جمال بودومة يكتب ….رثاء مهنة!

اذا كان البعض يختار مهنته بنفسه، فإن كثيرين تُقرّر الصدفة مستقبلهم، ويجدون انفسهم يمارسون مهنا لم يفكروا فيها يوما. احيانا يكتشفون انهم اخطأوا الاختيار، بعد فوات الاوان، وعندما يتأكدون أنهم تورطوا، وأن الرجوع الى الوراء مستحيل، يمضون ما تبقى من حياتهم في شتم الحظ، وسبّ من كان السبب في دخولهم الى “الحمّام”، خصوصا بعد ان يكتشفوا أن “دخول الحمام ماشي بحال خروجو”!

لا اعرف من اطلق على الصحافة لقب “صاحبة الجلالة”، لكنني أتمنى ان يتم اعتقاله بتهمة النصب والاحتيال والتغرير بالقاصرين، لأن كثيرا ممن وقعوا في غرام هذه “الملكة” المخادعة، وجدوا انفسهم يعيشون مع “صاحبة الضحالة”، وندموا ندم الكسعي.

اليوم، في المملكة السعيدة، اذا لم تكن تحسن ضرب الطرّ والغيطة والطبل، ولم تحمل آلتك الموسيقية وتنضم الى الجوقة، لا مكان لك في مهنة الصحافة، واذا كنت مصرا ألا تعزف مع الطبالة والغياطة والعياشة، وتعتقد أن التعليمات الوحيدة التي يمكن ان تستمع اليها هي تلك التي تأتي من ضميرك، هيء نفسك للسجن أو المنفى مع نشر العرض وتشويه السمعة!

كم نحن بعيدون عن أحلامنا القديمة. عندما بدأنا اولى خطواتنا في بلاط الوهم، كان الافق واعدا، والمهنة مغرية: الجرائد معدودة على رؤوس الاصابع، والصحافي شخص محترم، يحظى بالإعجاب والتقدير والاحترام. لم يكن للصحافة “بيت” ولا “مجلس” ولا “مواقع” ولا “جمعيات” لكل هؤلاء الناشرين: ناشري الاشاعات والاكاذيب والافتراءات واعراض الناس، والناشرين ارجلهم في المشهد الورقي والافتراضي.

أجمل أيام الصحافة كانت في سنوات الالفين، حين كنا نكتب دون سقف ولا جدران، مسلحين بالامل في مستقبل ديمقراطي قريب، وفي سلطة رابعة مستقلة عن بقية السلط. كانت الصحافة مهنة ساحرة، يحلم بها التلاميذ النجباء، والادباء الواعدون، والسياسيون المبتدئون. المشاريع الاعلامية مربحة، بفضل القرّاء والاعلانات والدعم العمومي، والصحافيون يتقاضون رواتب محترمة، ويحظون بسمعة طيبة. لذلك كنا نضحك كلما سمعنا احدهم يتحدث عن “مهنة المتاعب”. اي متاعب؟ لكن التوضيح لم يتأخرّ. سرعان ما بدات المضايقات وانطلقت خطة التصفية: مُنِعَت “لوجورنال” و”الصحيفة” و”دومان”، ثم سُجن علي لمرابط وتوالت المحاكمات والغرامات واغلاق الصحف… فهمنا أخيرا لماذا سُمّيتْ الصحافة ب “مهنة المتاعب”، وان “اللوالا ما خلاو للتوالى ما يقولو”…. اي تعب اكثر من تمارس مهنة كلما اخلصت اليها وجدت نفسك مسجونا او مشردا او في المنفى؟!

معظم المنابر التي صنعت مجد الصحافة المغربية في تلك السنوات الجميلة، انتقلت الى رحمة الله، أو تحولت الى نسخ باهتة من مشروع البدايات، بعد ان سيطر عليها مالكون جدد، في صفقات مشبوهة. لائحة الصحف التي شُيِّعَتْ الى مثواها الأخير طويلة: “لوجورنال”، “الصحيفة”، “دومان”، “صوت الناس”، “الجريدة الاولى”، “الاسبوعية”، “نيشان”… ونحن تترحم على أوراقها الطاهرة، لا يسعنا إلا أن نقلق على مستقبل الديمقراطية في بلاد تتحول فيها الصحافة الى مقبرة جماعية.

لا ديمقراطية دون صحافة حرة. خلال السنوات الاخيرة، مشى المغرب خطوات محترمة على درب التحكم في المنابر الإعلامية وتكسير أقلام الصحافيين المزعجين ومستقبلهم. إمّا معنا او ضدنا. ولن يكون لك شرف الدخول الى السجن بتهمة تتعلق بحرية التعبير، بل ب”مونتيفات” اخلاقية: التحرش، الاغتصاب، المثلية، السكر العلني، التآمر، التخابر مع دولة أجنبية…اخيرا عثرت السلطة على “الوصفة السحرية” لاخراس الاصوات المزعجة!

هناك طريقة معروفة لترويض القرد، كي يؤدي حركات بهلوانية في السيرك او في ساحة ملأى بالفضوليين: يُعزل السعدان في غرفة رفقة “معزة” لمدة يومين، يقضيها المروض وهو يطلب من الدابة أن ترقص، وأن تكرّر ما يقوم به أمامها من حركات بهلوانية. “المعزة” طبعا تكتفي بالثغاء لأنها غير قابلة للترويض. في النهاية، يخرج المدرب سكينا ويذبحها أمام السعدان، “هذا مصير من لا يسمع كلام المروض!”. القرد الذي شاهد الدم يسيل أمامه، يلتقط الرسالة جيدا، وبمجرد ما يطلب منه القيام بحركة ما يسارع في تنفيذها ببراعة تفوق تطلعات المروض…
بهذه الطريقة، تحولنا الى سعادين تنط من جريدة لجريدة ومن موقع لموقع، وبات من الصعب أن تفرّق بين الصحافي والطبال في المملكة السعيدة!

منشور في جريدة “اخبار اليوم”/ الثلاثاء 7 يوليوز 2020


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...