بكالوريا بنكهتي اللوم والعتاب

من الأنانية أن تنكر عطاء الآخرين وأنت على عرش عليائك تحتفي، تحتفي بصفاء الذهن وراحة النفس، تحتفي وأنت خارج اللعبة، بل وربما خارج الميدان. قبل أيام تم الكشف عن نتائج امتحانات نيل شهادة البكالوريا، فصار حديث الساعة، تتداخل المشاعر بين الممتحنين وبين ذويهم وأقاربهم،  إما فرحة عارمة أو أسف عارم أو فرح وأسف في آن واحد، ثلة من الناجحين وثلة ممن تأخر رزقهم. لأن التوفيق رزق في كل الأحوال. لكن ما أثار الانتباه هذه السنة هو ارتفاع منسوب اللوم لدى الناس، الكل يلوم الكل، اللهم أولئك الذين راعوا ظروف المرحلة وظروف أبنائهم فالتمسوا لهم الأعذار في كل الأحوال. فالناجح والراسب والمستدرك أغلبهم لم يحظوا بما يستحقونه من تشجيع وتحفيز أو مؤازرة ومساندة ومواساة.

أنسينا أننا نتعامل مع فئة عمرية من جنس بني البشر؟ قد يعانون في صمت إما من خلال مراحلهم العمرية أو من خلال التبعات النفسية التي لحقتهم جراء حظر التجوال والحجر الصحي أو لربما كانوا ضحايا للمنظومة التربوية وسوء التوجيه سيما إن أخذنا بعين الاعتبار النسبة الكبيرة لمن لا يوجهون و يخيرون بل يجبرون على نهج مسارات معينة دون أدنى رد منهم فيجدون أنفسهم بين مأزقي إرضاء الآخر مهما كان هذا الآخر والعتور على ذواتهم.

إن أكبر فئة يجب التماس الأعذار لهم هم الفئة الممتحنة لهذا العام، لأنهم ببساطة خاضوا حربا ضروسا وليس امتحانا، فقد تعلموا متأرجحين بين الحضوري والنظري وأكبادهم تعتلي صدورهم خوفا ورهبا من الفيروس، منعوا من الخروج وهم أكثر فئة محتاجة لذلك، أرعبوا بتساؤلاتهم التي كانت كثيرة حول ظروف اجتياز الامتحان وكيفيته والإجراءات الموازية له وصبروا حتى أميط اللثام وكشف الستار عن ذلك، اجتازوا الامتحان في ظروف لم يعيشوها يوما، تعقيم متتال وتباعد وحرص وهلع وارتداء للكمامات وحرارة مرتفعة، كل هذا وغيره يسوغ لنا على الأقل تقديم المساندة الاجتماعية لهؤلاء كيفما كانت نتائجهم، فما معنى المساندة الاجتماعية؟؟

المساندة الاجتماعية هي مدى وجود أو توفر أشخاص يمكن للإنسان أن يثق بهم , وفي وسعهم أن يهتموا به , و يقفوا بجانبه عند الحاجة و يشعروا باندماجه الشديد مع المحيطين به.

فهل فعلا رأينا مساندة اجتماعية لمن اجتازوا امتحان البكالوريا؟  الجواب طبعا نعم لكن بنسبة قليلة جدا في حين الغالب هو كون الأفراد والجماعات زادوا الطين بلة، فصرنا نسمع من يهين تلك الشهادة وذلك المستوى أمام من حصل عليها لأول مرة حتى أطفأ ذلك البريق أمامه دون شعور، لم يبال بتطلعاته ولا بأحلامه ومبتغياته بل راعى فقط إسقاط تجربته الفاشلة على من هم على مشارف الأمل، ووجدنا من يسخر من النتائج كيفما كانت ويأسف لنتائح الغير بالشرط (اللوّي).. ” لو حصلت على كذا لكان أحسن” دون مراعاة للجهود المبذولة وللطاقات المهدورة وما أكثر هذا الصنف المثبط، ووجدنا فئة أخرى وظيفتها اللوم والعتاب بأدوات يتجنب حتى الأدباء استخدامها رفقا بالقارئ، لكنهم ما رفقوا بالممتحن الذي خرج للتو من حلبة الامتحان والذي يعلم االله كيف ينظر إليه كل تلميذ، فالرؤى تختلف باختلاف بنان كل واحد منهم، فصرت لا تسمع إلا ” ألم نقل لك كذا… ألم نوصك بكذا…. لماذا لم تفعل كذا….” دون أن يعرفوا بأنهم يلفقون له تهما أكبر منه بكثير.

