المركب الثقافي الأشجار العالية ببني ملال: فضاء للثقافة والتسامح الديني

 – طارق الربح* – 

يعتبر “المركب الثقافي الأشجار العالية” واحدة من معالم مدينة بني ملال الثقافية. وقد كان في البداية عبارة عن كنيسة بنيت سنة 1951م، وبجوارها إقامة تابعة لها، وتميزت بتوفرها على مكتبة قيمة، كانت ملكا للكاهن “Jean Delacommune” الذي أشرف على الكنيسة في الفترة الممتدة من سنة 1973 إلى غاية م1992، وكان يعير كتبه القيمة لمن احتاجها من ساكنة المدينة.
وبعد وفاته استمر من خلفه في تدبير شؤون الكنيسة على نفس المنوال، إلى أن تمّ تعزيز بنياتها التحتية ببناية جديدة من تصميم المهندس “مانويل فريرا”، بتمويل سخي من السيد “Omar Akalay”، والذي وهب للمدينة مرفقا ثقافيا بهيّا، بناه من ماله الخاص، وهو رجل اقتصاد ومال مغربي، مثقف وله عدة مؤلفات، نذكر منها كتاب “le Coran et les droits de l’homme” وكتاب “Marché et Profit au 3e siècle hégirien”.
يتكون فضاء الأشجار العالية من عدة مرافق موزعة بكل أريحية في حديقة ساحرة، يشعر من دخلها وكأنك عبر بوابة الزمن نحو الماضي، ليشاهد غابات بني ملال، كما كانت قبل أن تحل بها آلة المدينة. وبتاريخ 16 يونيو 2005، تمّ تدشين هذا الفضاء بحضور السيد وزير الثقافة آنداك محمد الأشعري، واعتبر منذ ذلك الحين، مركبا ثقافيا، واختير له من الأسماء “المركب الثقافي الأشجار العالية” تثمينا لبعده الإيكولوجي.
وقد تكلف بإدارته الأب ” Jacques Levrat” الذي كان له الفضل الكبير في إحداث هذه المؤسسة، وقد ظل مسؤولا عليها إلى حدود سنة 2012، حيث اضطر لمغادرة بني ملال لدواع صحية.
كان هدف رجل الاقتصاد المغربي “Omar Akalay”، من تشييد هذا المركب الثقافي بتعاون مع “الكنيسة الكاتوليكية بالمغرب”، أن يجعل منه فضاءً للبحث والقراءة والمطالعة في مدينة جامعية في أمس الحاجة لفضاءات القراءة والكتاب. وكذلك تكريما لروح زوجته المسيحية “Suzanne”، التي كانت شريكته في الحياة، وفي العمل على تجميع مكتبة بمراجع جد قيمة، إذ عملا معا على إغناءها وحفظها طيلة مدّة زواجهما، التي زادت عن ثلاثين سنة. وقد مُنحت كل تلك الكتب والمراجع للمركب الثقافي الأشجار العالية.
إشتغل هذا المركب الثقافي دائما بفاعلية، محتفظا لنفسه بقصة تشييده المعبرة، وأسرار تأسيسه العقائدية، وكان دائما مفتوحا في وجه الباحثين والمثقفين وهواة القراءة من الصغار والكبار، وهو اليوم تحت إدارة السيدة “Judit Seres”، الّتي لا تدّخر جهدا ليظل لائقا بمرتفقيه ومرتفقاته. وفي تقديري الخاص، يعتبر هذا المركب الثقافي مميزا عن غيره على الصعيد الوطني ببعدين أساسيين ينضافان لماهيته الثقافية:
البعد الأول إيكولوجي، حيث تعتبر حديقة المركب مجالا طبيعيا يمثل عينة نادرة لما كانت عليه البنية النباتية والغابوية للمجال الطبيعي المحيط بها، منذ مئات السنين، بأشجارها العريقة، ونباتاته الجبلية المتنوعة.
والبعد الثاني روحاني، حيث يعد فضاء “المركب الثقافي الأشجار العالية” مكانا للتعايش بين المسيحية السمحة والإسلام المعتدل الذي يميّز بلادنا، إذ يحتضن المركب بين مرافقه البناية التاريخية للكنيسة التي لم تعد تقيم القداس وطقوس العبادات المسيحية، ولكنها مازالت تحتمي بأشجار أرضها المعطاء، وتحتضن من يقصدها من مسيحيي إفريقيا جنوب الصحراء، الذين يأتون لجامعة بني ملال للدراسة والتحصيل العلمي، ويجدون في إقامة الكنيسة دفء المأوى، وفي الكنيسة الملاذ الديني الآمن. وأشير إلى أن البناية التاريخية للكنيسة قيد الترميم والإصلاح حاليا.
وفي الختام، أجدّد الدعوة للغيورين على مدينة بني ملال والمهتمين بها، ليقترحوا مقالات تسهم في نفض الغبار عن تاريخ المواقع والمباني الثقافية التي تزخر بها المدينة، ولنعمل جميعا على التعريف بما تخفيه هذه الأماكن من بطولات تاريخية، ومعان أخلاقية، وقصص إنسانية معبرة.
 * فنان – مدير دار الثقافة ببني ملال

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...