود الصغار التسلل للمرآب الكبير واللعب في الحافلات والسيارات التي اهترأت مع مرور الزمن. 

الصغير: احذر، لقد وصلنا الواد فقد تتبلل ملابسك، اسلك المسار فوق الأحجار الكبيرة الموضوعة في الماء.”اسنداوو” 

الكبير: هاهي ذي تلوح من هناك، “دار المش”، ففي تالسينت فقط يملك “السيد المش” منزلا، نسمع كثيرا عن “جار الفن” و “دار بلارج” و “دارالحكمة” و “دار الأوبيرى” و “دار البريهي”….. أما في تالسينت فقد ألفت أجيال كثيرة أن ترى وتسمع وتلعب بدار “المش”. ففي تاغرامت لا منازل سوى هذه الدار التي تخفي سر عدم اكتمال بناءها، وشكلت مكانا مميزا للعب بالنسبة للصغار يحتمون بها من أشعة الشمس والبرد والمطر. كانت بعض العصابات الصغيرة تحتل المكان، وكان “قادة” من أبرزهم يعتبره ملكا له ويحاول أن يحتفظ به لنفسه. 

الصغير: فلنعد، لن أقترب أكثر، أنا أخاف هؤلاء الصبية. 

الكبير: اهدأ وتعالى نسلك هذا المسار المحاذي للمقبرة. 

الصغير: لن أمر بجانب القبور، أخشاهم كثيرا، ويستغرق المسار كثيرا، من المقبرة اليهودية إلى مقابر المسلمين لنصل إلى مقابر المسيحيين، لا لن أمر من هناك. 

الكبير: هل تفضل أن نعود من الجانب الآخر حتى نمر بقرب “راس الطنك”؟ 

الصغير: أفضل ذلك على المرور بجانب المقابر. 

الكبير: “راس الطنك” أخي شاهد كبير يؤرخ لحقبة مجيدة من تاريخ البلدة، إنه الشاهد على أمجاد ساكنتها في المقاومة ودحر المعمر. 

الصغير: أنا أيضا أعرف معلمة تؤرخ لذلك، ففي فيلاج الطوبة” بجانب الواد هناك قبر الشهيد، هل تذكرته؟ إنه مقاوم استشهد بعد عملية بطولية ضد المستعمر الفرنسي، تروي الحكايات أنه قتل الحاكم العسكري لتالسينت، تعود سكان الحي لسنوات إيقاد الشموع بجانبه ليلا. 

الكبير: انطر من هنا يظهر الملعب وخزان الماء “الشاطو” بشكل جيد، كان أبناء البلدة يلعبون سابقا كرة القدم هنا بالقرب من المقابر لم يكن لهم مكان آخر، أما في مرات أخرى فيذهبون في اتجاه الظهرة في المكان الذي اعتبر مطارا ويسميه الناس “أفرا نطيارة”، وفي بداية السبعينيات من القرن العشرين أنجز هذا الملعب والذي عد تحفة نطرا للمرافق التي كانت به بالإضافة لمدرجاته بالرغم من أن أرضيته نصف حجرية. 

الصغير: لقد أتعبتني اليوم كثيرا، أريد العودة للمنزل الكبير: هي ذي الطريق المختصرة للوصول سريعا للمنزل، سنمر بمزرعة آيت مرغيش قد نجد هناك أحدهم يعطينا بعض الذرة، ثم نجتاز الواد ونمر بالملعب فنصل منزلنا. 

الصغير: لا أنت تكذب دائما إن منزلنا بعيد عن الملعب. 

الكبير: هل فقدت ذاكرتك لقد انتقلنا منذ زمن بعيد إلى منزلنا الجديد بحي المنافقين المحاذي للملعب، أرى أن هذه الجولة قد أصابتك بالدوار، لم نعد جيرانا للمرحومة الحاجة ولا للمرحوم الحاج بنسعيد. نحن اليوم نطل على الملعب ونستمتع بمشاهدة المباريات وقد نلمس الكرة إذا رمى إحدى اللاعبين قذفة خاطئة، كم نستمتع حين ينتظرون أن نعيدها لهم ونحن نلعب بها في المنزل، هل تذكر؟ لا أظن ذلك فذاكرتك مثل ذاكرة ذبابة. 

الصغير: سأشتكيك لأمنا، سأقول أنك تشبهني بالذبابة. 

صار الجو أكثر هدوء نظرت عنتي فاظنة إلى جماعتها الصغيرة فوجدت كل من حولها نائمين إلا الأم التي لازالت تصغي مصطنعة لامبالاتها. قالت عنتي فاظنة : “تقضى تحاجيت أرقضين اردن ولا تمزين ولا نتشين دحافيتن ولا دمساسن“.قامت الأم تحمل من أطفالها إلى مراقدهم أما الكبار فتوقظهم ليفعلوا ذلك بأنفسهم.  

أما عنتي فاظنة فاستوت في فراشها، تمتمت الشهادة ونامت نوما أبديا. 

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...