معاذ.. من مدرسة المهندسين إلى أحضان داعش: رحلة الوصول والهروب

ملف من إعداد: خالد أبورقية – كريم نوار – محمد تغروت

الطلقة:

’’قال لي أمي انسيني.. ثم قطع المكالمة‘‘ توقفت رحمة لفترة وهي تغالب دموعها، قبل أن تسترسل في سرد قصتها، فالجملة كانت هي الطعنة التي لم تتوقعها من فلذة كبدها.

انقلبت حياة رحمة وأسرتها منذ نهاية شهر يناير سنة 2016، في غفلة منها ذهب معاذ إلى سوريا، رحلة فرضت عليها أن تعرف خريطة سوريا وجغرافية مدنها وقراها، تعرفت على المعابر التركية السورية وأسمائها، تابعت المعارك التي كانت تجري هناك بقلب يحترق، فبعد شهرين ونيف من وصوله أصبح ابنها مطاردا من عناصر داعش التي ’’هاجر‘‘ إليها، وفي نفس الوقت، هدفا لكل القوات والمجموعات المتقاتلة هناك لأنه أجنبي.

رحمة (اسم مستعار)، والدة معاذ (اسم مستعار) وهو شاب مغربي من شمال المغرب وقع أسيرا في أيدي قوات سوريا الديمقراطية، وهو يحاول الفرار من الجميع متسللا إلى تركيا، ليلحق زوجته السورية التي سبقته إلى هناك، والأم تأمل أن ينفذ ويعود إليها.

هذه قصة معجونة بالدمع والمرارة، فالمرأة توقفت مرات عديدة لتطلق العنان لدموعها قبل أن تكمل السرد. تحدثت إلينا رحمة ما يناهز ساعتين لتحكي قصة ابنها الذي، خرج في رحلة مفترضة إلى مدينة أكادير، ليتصل بها لاحقا من تركيا، وبسبب لهفتها لم تتوقف عن لومه ومطالبته بالعودة، أنصت معاذ لوالدته التي كانت تتخيل أن حديثها سيعيده، ثم أطلق كلمته التي كانت أقسى من رصاصة ’’انسيني‘‘.

تلميذ لامع يتشدّد:

معاذ شاب من مواليد 1995  بإحدى مدن شمال المغرب، كان تلميذا لامعا، وهو ما مكنه من الحصول على بكالوريا في شعبة العلوم الرياضية، ثم الولوج إلى الأقسام التحضيرية للمهندسين، وغير الوجهة لاحقا نحو المدراس الوطنية للعلوم التطبيقية حيث كان من بين العشرة الأوائل على الصعيد الوطني.

البيئة الأسرية التي نشأ فيها معاذ كانت طبيعية، تقول رحمة، كأي أسرة مغربية، التحق بالمدارس التحضيرية،  كانت له غرامية مع فتاة تدرس في السنة الأولى، انشغل معها ولم يحضر جيدا فأخفق في سنته الثانية، ومما زاد الطين بلة عدم قبوله في المعاهد الفرنسية، وبعد ظهور نتيجة امتحانات السنة الثانية في المدارس التحضيرية، بدأت تظهر تغيرات على معاذ.

تغير سلوك معاذ، أصبح قليل الضحك ومداوما على الصلاة، زيه أيضا تغير، أصبح يلبس سروالا فضفاضا ’’قندريسي‘‘ (زي تقليدي)، أصبح لديه أصدقاء يرافقهم للصلاة في المسجد، وتوقف عن مشاهدة التلفزيون، ’’بالنسبة لي حبذت أنه أصبح مداوما على الصلاة، كل أم تفرح بذلك وتراه أمرا جيدا‘‘ تقول رحمة.

تمكن معاذ بعد ذلك من النجاح في مباراة الولوج إلى المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية، بعد السنة الأولى طلب من أمه أن تقتني له دراجة نارية، ’’قال أنه لم يعد يرغب في ركوب الحافلات لأنه يتفادى الاختلاط والازدحام‘‘ وكان له ما طلب، ثم استمر التغير على الابن الذي أصبح يتفادى السلام على النساء أو مخالطة صديقات والدته ومنهم استاذات درسنه في السابق.

