ناصر.. من الحلم بالعيش في المغرب إلى الموت في سوريا

ملف من إعداد: خالد أبورقية – كريم نوار – محمد تغروت

يصل صوت جليلة عبر الهاتف متعبا لتعتذر عن موعدنا، ’’هددوني إن لم أحضر فورا فسيقومون بمداهمة المنزل‘‘. بمزيج من الغضب والإرهاق تتحدث إلينا، فقد تلقت استدعاء من المخابرات الفرنسية يطلب منها الحضور فورا، لكنها طلبت تأخير الموعد بسبب المرض وطول المسافة، رد المخابرات كان صارما وحاسما، إن لم تحضر فسيأتون للبحث عنها.

الوصم..

’’نحن عائلة إرهابية في نظر السلطات وفي نظر الناس لأن ابني ذهب إلى سوريا‘‘ تقول جليلة بحسرة، وهي تسترجع الكابوس الذي خيم على حياتها منذ رحيل ابنها للقتال في سوريا يوم 14 شتنبر 2014، تاريخ سيقلب حياتها رأسا على عقب، ويعصف بأسرتها الصغيرة والتي ناضلت بمفردها أكثر من 15 سنة كي تحميها من كل شر، أسرة أصبحت موصومة ومتهمة.

ناصر 18 سنة (حين رحل إلى سوريا في العام 2014)، من مواليد فرنسا، مزدوج الجنسية، مغربي فرنسي، قبل سنتين من رحيله فاز ببطولة الملاكمة الفرنسية، حاصل على البكالوريا علوم تقنية وطالب في مدرسة المهندسين بباريس، تخصص في الطاقات المتجددة، شاب طموح يسعى إلى مواصلة تألقه الرياضي وإكمال دراسة الهندسة.

قضى ناصر صيفا صاخبا مع أمه وشقيقيه بالمغرب، ’’لم تكن تظهر عليه أية علامة تطرف، كان يذهب إلى الشاطئ للسباحة، يجالس بنات خالته وهن بلباس قصير بسبب الحر حتى أني أحيانا كنت أنبهه إلى ترك شيء من الخصوصية للبنات‘‘ تقول جليلة في سرد مطول.

ولد ناصر ونشأ في إحدى ضواحي باريس (حوالي 30 دقيقة عن باريس شمالا)، يتحدث اللهجة المغربية بطلاقة لا توحي أنه يعيش خارج المغرب، ولع بالملاكمة، لكن ولعه الأكبر كان العودة للعيش في المغرب ’’كان يلح علي في العودة إلى المغرب، لكنني وأمي كنا نعارض بسبب قلة فرص العمل‘‘ تقول الأم وهي تلم حسرتها.

عنصرية في فرنسا:

ولع ناصر بالمغرب بسبب ما يعانيه من عنصرية بفرنسا، بحسب ما تقول جليلة، ’’ضاق ذرعا بأن يتم تفتيشه حيثما توجه، مل من العيش كمشتبه به هنا، بينما لم يحدث أن أوقفه أو تحدث إليه أي شرطي بالمغرب‘‘، حديث الأم يكشف رغبة شديدة لابنها في مغادرة فرنسا بسبب مضايقات الشرطة.

’’حين كان عمره 15 سنة أرسلته ليشتري بعض الأغراض من البقالة وأعطيته ورقة نقدية من فئة 20 أورو، لسوء حظه قابلته الشرطة وقاموا بتفتيشه، وحين وجدوا الورقة النقدية أدخلوه إلى سيارة الشرطة واعتدوا عليه بالضرب المبرح، بدعوى أنه كان ينوي اقتناء المخدرات‘‘ هذا من الحوادث التي تحكي الأم أنها حدثت لابنها.

حسب رواية الأم كان ناصر يخضع لتفتيش يومي تقريبا، فقط لأنه ملامحه ليست أوروبية (ليس أشقرا)، ’’كان عليه أن يستقل المترو للوصول إلى باريس للدراسة، وكان تقريبا يخضع للتفتيش بشكل يومي، وكان التفتيش يتم بشكل مستفز، وهذا يحدث مع أغلب شباب الضواحي، عناصر الشرطة كانوا يلمسونه بشكل مستفز ومتحرش كي يصدر عنه أي رد فعل يبيح لهم الاعتداء عليه واعتقاله‘‘ لكن جليلة لم تقدم أية شكوى ضد الشرطة، ’’هذا أكبر خطأ ارتكبته‘‘ تقول الأم بحسرة.

