بني ملال … لمعلم العربي الناصري : حداد طوعه الزمان (فيديو)

– ملفات تادلة 24 – 

روبورتاج من إعداد:  خالد أبورقيةحمزة المتقي

ساعد في الاعداد:  نزهة عاصيمعبد الله زهير

 

الطرق الذي نسمعه، ونحن نلج إلى السوق القديم ببني ملال، يتكرر هنا منذ 80 سنة على الأقل، ’’لمعلّم ‘‘ العربي الناصري، حداد بالسوق، يعمل هنا منذ 52 سنة، يكرر الطرق ويتحسر على قلة الحيلة وقصر ذات اليد.

السوق القديم أو ’’الجوطية‘‘ تجمع من المحلات أقرب إلى حي صفيحي أو لنقل إنه كذلك، تجمع هامشي من الحرفيين في قلب مدينة بني ملال، يوجد على تقاطع شارعي محمد الخامس والجيش الملكي، يحيطه سور يحاصر البؤس بداخله، وفي الجهة المقابلة تظهر بناية شاهقة بواجهة زجاجية تضم محلات تجارية ومكاتب وشقق.

الناصري العربي، أحد هؤلاء الحرفيين ’’المختبئين‘‘ في هذا السوق، ’’ولدت سنة 1959،  وأعمل في الحدادة منذ كان عمري 8 سنوات، منذ 52 سنة ونحن في هذه ’’البرارك‘‘ (محلات صفيحية)، يقول العربي بصوت منكسر.

يجلس العربي في محل ضيق، يكدس داخله عددا من المجامر القصديرية التي صنعها استعدادا لمناسبة عيد الأضحى، يتخذ لنفسه مكانا أمام المحل للعمل، وفي مقابله عجلة من حجر لشحذ السكاكين، كما لا تغفل العين كومة من المتلاشيات الحديدية وبقايا عربات وعجلات من حديد.

’’أصنع هذه المجامر وبعض صواني الأفران، هذا ما أقوم به‘‘ يقول لمعلّم  العربي وهو يشير إلى ما حوله، ويستدرك ’’كنت أستخدم النار، لكنني لم أعد أجد من يعمل على الكير ونحن هنا لا نتوفر على كهرباء ولا ماء‘‘.

حين يتحدث لمعلّم  العربي يسترسل في سرد قصته بهدوء، كل جملة تكشف جبلا من الهم ’’نحن مهمشون هنا ولا نحقق دخلا يكفي لأبسط الحاجيات‘‘ يقول في شكوى مطولة ’’أنا اعيل اسرة تتكون من اربعة ابناء بما في ذلك من اكل وملبس وفواتير الكهرباء، احيانا تتراكم لدي اربع الى خمس فواتير، لا استطيع أداءها، لولا اخوتي الذين يساعدونني‘‘.

نسأل العربي كيف اشتغل 52 خمسة ولازال لا يستطيع تأمين دخل يغطي حاجيات أسرته فيرد علينا بما هو أفظع ’’هل ترى العجوز هناك؟ (يشير إلى أحد جيرانه) هذا عمره تجاوز المائة سنة واشتغلت معه وأنا صبي لمدة 9 سنوات، أنظر إليه وإلى حاله.

يمكنك أن تلفت إلى المحلات ’’البرارك‘‘ المجاورة والمقابلة ولن تحتاج لتوضيحات لمعلّم  العربي الذي يواصل ’’نحن نعاني، احيانا نكسب 50 درهما في اليوم، واحيانا 40 درهما، واحيانا أخرى لاشيء، وهكذا، يوم لك ويوم عليك، لا صحة ولا ثروة، 52 سنة مضت وانا على هذا الحال، معظم الحرفيين يكترون محلات سكناهم، ليس بمقدورهم ان يحصلوا على بيوت في ملكيتهم، نظرا لضعف الحالة المادية.

الحدادة هي إحدى الحرف القديمة والتقليديّة الضاربة في القدم، وهي مهنة شاقة وصعبة ، والحدّادون أمثال لمعلّم  العربي الذين اعتادوا تطويع الحديد، يبدو أن دوائر الزمن تعمل على تطويعهم في الوقت الحاضر في ظل التطور الصناعي والتقني، ’’صناعة المجامر اكل عليها الدهر وشرب، لا يستعمل المجمر الا الطبقات الفقيرة، ما نصنعه لا يستطيع أن ينافس في السوق، من يملك المال يمكنه شراء فرن يسع خروفا بأكمله‘‘ يقول محدثنا.

الأزقة في السوق متربة وغير معبدة بشكل يسهل التجول فيه، أغلب المحلات سقوفها من قصدير أو حتى من ثوب، وجدرانها من طوب اسمنتي عار لم يكتمل بناؤها، بعض المحلات بلا أبواب، لا كهرباء ولا ماء وصرف صحي هنا، هي محلات أشبه بمخيم لاجئين، والحرفيون يقضون وقتهم في تبادل الشكوى وكؤوس الشاي في انتظار الفرج.

يضحك العربي للمرة الأولى منذ لقائنا، ما أضحكه هو سؤالنا كيف يعالج نفسه إذا مرض، ’’أنا لا أمرض الحمد لله‘‘ يقول العربي وهو يطلق ضحكة طويلة ثم يسترسل بحزن ’’هنا إذا مرض أحد لن يكون أمامه سوى التسول، لا تغطية صحية ولا تغطية اجتماعية، لا شيء‘‘.

يتحدث لمعلّم  العربي عن السوق وكأنه يتحدث عن عالم مواز، حين يقول ’’هنا‘‘ يلخص الانفصال التام عن ’’الخارج‘‘ خارج السوق، فالمتواجدون ’’هنا‘‘ أشخاص توقف كل شيء أمامهم ’’لا مستقبل هنا‘‘ يقول محدثنا، وهو يحكي عن أشخاص أشبه بالعالقين منذ 80 سنة في المكان.

 

تلمع عينا العربي ويستعيد شيئا من صلابة الحداد حين نسأله ما الذي يلزم كي يتحسن وضعه، يرد بانكسار ’’نطلب من الدولة أن تساعدنا بالماء والكهرباء والوسائل لنطور عملنا‘‘، يتوقف محدثنا قليلا ويواصل بعزم ’’نحن حرفيون (معلّمين) وبإمكاننا أن نصنع أي شيء، نحتاج فقط الإمكانيات وتأهيل هذه المحلات القصديرية‘‘.

حين تقف على رصيف شارع محمد الخامس لن يلفت انتباهك شيء عن المكان إن لم تكن زرته من قبل، فالسور المحيط بالسوق يخفي البؤس التي يتراكم بداخله منذ عقود، وحين تسمع أصوات الطرق، فاعلم أن لمعلّم  العربي هناك يواصل الدق منذ 52 سنة، لم يسمع عن غسان كنفاني ولا استغراب ابي الخيزران لكن الحياة علمته أن يدق دون توقف.

 

– ملفات تادلة 24 – 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...