لم تنتبه رحمة للتغير الذي يطرأ على ابنها، كانت راضية عن التزامه الديني، فهذا يضمن لها أنه لن يقع في براثن المخدرات، لكن معاذ لم يتوقف إلى أن سقط أسيرا في سوريا. فقد أوهم والديه أنه سيسافر إلى مدينة أكادير (جنوبا) من أجل الاستجمام، ودع أمه يوم 29 يناير 2016، ومنذ لحظة خروجه بدأ مسلسل الغموض إلى أن تلقت اتصاله من تركيا.

’’أنا في تركيا‘‘:

’’اسمحوا لي، لحظة الخروج صعبة علي‘‘ هكذا علقت رحمة، وهي تغالب دموعها، وتوقفت لفترة قبل أن تسترسل ’’قال لي أمي احنا مسامحين‘‘ كانت الجملة غريبة صدمتني وبادرته خالته ’’أمامك الحياة وسوف نزوجك ونفرح بك.

غير معاذ زيه، ارتدى سروال جينز، وحلق حلاقة شبابية كان يعتبرها حراما، وانطلق. تتذكر رحمة التفاصيل والتواريخ والساعات، ’’يوم السبت 30 يناير 2016 على الساعة الواحدة وربع تلقيت اتصاله، أخبرني أنه وصل إلى أكادر وطلب مني عدم الاتصال به لأنه سيكون مشغولا وسيتصل حين يفرغ‘‘ وفي المساء بدأت الأسرة تعيد الاتصال دون جدوى، كان مجيب آلي يرد بلغة غريبة، لكن في وقت متأخر من الليل أرسل لأمه رسالة نصية تفيد أنه عاد متأخرا ومرهقا على وعد بالاتصال صباحا.

لم يتأخر الخبر سوى يوم واحد، فيوم الاثنين وصل النبأ، معاذ وصل إلى تركيا برفقة شابين آخرين من أبناء الحي أحدهما هو الذي كان يلازمه في الذهاب إلى المسجد، ’’كانت أصعب لحظة في حياتي.. ضاع ابني وضاع الحلم‘‘ تقول رحمة والدموع تسابق كلماتها، اتصل بهاتف جدته فالتقطت الهاتف وأطلقت دموعها ونداءاتها كالسيل الهادر، أنصت مليا ثم رد بكلمة واحدة ’’انسيني‘‘ ثم أقفل الخط.

بدأت رحمة رحلة مطاردة ابنها، اقتنت هاتفا جديدا وثبتت تطبيق واتساب، وحين لم تتمكن من الوصول إليه أنشأت حسابا على موقع فايسبوك باسمها بعد أن سمعت من أحد أصدقائه أنه رآه متصلا. بعد فترة تواصل معها ابنها عبر واتساب مرة أخرى وأخبرها أنهم موقوفين لدى السلطات التركية، ’’فرحت بشدة‘‘ تقول رحمة، وطلبت منه العودة، لكنه مان يخشى من المحاكمة والسجن في المغرب.

تواصل مسلسل الغموض والألم لدى الأم، فقد علمت في وقت لاحق أن ابنها هرب من المكان الذي كان محتجزا فيه ووصل برفقة آخرين إلى الحدود السورية حيث تم توقيفهم مرة أخرى، اتصل بها ليخبرها أنه أوقف مرة أخرى لدى السلطات التركية وأنه سيرحل إلى المغرب، ثم بعدها أخبرها أنه سيعرض على المحكمة، تفاصيل غامضة ترويها الأم، فقد اختفى الابن فترة ثم ظهر بعدها ليطمئن أمه، التي كانت تعتزم السفر إلى تركيا، أنه سيعود.

غموض في تركيا:

أوقف معاذ، إذن مرة أخرى من طرف حرس الحدود التركية، وهو يهم بالدخول إلى سوريا، وكان يلزم عرضه على المحكمة، ’’مكان احتجازه كان أشبه ببيت يتوفر فيه مكيف وغرف، ويمكنه الحصول بطاقة هاتف ليتواصل معه أسرته‘‘ تحكي الأم تفاصيل ما رأته في الصور.

