عبد السلام ديرار يكتب …المتغيرات الأولى الصلبة المرشحة لتفسير ال” كورونا” الشديدة الالتباس

سيتطلب الأمر وقتا ليس بالقصير لكي تتضح ( أو ترشح أو تفلت من الرقابة) كل المتغيرات و المعطيات التي يمكن الاستناد إليها في التحليل لفهم هذه ال”كورونا” بعيدا عن التبسيطية أو إلباسها الجاهز من النماذج النظرية ( و كأن المعرفة العلمية في الظواهر الإنسانية لم تعلن منذ عقود زواجها بالنظريات المحايثة للوقائع the undergrounded theory أي أن الباحث يواجه الوقائع و الظواهر وهو متخلص و متحلل من كل جاهز، يبني الواقع علميا، و إذا تصادف أن التقى ما يتوصل إليه مع ما تقول به نظرية ما (تحليلية أو بنيوية أو ماركسية…)، فسيكون في ذلك إغناء لها و تجنب للوقوع في سجنها). وهو نفس المسلك تقريبا الذي تسلكه فلسفة اليومي بعتاد الفلسفة طبعا.

و المتغيرات الأولى لحد الآن، التي يمكن الاستناد إليها في التحليل، أو الاحتفاظ بها إلى حين ظهور أخرى هي التالية:

1– هذه ال “كورونا” العجيبة – و على عكس ما يلوكه الكثير من المفترى عليهم محللون سوسيولوجيون و حتى فلاسفة! أو مشتغلون بها ، لا تفتك بالمقهورين و الأثرياء على السواء، بل ” تتشمّم ” الرئات المهترئة بسوء التغذية و السكن الخانق و التبغ الرديء… بأحياء البؤس و الآلام و الحرمان، ففي واشنطن مثلا من بين 20 حيا التي عرفت أدنى نسبة من حالات الإصابة،19 منها بمنطقة مانهاتن، منطقة محتكري الثروات، المنعّمين في الفيلات أو الشقق الشاسعة الباذخة، و الحي الذي عرف أكبر نسبة من الإصابات يقع بمنطقة كوينز، منطقة الملوّنين و المقصيين و المحرومين و المهشّمين!!. و الغريب أن اسمه هو ” كورونا “!!( إذن كورونا جاءت عند كورونا !!). و نفس الشيء هو ما حدث بإيطاليا و إسبانيا و فرنسا…، و عندما تغيّر وجهتها، فإنها لا تغير ” لا منطقها”، إذ تهجم على الشيوخ و العجزة المتقاعدين بدور العجزة (الغير المصنفة..)، المنهوكين أصلا بعذابات المصانع و المناجم و الوظائف البسيطة، و الذين ينظر حكامهم إلى معاشاتهم (البسيطة) كعبء على ” خزينة الدولة ” !!، و كأنها ليست أموالهم التي اقتطعت من عرق جبينهم على امتداد سنين ( كانت إيطاليا و اليونان قبل كورونا بقليل شرعت في القضم من تلك المعاشات، و كانت فرنسا على أهبة الاستعداد للمس بها …).

و حتى حين تهاجم هذه ال “كورونا” واحدا من محتكري الثروات، فإنها تصادف بنية حيوان مفترس، من فائض البروتينات و الكالوريهات و الفيتامينات التي يفترسها ( و يحرم الباقين منها)، ناهيك عن كونه ينتبه في الحين لإصابته، نتيجة إجرائه للتحاليل صباحا و مساءا!!، فيعزل نفسه في قصر أو مصحة عشرة نجوم، و يتجنّد الطب بكامله لعلاجه !!، لا في شبه مستودعات أموات كما الحال بالنسبة للمقهورين، و يخرج من”كورونا” بأدق مما تخرج به الشعرة من العجين!!. و حالة بوريس جونسون رئيس وزراء بريطانيا، و كذا زوجة رئيس وزراء كندا، و وزراء أستراليون، و كنديون و روس و بلغاريون… و كثير وجهاء و أمراء و سفهاء…، نماذج صارخة على أن مهاجمة “كورونا ” للمقهورين ليست هي نفسها لمحتكري الخيرات و الثروات.

2- نصف الموتى خلال فترة ال “كورونا” بإسبانيا أو فرنسا أو إيطاليا…، يغادرون الحياة في الأيام العادية. و ما بين70و90% من المغادرين، يتجاوز سنهم السبعين سنة. هذه متغيرات مهمة للتحليل.

3- تصريح نائب برلماني إيطالي في المؤسسة التشريعية، و بغضب فيه الكثير من الدلالات، أن 96% من الإيطاليين الذين فقدوا حياتهم، فقدوها لأسباب غير سبب “الكورونا”، و أن ” الحكومة الإيطالية قتلت المواطنين الإيطاليين بالخوف و الرعب”!! أكثر مما قتلتهم “كورونا”.

