’’حياة‘‘ قصة مغربية هاجرت إلى ’’داعش‘‘ وانتهت في مخيم الهول بسوريا (صور خاصة بملفات تادلة)

ملف من إعداد: خالد أبورقية – كريم نوار – محمد تغروت

تنويه: صور الأطفال نشرت بموافقة من الأهل

تنظر حياة بانكسار إلى أطفالها والعرق يختلط بالتراب على وجوههم التي أصبحت أشبه بمستنقعات صغيرة، لقد قضوا أكثر من سنة في مخيم ’’الهول‘‘ الذي يضم أكثر من 70 ألف شخص. توجد حياة في القسم المخصص للمهاجرات وهن نساء المقاتلين الذين التحقوا بتنظيم ’’الدولة الإسلامية‘‘ المعروف اختصارا باسم ’’داعش‘‘ وهو الاسم الذي سنطلقه عليه في هذه القصة وهذا الملف.

الهجرة إلى ’’أرض الاسلام‘‘:

حياة (اسم مستعار)، كانت تبلغ من العمر 21 سنة حين رحلت رفقة زوجها إلى سوريا، منتصف العام 2013، سنتحفظ في هذه القصة على إيراد تفاصيل أكثر عن حياة لدواعي أمنية، فهي تخشى من انتقام قوات سوريا الديمقراطية التي تحتجزهم إن تعرفت عليها، كل ما يمكننا أن نقول هو أنها مغربية كانت تقيم بفرنسا ومنها بدأت رحلتها.

توجهت حياة رفقة زوجها وطفلتها إلى منطقة الشدادي بسوريا، ’’كانت المعيشة مقبولة، وصلنا قبل ظهور الدولة الاسلامية، وحتى في بداية ظهورها كان الأمر مقبولا‘‘ تقول حياة، لكن الوضع تغير مع تمكن التنظيم الدموي من بسط سيطرته.

كان لدعاية التنظيمات الجهادية أثر كبير في جذب عدد من الأسر، دعاية أغرت زوجها بالذهاب إلى هناك، فضلا عن سلطة أحد أقاربه الذي أخذهم جميعا ف رحلة واحدة ’’للعيش وفق الشريعة الاسلامية، يمكن للمرأة ارتداء الحجاب وتربية الأبناء في جو إسلامي وممارسة الشعائر بحرية على عكس التضييق الذي يعيشه المسلمون في الدول التي تدعي الديمقراطية‘‘.

خطاب ’’الجهاد‘‘ و ’’الدفاع عن الحرائر‘‘ و ’’قتال الظالمين‘‘ و ’’الجنة بعد استشهاد‘‘ وغيرها من المفاهيم كان لها بدورها أثر كبير، من جهة ’’الجهاد فرض عين‘‘ ومن جهة أخرى ’’الهجرة إلى أرض الاسلام والعيش في ظل تعاليمه‘‘ كماشتان تطبقان على من وقع في شرك تلك التنظيمات.

العيش في حمى ’’الدولة‘‘:

بعد فترة قصيرة من سيطرة ’’داعش‘‘ بدأ تطبيق الحدود، ’’مشاهد الذبح وقطع الأيادي والجلد أصبحت جزء من الحياة اليومية‘‘ حياة التي كانت تحلم بارتداء الحجاب بحرية صارت ملزمة بارتداء الزي الذي تفرضه ’’الدولة‘‘ التي تسير دوريات خاصة بضبط ملابس النساء والتحكم في حريتهم في التجول.

من سوء حظ حياة أن أحد أقارب زوجها عنصر مهم في أجهزة ’’الدولة‘‘، شخص عنيف ومتسلط وفوق هذا متحمس ’’للدعوة‘‘، ومن سوء حظها أيضا أنها تتقن اللغة الفرنسية واللغة العربية أيضا، لذلك أصبحت وزوجها تحت رحمة القريب، ’’كان علينا أن نظهر هذا الولاء بشكل مبالغ فيه، كان يحلو له أن يردد الآية القرآنية: وأنذر عشيرتك الأقربين، كان يستخدمها للوعظ والترهيب في آن، يعني أننا بحكم قرابتنا منه يجب أن نكون أكثر تفانيا في خدمة الدولة‘‘.

