قيل عنها حكومة كفاءات فرأينا منها ارتجالية في القرارات.

عبد الله أطويل

يكاد كل ذي عقل سليم تأمَّل في قرارات الحكومة أن يُجَنَّ جنونه، لِما تتسم به من ارتجالية لا مخفية وتخبط مبين بين ارتباك ملموس ومزاجية مكشوفة في تدبير الشأن العام. صحيح أن الوباء الكوفيدي طوَّحَ بطوائِحِه، وقَطَّرَ الشمع على الجرح ولربما نثر عليه الملح، إلا أن الرزانة والتدبير المثالي قد يعطي الانطباع الإيجابي، بل من شأنه تذويب نتوءات الوباء، وعَكْسُ ذلك صحيح.

على امتداد الأشهر الأولى من بداية تفشي الوباء، وما وازاه من اجراءات متخذة، منها الإيجابي الناجع ومنها السلبي المتسرع. ففي ذلك قد نوه المنوهون بما لمحت أعينهم من إيجابيات وتدابير حكومية، وفي الآن نفسه انتقد النقاد، وشجب الشاجبون ما بدى لهم جليا من نواقص عديدة، وارتجالية أو ربما عشوائية هوجاء في التعاطي مع وضع استثنائي يحتاج تزامل الكفاءة بالرزانة في اتخاد القرار على جميع المستويات والأصعدة، تشريعيا وتنفيذيا.

 

ولأن الشيء بالشيء يُذْكر، وعلى ذِكر الكفاءة، فشعار آخر تعديل حكومي تمخضت عنه النسخة الحالية للحكومة المغربية هو “حكومة الكفاءات”، كان أسابيع قبل حلول الكوفيد 19. بمعنى أو بآخر، أن الجائحة الكورونية عند نزولها في البلاد، وجدت العباد عاقدين بعقدهم وآملين بكامل آمالهم، في حكومة قال قائل فيها أن حَدَّها حديد ورُكْنُها شديد، لا تتسع لغير الكفؤ موطئ قدم وإن كان مَدُّها مديد، وفي رواية أخرى واللعنة على راويها، قيل إنها “حكومة المرحلة”.

 

 

وأنت تتأمل بعض قرارات حكومة مضافة إلى مضافٍ إليه، نعته الكفاءات وحاله عشوائية في اتخاد القرارات، قد تقف ملئ كنفك دهشة، إن لم تُصَب بالغثيان الفكري، ولعل خير مثال طريقة إنزال القرار الأخير القاضي بإغلاق بعض المدن المغربية، ومنع السفر منها وإليها، وما بين زمن صدور القرار وبداية تنفيذه إلا ساعات قليلة. فلا أحد بوسعه أن ينكر ما تبع لحظة خروج القرار وبُعَيْده على امتداد ساعات من ارتباك مس العباد، ولفَّ بحبل الخوف على رقاب البسطاء الملفوفة أعناقهم غصبا بحبال القرارات المتسرعة، أو ربما مزاجية لمؤسسة سياسية من المفروض أن يكون انتخابها دستوريا من أجل تقرير مصير المواطن وتسهيل الحياة عليه، لا أن تَصِحَّ في نازلتها مقولة قال فيها العرب، “إذا استقام سِكِّينٌ وإذا اعوج منجل”.

 

ليس المشكل في قرار إغلاق المدن، بل الظرفية الوبائية حتمت ذلك، وعين الصواب هو منع السفر من وإلى هذه الوجهات الملغومة، لكن المشكلة في طريقة اتخاد القرار، وظرفية اتخاده أو ربما مدى استجابته لمقاس البلاد أم غير ذلك، نقول هذا مستحضرين المثل القائل “درأ مفسدة خير من جلب مصلحة”، ولعل حروف مقالنا في هذا لم تجانب جمعا أجمع فيه لسان العام قبل الخاص أن كوفيد التاسع عشر مفسدة لا يبقي ولا يدر، فتاك بالبشر، لكن بالمقابل نطرح من الأسئلة سؤالا مفاده، هل فعلا هناك قيمة مضافة في شوط ردع الفيروس خصوصا في الساعات التي اعقبت صدور القرار؟. ونحن نستحضر الليلة التي صدر فيها القرار وما تميزت به من ارتباك، وتنقل وحوادث سير، وأشياء أخرى حتمتها ظرفية عيد الأضحى، في تغييب تام لمبادئ وتوصيات الإلتزام بالتدابير الوقائية.

أن ينزل القرار نزول الصاعقة على مواطن تكالبت عليه الظروف ودارت عليه الدوائر، لَشيءٌ يَحُز في النفس، ولك أن تتخيل كيف وجد الناس أنفسهم في ساعات قليلة بين الفر والكر، بل منهم الفارِّين المستنفرين بين أيدي لوبيات النقل، والكل يعرف قطاع النقل في المغرب إلى جانب قطاعات خاصة أخرى لها رب يحميها، فعاثت في العباد فساداً.

 

بين هذا وذاك قد يحق لنا طرح تساؤل آخر لا تساؤل بعده، حول هذه القرارات هل هي وحيٌ ينزل من السماء على المسؤول ليلا ليجهر علينا به نهارا، أم أنه أمر دُبِّر بليل، بالفعل المبني للمجهول وفاعله ضمير غير مستتر. أما والطرح الأول فحبل الوحي قد انقطع من السماء، والطرح الثاني فما علينا إلا أن نترك الحبل على الغارب، ولا نضيف أكثر على قولة قال العرب فيها أهل مكة أدرى بشعابها.

 

في أول المطاف ووسطه وآخره، كنا وسنبقى كلنا أمل أن تجتاز البلاد هذه الأزمة بتبعاتها، وأن تخرج سليمة المتن غير عليلة. ندرك ونعي أيَّما وعي وإدراك صعوبة اتخاد القرارات خصوصا في ظرفية وبائية كهذه، لكن البلاد قبل العباد تحتاج لحكومة وبرلمان يضع ضمن أولوية أولوياته خدمة المواطن واحترامه، لا تنزيل القرارات عليه كالوابل، حكومةً مسؤولة غير سفيهة، راشدة غير قاصرة تدبر شأن العباد بعدالة اجتماعية، واحترام تام للكرامة والحرية.

  – ملفات تادلة 24 –

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...