عبد الله أطويل يكتب: الدوري الاحترافي لقب 2020 المصير المجهول!

بينما تعرف قيود الحجر الصحي التخفيف تلو التخفيف، ومن المناطق ما تقدمت أشواطا في ذلك، ومناطق أخرى تتأهب، جل القطاعات استرجعت الشهيق والزفير، وبدأت تدب فيها أنفاس الحياة، وهي تحبو أو تزحف نحو الحركية الاعتيادية. لا زال من القطاعات ما لا يُعلم له خبر أو قبس، حول كيفية وأَجَل إعادة سماع هدير محرك دورانه.

 

إلى جانب قطاع الثقافة في بعدها الفني، فالقطاع الرياضي، لا زال يرقد مكفنا في ثلاجة الحجر، وخصوصاً ما تعلق منه بموضوع الدوري المغربي لكرة القدم، الذي بات نسيا منسيا، رغم ما يرافقه عادة من أنشطة ذات أهمية اقتصادية وغيرها. صحيح، بل من المؤكد أن الظرفية والحالة الوبائية لا تسمح بعودة تدحرج الكرة بالملاعب حاليا، أو على الأقل في الزمن القريب، إلا أنه من الضروري على من أُنِيطت بهم مهمة تدبير هذا القطاع، أن يخرجوا للرأي العام، بتصورات أو سيناريوهات محتملة، لاستئناف أو مصير الدوري المغربي لكرة القدم في نسخته الحالية.

 

مع كل هذا أمست الفرق الوطنية تتقلب في غياهب المجهول، وطَوَّحت بها طوائح كورونا نحو اللايقين. توقف عجلة الدوري المغربي تحت تأثير المد الكوروني، سيكون له ما بعده من كساد قد يصيب الكرة المغربية، ومعها الدوري الاحترافي في مقتل، رؤساء فرق وجدوا أنفسهم ملزمين بتسديد رواتب للاعبين وتقنِيِّين وأطر في  شبه عطالة، وآخرون طارت من أمام أعينهم رساميل واعتمادات مالية درأتها رياح كورونا، فأصبحت هباء منتوراً في سوق انتقالات لم تقم له قائمة، وإن قامت بدت عليلة سقيمة، وصرصر الكوفيد 19 جعل غمامه يبرق ويرعد دون أن يمطر، فمِن الأندية من شارفت عقود نصف دعائمه من اللاعبين على الإنتهاء، ومنهم من لم يعد يربطه بالنادي إلا أيام معدودات من الزمن، أمر قد يمسي معه شكل الإنتقال حر، لا ينال منه النادي قلامة ظفر، وما على مسيري الفريق إذ ذاك غير ضرب الأخماس في الأسداس حسرة على صفقات تتبخر مدبرة عن مالية الفريق.

 

الضبابية الكورونية، وغياب أي تصور حول مصير الدوري المغربي لكرة القدم، جعل جل إدارات الأندية إن لم نقل كلهم، في حيرة من أمرها، يُقَلِّبون التخمينات ذات اليمين وذات الشمال بين تلافيف مفكرتهم، وأوجست في نفسهم خيفة، مهابة دخول باب قرار قد يخرجونه بخفي حنين، أو يقبلون في أمر يحسبونه من المغانم فينقلب عليهم ظهر المِجَنِّ إلى مغارم، فلا هم متحمسون لتجديد عقود لاعبين، ولا هم يَعْقِدون أو يحلون في أمر تسريح آخرين، وحتى من رغب في ذلك من الأندية فلم تتقاطر عليه من العروض إلا أبخسها وأقلها نفعا. أجندات المدربين والأطر التقنية بدورها لم تكن في منأى من مصائب الجائحة اللعينة، وأصابها ما أصاب القطاع، فلا برنامج تدريبي أمكن له الخروج في ظل غياب تصورات أهل القرار.

 

بعض الفرق أو جلها، أعربت عن رغبتها في مقترح عدم استئناف الدوري، حتى يتسنى للأندية الاستعداد للموسم المقبل، مبررين طرحهم هذا بالكلفة الباهضة لاستئناف الموسم وبتدابير احترازية خاصة في زمن الوباء، وكذا ضيق الوقت لإتمامه. ومنهم من اقترح منح اللقب لمتصدره، وآخرون يَرَون في الإعلان عنه كموسم كروي أبيض سبيلا للحل الأمثل، ظناً منهم، بل يقينا لديهم أن سَهم هذا القرار يُسدد كبد الصواب، وأندية أخرى يرى مسؤولوها على ضرورة استكمال الموسم الحالي مهما كلف الأمر، ضمانا لمبدأ المنافسة الشريفة، وتكافؤ الفرص حسب زعمهم.

بين هذا وذاك، أمر المنافسة الكروية أحد مواضيع القادم من جلسات البرلمان، حيث طالبت فرق برلمانية مختلفة بحضور الوزير المسؤول عن القطاع، في جلسة ليطلعهم بمصير الدوري المغربي، ومعه باقي الانشطة الرياضية والثقافية. ربما الأيام القليلة القادمة كفيلة بذلك، وإن كان من تصور فهو تصور لم ولن يخرج عن ثلاث حالات ممكنة.