أصبحت حياة مجبرة أيضا على المشاركة في دعاية ’’داعش‘‘ هذا جزء من الجهاد ’’ كانوا يجبرون النساء على المشاركة في نشر الدعاية على الانترنت، علينا أن نصور بأن المعيشة في الدولة الاسلامية جنة افضل من أي دولة كافرة ‘‘ صوتها الطفولي يستطيع استمالة الفتيات صغيرات السن، ويمكنها بسهولة أن تحدثهم عن ’’الجنة‘‘ التي تعيش فيها.

في فرنسا اشتغلت حياة في وظائف بسيطة ومؤقتة ’’ليس من السهل الحصول على وظيفة في فرنسا، الحصول على عمل يحدده اسمك وشكلك والمكان الذي تنحدر منه ثم المكان الذي تقطن فيه، أبناء المهاجرين ليس من السهل عليهم الحصول على عمل، أما إن كانوا من سكان الضواحي فالأمر في عداد المستحيل‘‘، وهذا مدخل أساسي تجعل الفتيات يتجاوبن سريعا في الحديث معها.

المرأة في ظل ’’البغدادي‘‘:

لم يكد ينقضي عام واحد حتى قتل زوج حياة، تتحفظ على ذكر أين وكيف،  ’’في الدولة لا يمكن لامرأة أن تعيش بمفردها، وضعوني وابنتي في المضافة، وهو سكن خاص بالنساء الأرامل وغير المتزوجات، هناك قيود أكثر على الخروج وقضاء المصالح، لا يمكن أن تعيش المرأة بمفردها، هناك توجس من المرأة التي ترفض الزواج. بالنهاية ما الذي يمكن أن تفعله المرأة هناك غير أن تتزوج وتنجب؟ لا شيء‘‘.

تتحدث إلينا المرأة وبين الفترة والأخرى يقاطعها أحد أبنائها الأربعة، يتحدثون اللغة فرنسية بطلاقة، لكنها مطعمة بمفردات عربية من لهجة المنطقة، بنطق سليم أيضا مع ضبط مخارج الحروف العربية، من قاموس البيئة التي عاشوا فيها، الأبوان يتحدثان اللغة الفرنسية، والأطفال أيضا.

تزوجت حياة مباشرة بعد انقضاء عدتها، عرضوا عليها الزواج من ’’مهاجر‘‘ ذو أصل مغربي، لم تتردد في القبول، ’’يتم الزواج بسرعة ويسر، وليس لدى المرأة ما تفعله غير الزواج والإنجاب، يعرضون عليك شخصا تسمع عنه أكثر مما تسمع منه، النظرة الشرعية هو وقت وجيز، على كل حال لا مجال للرفض، الرفض لا يجلب سوى المتاعب‘‘، أنجبت حياة طفلين آخرين من زوجها الثاني.

داخل الخيمة

الهروب الطويل:

مطلع العام 2016 بدأ التنظيم يفقد الأراضي التي سيطر عليها لما يناهز سنتين، بدأت ’’الدولة‘‘ تتآكل من الداخل بسبب بغض الأهالي، ويتقهقر بسبب زحف القوات الكردية مدعومة بطائرات التحالف، ’’أصبح السكان يكرهون الدولة ، الخوف والبطش فقط هو ما يجعلهم صامتين، ولذلك حين بدأ الهجوم كانت القرى تسقط بسرعة، السكان كانوا يحلمون بوصول الأكراد لتحريرهم‘‘ تتحدث حياة التي بدأت رحلة هروبها.

