محمد أفقير شاب مغربي هاجر من طنجة للقتال في سوريا.. ’’في البدء كان الشيوخ‘‘

 – كريم نوار –

“هذه قصتي.. لقد أتعبتني وأتعبت زوجتي وأولادي معي” هكذا انطلق محمد في سرد قصته التي يرويها بمزيج من الندم والحسرة.

في البدء كان الشيوخ:

يحكي لنا محمد أفقير البالغ 39 سنة، عن قصة ذهابه إلى سوريا، الدوافع التي حفزته والواقع الذي وجده هناك، منذ خروجه من مدينة طنجة، إلى وصوله إلى سوريا ثم هروبه إلى تركيا حيث يتواجد الآن ويأمل في العودة.

تابع محمد الأحداث في سوريا التي كانت مادة خصبة لوسائل الإعلام في بداية العقد الثاني من هذا القرن، ’’ضج العالم بما يحدث فيها من ظلم واضطهاد،  وأصبحت وسائل الإعلام لا تتحدث إلا عن انتهاكات حقوق السوريين‘‘، هذا الضخ الإعلامي حسب محمد كان له دور كبير.

ليس الإعلام في الحقيقة هو ما دفع محمد ليقرر الذهاب فهناك خطاب أكثر تأثيرا وقوة،  يقول محمد “حتى الشيوخ والعلماء تكلموا وحثوا الشباب على الدفاع عن إخوانهم المسلمين هناك، وقد كانوا يقولون أن هذا واجب على كل شاب مسلم‘‘ وأضاف “كنت أنا مثل غيري من الشباب الذين أخذتهم العاطفة والشفقة على ما يجري، ورأيت من واجبي الإنساني والديني أن أفعل شيئا أساعد  به الناس المظلومين”.

كما هو حال عدد من الشباب المغاربة، وبسبب خطاب الشيوخ (شيوخ الدين وغالبيتهم من الاسلام السياسي أو التيار السلفي) شعر محمد بأنه مسؤول عن ما يحدث، وفعل ’’كما فعل الكثير من الشباب المغاربة بعد ان شعروا بتأنيب الضمير من خطب وفتاوى المشايخ، وهم اصل البلية‘‘ يقول محمد بنبرة قوية.

الخديعة:

في أواخر العام 2013، كان محمد أفقير يقف على الحدود التركية السورية، غادر إلى هناك دون أن يخبر أحدا من عائلته، اختفى فقط، وحين ظهر قال لهم ’’أنا في سوريا‘‘، كانت هذه الكلمة كافية لتهدّ والدته التي نقلت إلى المستشفى من أثر الصدمة، كان الأمر شاقا على الأم التي ظلت تلح عليه في العودة وهي تكابد المرض.

حقق محمد مبتغاه ووصل إلى سوريا، وصل ليؤدي ’’الواجب الشرعي في الدفاع عن حرمات المسلمين وحماية الحرائر‘‘ فهناك سيواجه ’’أعداء الله‘‘ ويجاهد في سبيله، وقد يرتقي شهيدا في معركة الحق، لكن الواقع كان صادما، فقد تحطمت كل تمثلاته وتخيلاته.

’’وصلت إلى سوريا وبقيت ستة أشهر في مدينة اللاذقية، لم أذق طعم الراحة والنوم يوما واحدا لما شاهدته من قتل ودمار‘‘ يقول محمد، لكن القتل والدمار كان أمرا معلوما ووسائل الإعلام لم تتوان في نقلها، ما صدمه هو ’’خلافات ومشاكل بين الفصائل والأحزاب، قلت في نفسي ما لهذا قد أتينا‘‘ يقول محمد وهو يعبر عن شعور بالخديعة.

’’دخول الحمام ليس كخروجه‘‘:

دخول سوريا ليس كمغادرتها، هذا ما سيكتشفه محمد أفقير وهو يرى أن ما كان يسعى وراءه في سوريا مجرد وهم، فقد توجه إلى أقرب بلدة يستطيع منها العبور إلى تركيا كي يعود إلى المغرب، لكن ’’إخوة الجهاد والسلاح‘‘ فطنوا إلى محاولته ’’وضعوني السجن لمدة شهر، كانوا يحققون معي ليل نهار حتى تأكدوا اني لست جاسوسا وغايتي فقط العودة إلى بلادي خاصة بعد إلحاح أمي فأخلوا سبيلي بعد أن أخذوا مني جواز سفري ووثائقي الثبوتية، شرط أن أبقى معهم ولا أحاول الهرب مرة أخرى‘‘.