قضى الابن سنة في الاحتجاز لدى السلطات التركية ثم أطلق سراحه، لم يتم ترحيله بل أخبر أمه أن سيكون عليه أن يوقع لدى الشرطة التركية كل يوم. كانت الأسرة تنتظر ترحيل ابنها، أعلمت مصالح الاستعلامات بالمغرب، لكن الرد كان ’’انتظروا لنرى ما يعتزم فعله‘‘.

’’لماذا لم ترحلهم السلطات التركية إلى بلادهم؟ لماذا أطلقوا سراحهم بعد سنة وتركوهم يعبرون إلى سوريا؟‘‘ أسئلة لم تجد لها رحمة جوابا، فالابن والشباب الذين كانوا برفقته أطلق سراحهم بدون أي إجراء متعارف عليه دوليا، كلهم كانوا في وضعية مخالفة لقوانين الإقامة بتركيا وتم توقيفهم وهم يحاولون التسلل إلى سوريا، ثم في النهاية أطلق سراحهم ببساطة دون أي إجراء ’’عمليا تركتهم تركيا يعبرون إلى سوريا بدل أن ترحلهم إلى بلادهم‘‘.

هل رحلت تركيا ’’عمليا‘‘ أشخاصا كانوا موقوفين لديها إلى منطقة نزاع؟ سؤال علينا أن نبحث عن جوابه لدى الجهات التركية، أما رحمة فلم تزل تنتظر عودة ابنها الذي ’’تم التغرير به، حبي الزائد له وخوفي عليه علمه الاعتماد علي، بعدما وقع ما وقع، أقول لنفسي أنني لم أعلمه أن يتخذ قراراته بنفسه‘‘ تقول رحمة في حصة لوم لنفسها ثم تستدرك ’’معاملتي له كانت تعويضا عن الصرامة التي كان يعامله بها والده‘‘.

 ’’أنا في سوريا.. أريد الهروب‘‘:

استمر نفس مسلسل الغموض إلى غاية يوم 25 مارس 2017، لتتلقى الأم مساء رسالة نصية من رقم مختلف يتضمن وصية، اكتشفت لاحقا أنها وصلتها بالخطأ من مرافق ابنها الذي أوصى زوجته بالاعتناء بابنه ووالدته. ثم انقطع الاتصال مدة 10 أيام ليظهر الابن من جديد برقم مختلف، أرسل لها صورة عبر واتساب، ثم كلمها باقتضاب ’’أنا ابنك.. أنا في سوريا‘‘، لم يبق أمام رحمة سوى تعقب رحلة ابنها وهي تكظم حزنها، ،’’ وصل إلى إدلب، لم يصلوا إذن إلى حدود (تصمت برهة وتكمل) الدولة (داعش)‘‘ تقول رحمة وكأنها تتشبث بخيط رفيع من الأمل.

خيط رفيع انقطع إلى يوم 17 يوليوز 2017 حين تلقت رحمة رسالة من رقم سوري لم تعرف إن كانت رجلا أم امرأة ’’هل أنت أم معاذ؟ .. ابنك دخل أرض الاسلام‘‘ تقول الرسالة،  ’’وصلوا إلى داعش‘‘ تقول الأم التي لم تكن تملك سوى مجاراة ابنها بالدعاء طيلة فترة مكوثه في ’’المضافة‘‘ بإدلب، وطول الفترة كانت تشعر بحزن شديد يشغل بال ابنها الذي شجعته على الزواج، وتحدثت إلى أحد أصدقائه الذي دبر له عروسا.

استمر مسلسل الغموض، بعد انقطاع الاتصال مرة أخرى، اتصلت الأم بصديقه الذي أخبرها أن ابنها قد انشق عن التنظيم وأنه سيقضي على نفسه، ليرسل لها ابنها لاحقا رسالة يطلب إليها ألا تحدث صديقه مرة أخرى. ’’ما حدث أنه كان في حديث بين الأصدقاء وسمع أمرا بدا له غلوّا غير مبرر.