الرحلة والرحيل:

عاد ناصر مع أمه وشقيقه وشقيقته، في شتنبر 2014، من رحلة للمغرب، قضوا عطلة صيفية ممتعة، بعد ستة أيام فقط، أعلم أمه أنه سيذهب في رحلة تنظمها مدرسة المهندسين، حيث يدرس، انقضت عطلة نهاية الأسبوع ولم يعد الابن، اتصلت الأم بالمدرسة صباح يوم الاثنين لتستعلم عن تأخر ابنها في العودة، فأخبرتها المدرسة أنها لم تنظم أية رحلة.

كان الفترة تشهد ظاهرة رحيل الشباب من أوروبا إلى سوريا للقتال في صفوف داعش، صعقت جليلة من الفكرة، طلبت من شقيقه أن يتفقد ملفه الشخصي على مواقع التواصل الاجتماعي، ’’أدعوا للمقبلين على سفر طويل « Faites du Douae pour les gens qui vont faire un long voyage » ‘‘ هذه هي الجملة التي وضع ناصر في حالته، هرعت الأم وتوجهت للشرطة.

أبلغت الشرطة وكان ردهم باردا ’’إنه شخص بالغ ولا شيء يمنعه من السفر‘‘ أكدت الأم أن هناك احتمالا أن يتجه إلى سوريا فكان رد الشرطة ’’ولو كان متجها إلى سوريا‘‘، ولم يتأخر التأكيد، اتصل ناصر بأمه مساء نفس اليوم ، ’’أنا في تركيا‘‘ رد مقتضب مثل سهم وجهه ناصر إلى صدر والدته التي ردت عليه بالقول ’’لقد أطلقت النار علي‘‘.

ظلت جليلة على تواصل مستمر مع ابنها طيلة الأسبوع، كانت تهدف إلى تأخيره لتتحرك المخابرات الفرنسية وتحضره ’’طلبوا مني أن أستمر في التحدث معه لتحديد موقعه وإحضاره، لكنهم خذلوني‘‘ تقول جليلة وهي تؤكد أنها كان بوسعها الذهاب إليه بنفسها لولا تطمينات السلطات الفرنسية.

أنا في سوريا:

أسبوع واحد كان كافيا لاستقطاب ناصر من طرف ’’داعش‘‘ بعد عودته من المغرب، حسب الأم، وأسبوع آخر من التماطل أضاعه من يدها إلى الأبد، كانت آخر كلماته قبل أن يعبر الحدود التركية ’’أمي، أنت لا تعرفين شيئا مما يحدث هناك، تخيلي أن ابنتك تتعرض للاغتصاب، تخيلي فقط‘‘ هذا كان جزء من دعاية ’’داعش‘‘ لدغدغة مشاعر الشباب، قطع ناصر الخط وابتلعته سوريا.

بعد دخوله إلى سوريا انقطعت أخبار ناصر لمدة شهرين، إلى أن تلقت جليلة اتصالا بالصوت والصورة من ابنها، ’’شاهدت منظرا غريبا وهم يعرضونهم لنا بواسطة الكاميرا، يمكننا تشبيههم بكلاب سيرك، كان جالسا، يضع وشاحا بالأحمر والأبيض ويمسك بندقية‘‘ كان مشهدا دعائيا، وناصر أوحى لأمه بأنه لا يستطيع التحدث بحرية.

حدست الأم أثناء المكالمة أن هناك شخصا يعطي تعليماته لناصر، كانت تلاحظ أنه يستجيب لتوجيه بتعديل الوشاح الأحمر أو إمساك السلاح بشكل سليم، ’’كان جالسا وكل لحظة ينظر إلى أعلى.. بعد لحظات قطع الفيديو وواصلنا المكالمة باللغة الفرنسية، قال لي أنه لا يستطيع أن يتكلم بحرية وأنهم يفهمون لهجته المغربية‘‘.

وصل ناصر إلى الرقة في شهر شتنبر وكلف بمهمة الحراسة في أحد حقول النفط، أصيب في شهر مارس 2015 بطلقة في رجله أقعدته عن العودة إلى الجبهة، تزوج في شهر ماي من نفس السنة، ثم بعد فترة بدأت متاعبه مع التنظيم وشرع يبحث عن مهرب ’’قال لي أكره الرقة، ليس فيها سوى المنافقين‘‘ تقول الأم.

أريد الهرب:

عناصر من قوات سوريا الديمقراطية توقف نساء وأطفال مقاتلي داعش (ا ف ب)

في سنة 2016 ولد لناصر طفلة بالرقة، وظل يحاول الهروب إلى أن بدأ الهروب الجماعي بعد القصف الجوي لقوات التحالف، تابعت جليلة رحلة هروب ابنها وأسرته، تعرفت على أسماء القرى التي مر منها، شاهدت صور الأشلاء والجثث، شاهدت ركام المنازل وقلبها يهتز، واقتفت أثر ابنها إلى هجين.