 

أول التصورات الثلاث، وهو الأقرب لأن يكون، استئناف المنافسة لاستكمال الموسم، وفي هذه الحالة قد تطالب أندية بعدم استئناف المنافسات، إلا بعد إجراء المؤجلات العالقة، ومدربون وأطر قد يشترطوا مدة لا تقل عن شهر، للتداريب الجماعية واسترجاع الطراوة البدنية المفقودة، وربما من عليه تنزيل برامج من شأنها خصم الأوزان الزائدة، وشد العضلات المترهلة، إيمانا منهم بعدم نجاعة التداريب الفردية. زد على ذلك جمعيات مشجعين “إلترات” لا ترى عودة المنافسة إلا بالحضور الجماهيري. كل هذه الأمور تجعل وضع أي تصور تكتسيه من الصعوبة ما تكتسيه، حتى وإن رضي طرف فالغضب سيكون شعار طرف آخر. في هذا صدق من قال، رضا الأحزاب غاية لا تدرك، وأشقى الناس من رضي أن يكون حكماً بينهم.

وإن كان هذا المقترح الأقرب للواقع، إلا أن الحديث يتراقص هنا وهناك ولو همسا، عن إمكانية اللجوء لتصور ثاني يقضي بعدم استئناف الموسم وإعلان متصدر الترتيب بطلا، وهنا لا نرى في الأمر يُسرا، ولا فيه أي ضرب من تكافؤ الفرص، وما يزيد هذا الطرح تعقيداً، ليجعله أبعد عن الحق وأقرب إلى الباطل، كما يزعم منتقدوه هو عدم مساواة جميع الفرق في عدد المباريات الملعوبة، والمشاكل التي كانت تتخبط فيها البرمجة قبل المد الكوروني، يعرفها القاصي والداني، وكم مرة تمت برمجة مباريات في نفس اليوم وبرسم دورتين متباعدتين أو حتى ثلاث دورات مختلفة.

 

من وجد نفسه ضد التصور الأخير، وليس من زمرة مؤيدي التصور الأول، لم يجد في قرارة نفسه من حرج في تبني مقترح يتمناه، مفاده إلغاء نسخة هذا الموسم، والتحضير للموسم المقبل، ربما يرى فيه من المصالح والمطامح ما يناسب هواه، أو له فيه بُعد سهم يترجاه، مزكيا ذلك بأنه طرح يجنب الفرق مصاريف تثقل كاهلهم، وتهشم ما تركه كوفيد19 من عظام سليمة.

 

نعلم حجم الجائحة، ونعي تبعاتها على البلاد والعباد، ندرك أولوية قطاعات أخرى، وهذا شيء طبيعي، ولا حرج في تأخير أو حتى عدم استئناف الدوري، لكن الحرج كل الحرج، هو التأخير في الخروج بتصور تعلم به الأندية ويصل مضمونه للرأي العام. ولمن يدعي أن القطاع ثانوي، فله أن ينظر دفتر تحملات النقل التلفزي، وعقود الشركات الاستشهارية، ومصاريف التنقلات، وأشياء أخرى لها باع ودراع في تقاطعها مع هذا النشاط الرياضي بالخصوص، وما يرافق ذلك من أنشطة ثانوية تقتات من دوران عجلة هذا القطاع.

 

على عكس الدوري الفرنسي، أغلب الدوريات الأوروبية استُؤنفت، ومنذ أسابيع. بل قرار الاستئناف تم اتخاده منذ الأسابيع الأولى من أبريل الماضي، وفق أجندات مفصلة لتواريخ عودة المنافسة، علمها الجميع، حتى كان للأندية متسع من الوقت لترتيب ترتيباتها.

 

رغم أن الاتحاد الافريقي لكرة القدم حسم أمر مواعيد نصف نهائي كأس الكاف ودوري الأبطال. وأخذاً بعين الاعتبار مصلحة أربع فرق مغربية موزعة مشاركتها بين المسابقتين، كان من الأَوْلى أن تكون ذريعة كافية لتسريع الخروج بقرار حول مصير “نسخة درع بطولة 2020” من الدوري المغربي، لكن جامعة الكرة لحد الساعة لم تصدر أي قرار رسمي قبل معرفة تصور الوزارة. في السياق نفسه وزير القطاع لم يُخرِج لنا من الوصفات وصفة، ولا أظهر لنا من التصورات تصور. لتظل دار لقمان على حالها، وكأن الأندية في نقاهتها الإجبارية، تتلظى بين مطرقة الكساد الكوروني وسندان الظلام الدامس الذي يحجب أي أُفق ممكن تخطيط أجندات بحسب هوامشه. ليظل الإنتظار سيد كل المواقف، وليس أشد من الحرب إلا انتظار ساعتها، ففي هذه النازلة قد لا تصح قولة قيل فيها، “إن الغذ لناظره لقريب”.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...