أسرّ معاذ لصديقه أن الحديث الذي سمعه من الرجل غلوّ لا علاقة له بالدين، لم يطل الأمر، فالصديق وشى به للتنظيم الذي اعتبره ينكرا أمرا من الدين، وفي لحظة أصبح ’’المهاجر‘‘ الذي لم يمض على وصوله سوى 3 أشهر ونيف وترك كل شيء خارجا عن الملّة، بعد ثلاثة أشهر فقط من وصوله أعلن التنظيم أن معاذ مرتد وأصبح رأسه مطلوبا، ’’بمجرد وصوله اكتشف أن الواقع هناك مختلف، لم يشارك في أي قتال بل أصبح خائفا منهم وطريدا، اكتشف أن ما يحدث هناك لا علاقة له بالدين‘‘ تقول الأم، ودخل في دوامة الاختباء من جلادي داعش والبحث عن مهرب يسهل له الوصول إلى تركيا.

انقطعت أخبار الابن وأصبح التواصل معه يتم عبر وسيط، يستلم رسائلها الصوتية ويوصلها إليه ثم يحضر رسائله إليها، وهو تواصل ظل متقطعا، ثم انقطعت أخباره إلى فاتح أبريل 2018 حيث تلقت رسالة من صديق آخر لابنها، تخبرها أنه عثر على مهرب سيوصله إلى تركيا، أصبحت الأم تعرف خريطة المنطقة، فالابن انطلق من سوسة (محافظة دير الزور) وتابعت رحلته إلى أن وصل إلى تل أبيض، وواصل برفقة المهرب باتجاه ’’أورفة‘‘ المدينة الحدودية التركية، لم تكن تفصلهم سوى كيلومترات، ثم انقطع التواصل.

’’ارحموهم وعاقبوهم بما شئتم‘‘:

تلقت رحمة، منتصف شهر غشت 2018، مكالمة من الرباط، على الجانب الآخر من الخط كان ممثل الصليب الأحمر بالمغرب، ’’ابنك في مكان آمن.. بسوريا‘‘ قال المتحدث الذي أخبرها أن ابنها وقع أسيرا في أيدي قوات سوريا الديمقراطية. توصلت الأم برسالة من ابنها عن طريق اللجنة الدولية للصليب الأحمر، هناك جمل كثيرة مشطوبة، لكنها على الأقل تلقت أثرا من ابنها، على الأقل تقرأ جملا منه وتمرر عينيها على حروف خطت بيده. ردت برسالة وتلقت ثانية، ثم ثالث وآخر رسالة يوم 21 يناير 2019. ليعم بعد ذلك صمت مطبق.

التورايخ محفورة في الذاكرة، تسرد رحمة بدون توقف حين تسعفها الدموع وتتوقف حين تغالبها، ’’يوم 8 غشت 2019 تلقت اتصالا من رقم أمريكي، صوت امرأة تتحدث عربية بلكنة غربية‘‘ صحافية من جريدة واشنطن بوست، تمكنت الصحافية من الحصول على لقاء مع معاذ وتبحث عن الأم لتكمل قصتها.

حصلت الأم، من الصحافية، على صورة حديثة لابنها، أطلقت سيلا جديدا من الدموع، تحضن رحمة صورته وتقلب نظرها ومواجعها في ملامحه وتقاوم لتصنع أملا من الانتظار الطويل ’’لقد أخطأوا في حق بلادهم، أخطأوا بذهابهم، لكنهم مجرد شباب تم التغرير بهم، كانوا يعتقدون أن دينهم يفرض ذلك، غرّروا بهم وأحرقوا قلوبنا.. ألتمس لهم الرحمة فقط، ألتمس الرحمة من بلادهم، فقط أخرجوهم من هناك وعاقبوهم بما شئتم‘‘ انهمر شلال الدموع مرة أخرى وعادت رحمة إلى صور ابنها تحاول أن تغزل أملا من لا شيء.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...