حين سيطرت قوات سوريا الديمقراطية على الشدادي، كانت حياة برفقة زوجها وأطفالها الثلاثة يقطعون الأرض مشيا باتجاه مكان أكثر أمنا، ’’لم يكن أمامنا سوى الهرب، الأجانب كانوا مستهدفين رغم أن عناصر داعش السوريين كانوا أكثر بطشا ‘‘، وبدأت رحلة هروب دامت سنتين أو ما يزيد.

ظل الهاربون يتنقلون بين القرى التي تسيطر على ’’داعش‘‘، فكانت الوجهة مركدة وهي بلدة تتبع الشدادي لم تكن قد سقطت بعد بيد القوات الكردية، كان طريق الهروب صحراويا والوصول إلى الرقة لا يخلو من المخاطر، إضافة إلى أن حياة كانت حاملا، ورغم الحمل كان عليها المشي.

’’حين وصلنا إلى البصيرة أحسست بشيء من الأمان والمعارك لم تكن قد وصلت إلى هناك، المنطقة تقع بين نهر الفرات ونهر الخابور وكان بوسعنا أن نجد الطعام‘‘ من أجل أمان أكثر عبرت الأسرة نهر الفرات ووصلت إلى مدينة الميادين، ثم بعد فترة توجهوا إلى مدينة صبيخان.

استمرت هذه الرحلة لسنة ونيف، كانت حياة قد وضعت مولودها الرابع، لكن المعارك تواصلت، أصبحت مناطق سيطرة التنظيم وجهة زحف قوات النظام السوري وقوات سوريا الديمقراطية، المشكلة في أغلبها من الأكراد والمدعومة من التحالف الدولي، لذلك انحدر الفارون باتجاه قرية أبو حمام، حيث استقرت حياة مدة مع زوجها وأطفالها على الضفة الأخرى لنهر الفرات، فقد كانت قوات النظام قد اقتربت من صبيخان.

في نهاية العام 2017، كان التنظيم يتقهقر بسرعة في منطقة دير الزور، ’’كنا نحاول الوصول إلى أي منطقة حدودية، كان علينا أن ننتقل بين المدن التي تسيطر عليها داعش حتى لا نقع في أيدي الأكراد أو قوات بشار لأنهم كانوا ينتقمون من الأجانب كما أن المدن كانت تتوفر بها مقاهي الأنترنيت كي نتواصل مع العائلة بأوروبا ليساعدونا على الهرب من هناك‘‘.

كان زوج حياة يتواصل مع أقاربه بأوروبا ليساعدوه بالمال من أجل الدفع لمهرّب يخرجهم من هناك، وحين اكتشف التنظيم أنه يبحث عن المال للهرب تعرض للسجن والجلد، ’’كان محظوظا أنهم لم يقتلوه، قال لهم أنه يريد فقط إخراج أسرته كي يكون بوسعه أن يقاتل معهم ‘‘ تقول حياة وتستدرك ’’رغم أن أغلب الأمنيين والمسؤولين هربوا عائلاتهم إلى تركيا‘‘.

من أجل الهروب كانت حياة وأسرتها بحاجة إلى 6 آلاف أورو على الأقل، لكن المبلغ المطلوب كان يرتفع مع استمرار تقهقر التنظيم، ’’وجود الأطفال بينهم رضيع كان عائقا، المهربون يفضلون أسرا صغيرة العدد ولا يرغبون بتهريب الأطفال، لأن هناك مناطق يقطعها الهاربون مشيا وينبغي الركض والتحمل‘‘ تقول المرأة التي لا تنفك تعبر عن ندمها وهي تغالب الدموع كلما استرجعت الأحداث.

مع العجز عن تأمين المبلغ المطلوب، ومع اشتداد المعارك، هربت حياة وأسرتها من أبو حمام، كانت الوجهة مع الجموع إلى هجين، ’’في هجين كان الجميع قد تعب، تعبنا من الهروب ورغم ذلك لم يكن أمامنا سوى مواصلة السير، أن تتوقف يعني الموت‘‘ تقول المرأة المنشغلة بأطفالها، ثم بعد هجين انتقلوا إلى الشعفة وهناك بدأت الأبواب تنغلق.