4- تزامن اندلاع ال “كورونا” الشديدة الالتباس مع أوج انتفاضة الشعب الفرنسي ضد إجهاز حكومته ( الملتبسة…) على كل مكتسباته التي انتزعها على امتداد ما يزيد عل القرنين من التضحيات، حدّ استدعاء الفرنسيين لشعارات و رموز الثورة الفرنسية…، إلى جانب الاحتجاجات التي كانت مستمرة لنفس الأسباب بإيطاليا و اليونان، و بداية امتدادها إلى عواصم غربية أخرى، و انتفاضات متفرّدة خارج الغرب بكل من الجزائر و لبنان و السودان… و عديد بلدان بأمريكا اللاتينية.

5- متغير آخر قد يبدو بسيطا و قد لا يثير الاهتمام، و هو بدلالة ثقيلة، يتعلق الأمر بعبارات كرّرتها مختلف القنوات الفرنسية و بمختلف اللغات، غداة رفع “الحجر الصحي ”

( هو في الواقع حجر آخر…)، من قبيل ” الفرنسيون يستعيدون حريتهم…” !، ” استعاد الفرنسيون حريتهم و عادوا لدردشاتهم على الأرصفة…” !، ” الفرنسيون سعداء باستعادة حريتهم …” !!…

6- الغضب العارم و العنف الفادح الذي انفجر بشوارع الولايات المتحدة الأمريكية عقب مقتل جورج فلويد على يد رجال شرطة مدربين على الهمجية، هذا الغضب الذي لا يحتاج كثير تحليل لتأكيد كونه كان يعتمل قبل ال” كورونا ” الشديدة الالتباس، و قبل عملية القتل القروسطية ( و التي ليست أبدا عملية منفردة في السياق الأمريكي)، و أن الحادثة (المروعة) كانت مجرد عامل مفجّر، بمعنى أن غضب المقهورين بأمريكا هو نفسه الذي كان اشتعل بفرنسا ، و بدأ بإيطاليا و اليونان… . و إذا أخذنا بعين الاعتبار درجة الدقة المتناهية التي باتت تحرزها الحزمات الإحصائية و المقاييس في العلوم الإنسانية عموما و في السوسيولوجيا على الخصوص، و السوسيولوجيا بأمريكا في أوج تطورها بمراكز المعارف التّنكيلية !! بلغة الراحل إدوارد سعيد ( و لنا الفقه السوسيولوجي و فقهاء الاجتماعي اللّاتستحيي وجوههم المنجمنون …)، إذا أخذنا بعين الاعتبار ذلك، نفهم القيمة القصوى لهذا المتغيّر رقم 6.

7- التعويضات الممنوحة للمقاولات و الشركات و أرباب المال بمختلف العواصم الغربية ( من أموال دافعي الضرائب، أي المقهورين و القريبين منهم )، تقدر بمئات مليارات الدولارات، لا بل ببلايين الدولارات. و تكفي الإشارة إلى أنه غداة ما اصطلح عليه ب “الأزمة المالية” لعام 2008( و هي في الواقع أزمة اجتماعية)، قدمت حكومات أوربا و أمريكا و اليابان ما مجموعه 15بليون دولار( 15000مليار!!) من أموال المقهورين و القريبين منهم لكبار الملاكين و الصناعيين و أرباب الأبناك… !!علما بأن الممسكين بزمام السلطة و الممسكين بزمام الثروة إخوة !!!!. و بناء على ذلك، فالخسائر جرّاء ال “كورونا” الشديدة الالتباس سيدفعها المقهورون و من هم على شاكلتهم ، و القريبون منهم…

8- لفهم “كورونا”، يصعب استبعاد متغيّر الظاهرة الترامبية ( نسبة إلى ترامب الغرائبي)، كرمز لارتكاس فضيع تشهده المجتمعات الغربية باتجاه ما قبل ” المجتمع البورجوازي” و “الحضارة البورجوازية”، أو بتعبير صريح، باتجاه عودة نبلاء جدد، بكل

ما يرمزون إليه من همجية و خبت و مكر و دسائس… هؤلاء الذين ظلوا في سياقنا بكل عافيتهم…

هذه متغيّرات، أعتقد أنه لا يستقيم تحليل فعلي ل “الكورونا” الشديدة الالتباس، دون استحضارها و محاولة الإمساك بالخيوط التي تربط بينها. و نفترض أن متغيرات أخرى ستظهر رغم كل محاولات طمس معالم ” الجريمة”… .

*باحث في علم الإجتماع


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...