معظم الشباب الذين اطلعنا على قصصهم، حين يجدون أنفسهم في هذا الوضع، يحاولون تعزية أنفسهم بالزواج، وجود زوجة إلى جانبه سيزيل عنه الغم، فضىلا عن أن معظهم كان يتزوج بسوريات حتى يجد بعض السند من أصهاره أهل البلد، وهذا ما فعل محمد، حيث تزوج بسورية وأنجب منها طفلة.

مع ولادة طفلته أصبح محمد أكثر تشبثا بالحياة، وأكثر رغبة في الهروب من واقع الحرب والدمار وكيد الإخوة المجاهدين لبعض البعض، واقتتالهم لأسباب لا تبدو لمحدثنا تجد أصلا في الدين، ’’ كانت لي عدة محاولات للهرب إلى تركيا لكن كلها باءت بالفشل، وآخرها كان أن امسكوني ووضعوني بالسجن لمدة ستة أشهر وزوجتي لا تعرف اين انا‘‘ يقول محمد وهو يسرد القصة.

في سنة 2016 ومع تقدم القوات الكردية المدعومة أمريكيا، والقوات السورية المدعومة روسيا وإيرانيا، وجد محمد الفرصة للهرب، يقول ’’في ظل الفوضى الحاصلة هناك2016 استطعت الهرب مع عدة مساجين ثم بمساعدة أهل زوجتي الذين هم أهل المنطقة استطعت عبور الحدود التركية لتلحق بي زوجتي وطفلتي الصغيرة‘‘.

عالقون يستعطفون:

وصول محمد وأسرته إلى تركيا ليس نهاية رحلة العودة، ففي سنة 2017 ولدت له طفلة أخرى، وكان عليه أن يدلي بوثائقه الثبوتية في المستشفى من أجل استكمال إجراءات تسجيل الطفلة، لكن وثائقه ظلت بيد رجال التنظيم. شرح لهم أنه فقد وثائقه وأنه مغربي الجنسية ليجد الشرطة تقبض عليه.

يسرد محمد متعجلا ما جرى ’’في التحقيق شرحت لهم كل شيء فكانت النتيجة أن مكثت بالسجن لمدة سنة واحدة، بحكم أنني اجنبي دخلت إلى أرض توتر وصراع، لم يسمحوا لأطفالي وزوجتي بزيارتي كل هذا الوقت، وبعدها هذا خرجت من السجن لأرى حالة عائلتي في أسوأ حال فطوال فترة اعتقالي لم يكن لهم معين إلا الله في بلد لا يعرفون بها أحدا‘‘.

محمد الآن عالق في تركيا ولا يستطيع العودة إلى المغرب، فمشكلته ليس فقط فقدان جواز سفره، بل أنه رب أسرة لم يتبع إجراءات تسجيل أطفالها لدى مصالح الحالة المدنية، وهذا يعقد من وضعه لذلك يرفع نداءه قائلا ’’ تعلمت الكثير مما حصل معي تعلمت من أخطائي ونلتمس ونتمنى من ملكنا حفظه الله وابقاه ذخرا للبلاد والعباد أن يصفح عن أبنائه وأن يعيدهم ليبقوا تحت جناح رعايته وكرمه‘‘.

ويضيف محمد مستعطفا ’’لا احن على الإنسان من موطنه ويشعر باليتم والتشرد بعيدا عنه، أريد العودة لوطني مع زوجتي وأولادي، لِأُربيهم في ربوعِهِ واعلمهم في مدارسه وجامعاته، أريد أن أعيش بسلام بين أهلي، والآن الأمر ليس متعلق بي فقط بل هناك زوجة وأطفال بحاجة إلى رعاية وحياة كريمة وكلي امل ان يحظوا بحياة هادئة خالية من المشاكل والهموم‘‘.

 ملفات تادلة 24


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...