وعودا إلى التماس الأعذار لهذه الفئة الممتحنة نذكر أن أنماط التعلم تختلف، فنجد صاحب النمط البطيء والمتوسط والسريع، والذكاءات تتنوع وتختلف كذلك، وليس الكل أهلا للعطاء في المدرسة، وليس فشل الواحد من هؤلاء في امتحان عام نهاية لمساره وحكم عليه بموت قواه، لا تكن سببا في تدمير الطموح أو إطفاء شعلة الأمل، لا تكن مثبطا محطما تصدر الأحكام وأنت لم تجتز امتحانا واحدا في حياتك، أو لربما اجتزت الكثير منها لكن في ظروف مغايرة، ولكن الحكم الناتج عن قياسك هذا وإسقاطه لم يكن في محله لأن الاشتراك في العلل غير موجود، ومتى أدركت هذا وأدركت المعيقات التي اعترضت هذا الجيل كنت ذكيا حسب بياجيه ” فالذكاء هو القدرة على التأقلم”.

وأنا قيد كتابة هذه الأسطر صادفت منشورا للدكتور طارق المالكي، على منصة من منصات التواصل الاجتماعي، أشفى غليلي، يقول فيه ” مازالت شهادة البكالوريا أصدق شهادة في نظامنا التعليمي وما فوقها أيسر. ماذا لو عمم نظام امتحانات البكالوريا على الجامعة؟ تصحح أوراق الطالب في أماكن لا يعرفها لا الأستاذ ولا الطالب، فقط الحاسوب يملك مسار ورقة الطالب ويحتفظ باسمه…دعنا نتخيل ماذا سيقع ؟ لا شك ستنشط دكاكين الساعات الإضافية بجميع أنواعها ومعها الكتب ذات الطابع الجامعي و المدرسي، سيتحول الطالب مضطرا إلى طالب علم حقيقي” وهذه التساؤلات وجيهة وتستدعي فعلا إعادة النظر في منظومة التقويم داخل أسوار الجامعات.

ولا يمكننا المرور ونحن في معرض الحديث عن البكالوريا وما يتصل بها دون ذكر التقزيم المجتمعي لبعض الشعب مقابل شعب أخرى، وهذا التقزيم يكون مستترا بلباس اللوم والعتاب اللذان لا يظهران إلا حينما يأخذ نتيجة مساره ذاك، عوض التوجيه في المراحل الأولى أو إبان بروز حسه العلمي أو الأدبي أو الفني أو غيره…لا يقابلونه سوى بتبخيس شعبته والتقليل منها ومن آفاقها، فيضعون ثمرة اجتهاده تلك، دون شعور منهم، في باحة سراب كان قد ظنها المنفذ والملاذ، حتى إذا أتاها لم يجدها شيئا حسب هؤلاء المنظرين الذين إن وفقوا في آرائهم فإنهم كانوا فاشلين في التوجيه الاستباقي إن اقتضى الأمر ذلك.

ولا أبالغ إن قلت أنني قمت باستطلاع حول رغبات التلاميذ والشعب التي سينهجونها بعد البكالوريا فاصطدمت بنتيجة تدمع لها الأعين وتسيل لها الكبد لوعة ومرارة، العديد من هؤلاء التلاميذ للأسف فاقدون للبوصلة لا يدرون من أين أتوا وإلى أين هم ذاهبون،  ألا يجدر بهؤلاء المعلقين على نتائج أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أن يخبروهم بأنه  ينبغي التخطيط لما بعد البكالوريا أكثر من التخطيط لنيل تلك الشهادة، لأن البكالوريا كمناهج واختبارات كلها ستمر بحلوها ومرها باعتبارها حيزا ضيقا ومفتاحا فقط لمجال مفتوح أو زائد ما لا نهاية بتعبير الرياضيين وهو ما بعد البكالوريا، ولذلك تجد أغلب من خططوا لتوجهاتهم ومساراتهم استباقيا لا يفشلون في مساراتهم تلك، لأن التخطيط عملية استباقية بالأساس، وتدبير مرحلة ما بعد البكالوريا ينبني أساسا على ما خطط له قبل ذلك، بمعنى أن التخطيط للمرحلة البعدية وتدبيرها كالتوليفة المتناغمة.

ختاما، إن الاهتمام بتلامذتنا توجيها وإرشادا ومؤازرة ومساندة أصبح ضرورة آكدة سيما في هذه المرحلة وما صار يعتريها (…) وعليه، فلا بد أن نستحضر دائما أن كل راع مسؤول عن رعيته. أشعلوا النار في اللوم والعتاب وادفنوا عبارات التثبيط والتحطيم والتيئيس  تحت الثرى، ازرعوا الأمل وابنوا ما استطعتم، فكسب قلوب أبنائنا أحيانا خير من كسب المواقف، وبناؤهم خير مما سواه. فرفقا بأبنائكم.

ملفات تادلة 24


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...