عبد الله أطويل يكتب : ومن الفقر ما قتل!

 

صورة الرسالة التي ظهرت على منصات التواصل الاجتماعي، تفوح من فضائها روائح التهميش والفقر والحاجة، تبدو قصيرة في كلماتها خشامة في معانيها، ركيكة في تركيبها اللغوي فصيحة حد البلاغة في اقتحام الوجدان والقلوب.

قد يصح خبرها وقد يكون باطلا، وكل ما لفه الشك فهو شك، وما ساورته شبهة التلفيق يستبعد مظنة السقوط في الافتراء والمزاعم الكاذبة، وبهذا فكل شك لا يُقتضى به، لكن الصحيح من الخبر كما يبدو هو إنتحار الخمسيني بفاس بعد ما لاقاه من ضعف ذات اليد والحاجة، وهذا حدث فيه من الرسائل ما فيه، ويجب أن يكون بعده ما بعده. وإن كان أمره هذا يذكرنا بوقائع من بنات صنفها، عمرت على منصات الأخبار ووسائل التواصل لأيام معدودات تطفو قشدة بين الأخبار، ثم انسحبت من المشهد في طي النسيان.

ولعل لمن نسي من سوابق هذا الجنس من النوازل، فما خبر شهيدات قفة الصويرة ببعيد، نسوة لقين نحبهن نتيجة ازدحام وتدافع دفعتهم إليه حاجة وفاقة وعوز إلى قش خبز يعالجون به ترياق جوع لف حباله على أعناقهن، صور وأنباء تلك الواقعة وصلت للإعلام الدولي. وسال مداد غزير، عن بلد شهداء الجوع في عهد حكومة إسلامية ينعم أعضاؤها بنعيم السيارات العمومية الفارهة والتعويضات الخيالية، وجلهم إن لم نقل كلهم لا مع العير ولا مع النفير، متأسلمين يأخدون من الإسلام ما يلائم مآربهم، متناسين قولة قال قائلها “انثرو الشعير على رؤوس الجبال كي لا يقال جاع طير في بلاد المسلمين”.

موت الخمسيني في فاس، أمر نتجاوزه، بل ربما سيجدُّ الغد بجديد خبر، يزيحه موشحا اياه وشاح القديم البالي، ليُستعمر مكانه بين وسائط التواصل ما جد من أنباء، ولو كان هذا الخبر من هذا الصنف، فسينال نصيبه من الشجب والتعاطف والمشاركات والاعجابات والتعاليق في مختلف منصات “الميديا”.

لكن بالمقابل إن كان هناك أمر غير متجاوز من هذه النازلة، فالرسالة التي تركها المنتحر بغض النظر عن الصورة المتداولة الممكن تجاوزها بشبهة الشك وعدم اليقين، لكن على كل من يملك مثقال درة من الضمير الإنساني أن يلتقط رسائل عديدة تركها من لقوا حتفهم، هذا منتحر جوعا وفقرا، وآخر تربصت به النوائب ودارت عليه دوائر الفقر، وفقد عملا يستطعم به وأهله، وهن أخريات بالأمس القريب هلكن متدافعات في طابور انتظار لتسلم قفة من حاجيات غدذائية قد لا تتجاوز قيمتها مائتي درهم، ونوازل كثر.

فمن ظن أنه يقضي على الفقر ببرامج توزيع القفف العينية، تالله إنه ليرغد ويزبد في غياهب الأوهام، بل ربما يخفي الشمس بالغربال. فما رأينا قفة أعطيت لأسرة فقيرة فكان الفقر دونها، وما سمعنا عن قفة أورثت رغادة عيش، بل بغض النظر عن ماقيل فيها من اختلالات واختلاسات، تظل طقوس توزيعها تفيض بالذل والمهانة أكثر من إفادتها، وربما تجرع عزيز نفس من ذلها ما تجرع، حين زجت به الحاجة إليها مكرها لا بطلا، ولسان حاله يردد البيتين الشعريين لعنترة بن شداد حين قال:
لا تَسْقني ماءَ الحياةِ بذِلَّةٍ.. بلْ فاسْقني بالعزِّ كاس الحنْظل
ماءُ الحياةِ بذلَّةٍ كجَهنَّم .. وجهنَّمٌ بالعزِّ أطْيبُ منْزل

أيها الفقراء، ومعشر الجوعى، لست مسؤولا عن تدبير قطاع، أو ممن فُوِّض لهم من مهمة في سياسة أمركم كي يكون لي بُعْدُ سهم في شأنكم.
ليس الفقر عيبا ولا كان كذلك، بل ربما أوردكم القدر في رقعة لا تسع أمثالكم من الفقراء. ليس الفقر عيبا، ولكن العيب إذا تواجد فقير في البلدة الظالم مسؤولوها.

وإن كان الفقر ليس عيبا، إلا أنه عدو التقدم وعصا في عجلة التنمية البشرية، بل مرض عضال ووهن مسقم يصيب المجتمع بكامله إذا ما أخدنا تعريف منظمة الصحة العالمية ل”الصحة”، باعتبارها تهم المعافاة في جوانب ثلاثة، الجانب الجسدي والجانب النفسي والجانب الاجتماعي، وهذه الجوانب الثلاث لا تستقيم لدى إنسان فقير، دخله الفردي دون الدولار، فكيف لمجتمع أن يكون معافى وثلث سكانه يعيش على أعتاب الفقر، اللهم إذا تبرأ من هؤلاء.

أيها الفقراء، ما يسعنا إلا أن نواسيكم، نعلم أنكم موجودون بين ظهرانينا ولازلتم ستوجدون في بلد البحر والصحراء والسهول والجبال.. وجودكم نعلم به، لكن توجهات حكومة كفاءاتنا سارت على درب مشاريع ذات طابع اقتصادي صرف، أنشأت تطبق املاءات صندوق البنك الدولي، وضلت سبيل وعنوان التنمية الإجتماعية، وتوفير عيش كريم للمستضعفين من الناس.

فصبر جميل معشر أهل الفقر وذويه، فالفقر ابتلاء، ولا ابتلاء أشد منه بأساً، إلا ابتلاء بلدنا بحكومات تضرب الطبقة البسيطة في مقتل، ابتغاء مرضاة طبقة ضميرها مستتر تقديره هم، في خلع تام للمبادئ وتجريد من القيم الإنسانية ولو هلك من هلك. وكأن لسان حال بعضهم أو جلهم ينطق في مثل هكذا حادثة من الحوادث، قائلا كما قال العرب سابقا “فليذهب إلى حيث ألقت حِملها أم خشعم”.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...