طفلان يلعبان داخل الخيم في هز الصيف

مأساة في ’’باغوز‘‘ وهوْل في ’’الهول‘‘:

مطلع العام 2018 كانت حياة وزوجها وأطفالها قد وصلوا إلى ’’باغوز‘‘، آخر معاقل داعش، تسترجع تلك الفترة وتغالب دموعها ’’كانت الظروف جد صعبة بالنسبة للأطفال والنساء، القصف من جهة والجوع والعطش وسوء التغذية وقسوة الطقس من جهة ثانية‘‘ أضف إلى ذلك سطوة التنظيم الذي اشتد عليه الخناق.

الهروب من باغوز أكثر كلفة، والعائلة بأوروبا لم تتمكن من جمع المبلغ المطلوب الذي كان يتزايد باستمرار، لكن أعضاء التنظيم كانوا يتوفرون على المال لتهريب عائلاتهم كما هرب عدد كبير منهم، والبقية كانوا عرضة للجوع والمرض ’’ أصبح الاطفال مرضى والدواء منعدم، الماء غير صالح للشرب، مات عدة اطفال، بسبب المرض وسوء التغذية، لم يعد هناك اي شيء يؤكل‘‘ تقول حياة.

بعد أشهر من الحصار بدأت قوات التحالف ترمي منشورات عبر الطائرات ’’كل من اراد العيش الكريم، والأكل والشرب، ما عليه إلا أن يسلم نفسه للسلطات الكردية، التي ستمنحه كل ما يريد. عيش وكرامة‘‘، هذا مضمون أحدها، لكن التنظيم ظل محكما قبضته، أصبح المتواجدون هناك دروعا بشرية.

بحلول فبراير 2019 سمح أبو بكر البغدادي، زعيم ’’داعش‘‘، للنساء والأطفال والشيوخ والمرضى بالخروج من باغوز بعد 8 أشهر من المعاناة، استسلمت حياة مع الجموع للقوات الكردية وأسر زوجها، ’’مشينا أياما على الأقدام أنا وأطفالي، ثم نقلنا في شاحنات اخضر والمواشي، تركونا عدة أيام في الصحراء جنوب الحسكة ‘‘.

بعد أسبوعين من خروجها من باغوز إلى وصلت حياة وأطفالها إلى مخيم الهول، وحين وصلت كان عليها وأطفالها النوم في العراء لفترة قبل أن تؤمن مبلغا للحصول على خيمة، ’’تمكنت من التواصل مع العائلة بفرنسا وأرسلوا مبلغا من المال لأشتري خيمة، وطعاما‘‘ تقول المرأة.

حين وصلت حياة إلى مخيم الهول كانت تأمل في نهاية رحلة العذاب، لكن الأمر لم ينته بعد، تقول بغصة ’’وصلنا إلى مخيم الهول، وهنا بدأ هوْل جديد‘‘.

التواصل مع حياة لم يكن دائما متاحا، وليس الوقت هو ما يعوزها، بل كلفة الأنترنيت، في مخيم الهول ليس من السهل الحصول على الأنترنيت، وإذا ضبط لديها الهاتف ستتعرض للتنكيل، لذلك كان التواصل في فترات متقطعة، وحين تحدثت إلينا كانت تقوم بتضحية كبيرة لأن البيانات التي استخدمتها في التواصل معنا بالعادة تدبر بها فترة طويلة للتواصل مع عائلتها لتلقي المساعدة ومتابعة ملف المحتجزات.

هكذا يحتفلون بالعيد في مخيم الهول

إقرأ أيضا محمد أفقير.. شاب مغربي هاجر من طنجة للقتال في سوريا (انقر هنا)


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...