في هجين كان القصف شديدا، وكانت زوجته الفرنسية في آخر مراحل الحمل، بتاريخ 25 دجنبر 2017 فاجأها المخاض، وبسبب القصف واشتداد المعارك، اعتنى بها بمفرده إلى أن وضعت ولدا ’’تصوروا أنه إلى حين ذهابه أنا من كنت أساعده على غسل شعره، لم يكن قادرا على الاعتناء بنفسه جيدا، وفجأة أصبح يلعب دور القابلة‘‘.

تواصلت رحلة نزوح ناصر وسط الجموع التي قادها القصف إلى مدينة الباغوز، آخر معاقل تنظيم ’’داعش‘‘ الذي ظل مطبقا بقبضته الحديدية على الجميع، ’’بعد وصوله طلب مني مساعدته، كان بحاجة إلى ألف أورو من أجل الدفع لمهرب يخرجه من الباغوز إلى منطقة قريبة من تركيا‘‘ تقول جليلة التي لم تكن لتتردد في إرسال المبلغ لابنها، لكنه اختفى لثلاثة أشهر.

أن تنقطع أخبارك في سوريا قد تعني أنك قتلت، وفي أحسن الأحوال أنك مصاب أو أسير، ظهر ناصر مرة أخرى ليحكي لوالدته ما أصابه من ’’إخوانه‘‘ الذين هاجر إليهم، فقد اتهم بالتجسس بسبب قصف تعرضت له سيارة كان على متنها، ’’فتشوا هاتفه ووجدوا محادثاتنا وعلموا أنه كان ينوي الهروب‘‘.

اعتقل ناصر لدى ’’داعش‘‘ في سجن الباغوز، جلدوه مائة جلدة، ثم خرج ليحكي لأمه عن أهوال سجن ’’الدولة‘‘، ثم أصبح ’’مقيما غير شرعي في الدولة الاسلامية‘‘ لأنهم لم يجددوا وثائق إقامته، وهو أمر يعرضه للاعتقال والتعذيب إن صادفته شرطة ’’داعش‘‘، فضلا عن عدم قدرته عن تأمين قوت عياله، وأصبح على الأم أن تتكفل بابنها وأسرته هناك، حيث كانت ترسل له مبلغا يساعده على جلب الطعام لأسرته.

الفصل الأخير.. ستار:

انقطعت الأخبار مرة أخرى، قبل أن تتلقى جليلة رسالة من زوجة ابنها، أصيب في قصف وأصبح عاجزا عن الحركة، طلبت الزوجة من حماتها أن تساعدهم على العودة إلى فرنسا، لكن السلطات الفرنسية رفضت أن تساعدهم، حاولت الأم تأمين مبلغ 6 آلاف أورو من أجل تسليمها لمهرب يوصلهم إلى تركيا، لكن الموت كانت أسرع منها.

تلقت جليلة اتصالا من زوجة ابنها، قتل في قصف جوي يوم 7 فبراير 2019، ظلت جثته تحت الأنقاض لأيام قبل أن يتم استخراجها، أسدل الستار على حياة الابن الذي كان حلمه أن يعيش في المغرب لينتهي جثة تحت الأنقاض في سوريا.

طيلة ساعات من الاستماع لجليلة لم تذرف دمعه واحدة، ’’لم أبك بعد على ابني، أريد أن أذهب إلى الباغوز وأبحث على قبره وأموت هناك‘‘ هكذا تحدثت عام التي لم تجد فرصة للحزن بعد، فهي منشغلة بمتابعة أسرة ابنها، زوجته وأبناؤه الذين كانوا محتجزين بمخيم ’’الهول‘‘ قبل أن ينقلوا قبل فترة إلى مخيم ’’روج‘‘.

منذ وصولهم إلى مخيم ’’الهول‘‘ تتكفل جليلة بأسرة ابنها، فقد أرسلت لأرملته مبلغا لاقتناء خيمة، ثم ترسل بشكل شهري 500 أورو ليجدوا ما يقتاتون به، انضمت لعائلات الفرنسيين الذين يطالبون الحكومة الفرنسية باستعادتهم، تتابع بشكل يومي ما يحدث هناك وحين يبلغ منها التعب مبلغه تنام على الأرض حين يسعفها النوم ’’لا يطيب لي النوم وأحفادي يعيشون مأساة لا تخطر على بال أحد‘‘ تقول الأم وتطلق نفسا عميقا وحزينا.

إقرأ أيضا:

’’حياة‘‘ قصة مغربية هاجرت إلى ’’داعش‘‘ وانتهت في مخيم الهول بسوريا (صور خاصة بملفات تادلة)

محمد أفقير.. شاب مغربي هاجر من طنجة للقتال في سوريا (انقر هنا)


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...