قرية تسلي المنسية…مآسي مغاربة يسكنون جبال الأطلس الكبير ويعدمون العيش الكريم.

 بويحلين هشام الفائز بالمرتبة الأولى في صنف المقال الصحفي  في مسابقة_الشعلة_للابداع بني ملال 

أزيد من 160 أسرة يعيشون بعيدين كل البعد عن الحضارة عن العيش الكريم عن Hبسط الحاجيات في قلب جبال الأطلس. المغرب المنسي:
تجاعيد ترسم مساراتها في وجوه الصغار كما الكبار..فهنا لا تمييز بين الشاب ولا الشيخ، فالتجاعيد لا تعني  التقدم في السن بقدر ما تعني تجاعيد الإهمال والفقر والبؤس، الذي ينحر أجساد أهالي “تسلي”، وشفاه مشققة كأنها أرض تعاني من الجفاف…فهنا تكاد لا تميز بين ملامح الطفل والكهل.

-الموقع الجغرافي:

قرية تسلي تنتمي إداريا إلى جماعة أيت تمليل الخافتة في إقليم أزيلال جهة بني ملال خنيفرة، حسب التقسيم الجهوي الجديد…يحدها شمالا “امي نتيزكي” وجنوبا “ازرزام’ وجبال شاهقة من الشرق والغرب…وتبعد عن سطح البحر ب 1600 متر ويتراقص فيها مؤشر الحرارة بين 6 درجات تحت الصفر في الشتاء وحوالي 38 صيفا، بين حرارة الصيف وصقيع الثلوج تعيش أهالي القرية المنسية تحت رحمة الطبيعة.

هنا قرية تسلي مرمية في غياهب النسيان، سكانها مزهرة وجوههم، محمرة أنوفهم، نحيفة أبدانهم، كساؤهم متواضع، الكل هنا أمازيغيون بالأصل لكل هنا قصته الخاصة، لكن التهميش والعزلة والأوضاع المزرية وغياب أدنى شروط العيش توحدهم، فهم يعيشون على الطبيعة والرزق على الله.

-فصل الشتاء:

الشتاء هو أقسى الفصول الذي تمر منه قرية تسلي المنسية، تعاني خلاله العزلة عن العالم الخارجي، وتصبح منسية منها إلى الطبيعة وتعيش تحت وطأتها….خلال هذا الفصل تبلغ الثلوج أقصى ما لديها، فسمكها يقارب الأمتار وغياب الأكل يؤدي بالساكنة ممن كانوا من المحضوضين إلى الاستعانة ببعض القمح والشعير المتوفر ليسدد به جوعهم، ويسكت به نداء المعدة المتكرر فهنا العيش للاقوى…جبال هب منهم برد منسكبة من قمة الجبل ترعش البدن، تسيل منها الجفون سيلا وتعجز جراءها اصابع اليد المحمرة، والتى اكل منها الزمن ما استطع اكله على ضم بعضها، في متلا هذا الفصل من كل سنة تكون هذه البقعة من الكون شبه خالية من الحياة، هنا اناس احياء و اموت ينتضرون فقط الدفن.

تساقط الثلوج هنا بمثابة كابوس يفزع قلوب اهل “تسلي المنسية”، فهو يعني حرفيا انعزال القرية عن محيطها إلى أجل غير مسمى، وقلة في الزاد والمؤونة وتأجيل العلاج والتمدرس إلى أن تُزال الثلوج أو تذوب، فالطروق في هذا الفصل تغلق وتصبح قرية تسلي المنسية قارة منعزلة عن العالم الخاريجي.

-فصل الربيع:

إنه فصل الزهور فصل الورود تزهر كل بقعة من هذه الأرض المرمية في جبال الاطلس، خلال هذا الوقت من السنة ترى البسمة في وجوه الصغار كما الكبار دون نسيان النساء، فوافرة العشب للغنم والمعيز والبقر والبغال وبعض الحمير، يجعل الشيخ والنساء مسرورين وينسى كل منهم ما مر به خلال الفصول السابقة، فالبقرة ستعطي الحليب واللبن الذي يرتوي منه السكان ويعيشون في سعادة ولو لحظية.

-فصل الخريف:

فصل تساقط اوراق الأشجار والاقنعة، فصل تجميع القوى والاستعداد لحرب الشتاء فالشتاء اكبر الخصوم عدوانية هنا بقرية “تسلي المنسية”، فهو فصل جني التفاح واللوز وتجميع الجوز قصد البيع، من أجل إسكات نداء الأمعاء المتكرر ولو أن هذا السكوت لن يدوم طويلا، فمع حلول فصل الشتاء أو فصل المعانات كم تسميه الساكنة، هنا تقل معه المأونة الا من بعض التبرعات، التي تأتي بها جمعيات المجتمع المدني من المدن الكبرى لهذه القرية المرمية وسط هاته الجبال الشاهقة.

-فصل الصيف:

القمح جاهز للحصاد ثم الدرس، فساكنة تسلي المنسية في هذا الفصل، يقومون بجمع المحاصيل المتواضعة كتواضعهم، والبعض الآخر يستعد للترحال إلى منطقة قريبة “إمزي” و”سيفسكموض” تم “تامسولت”، فالاسماء كلها أمازيغية كالساكنة، هاته المناطق توفر بعض الكلاء لماشية ساكنة الدوار والدواوير الأخرى المجاورة القريبة منها والبعيدة.

-المدرسة وأطفال القرية:

 المدرسة بعيدة عن الدوار، فالوصول إليها يحتاج من الاطفال الصغار أن يجتازوا قنطرة كانت في البدء من صنع رجال القرية، فالتعلم هنا أصعب وتزداد صعوبته في فصل الشتاء، فعند بداية تساقط الثلوج يصبح اطفال القرية في عطلة فرضتها عليهم الطبيعة، إلى أجل غير مسمى، فالعودة إلى حجرات الدرس مرتبط بذوبان الثلوج، وتوقف السيل من الوادي، أطفال هاته القرية المنسية لا يختلفون عن نظرائهم في الدواوير الأخرى فملامحهم توحي بشدة المعاناة هنا، والفقر الذي بلغ أوجه، وجوه بريئة كتبت لها الولادة بين جبلين، ولا تتوفر على مستشفى ولا يعرف ساكنتها المدينة الا ان يبلغ المرء العشرين  عاما من عمره، فصرخة أمهاتهم عند الولادة تسمع في كل الاخاديد وكل فج عميق، فصرختهم القوية تجعل من المولودين مستعدين لمواجهة الطبيعة، ويعلمون كذلك أنه يجب الحزم والتشمير عن السواعد من أجل العيش، فهنا في قرية تسلي المنسية لا مكان للضعفاء.

لا توجد مدارس متخصصة في التعليم الإعدادي أو التأهيلي هنا، إذا أراد أطفال تسلي متابعة دراستهم بعد المرحلة الابتدائية فهم يضطرون إلى مغادرة القرية والاستقرار في مناطق أخرى توجد فيها مؤسسة تعليمية إعدادية أو تأهيلية، وغالبا ما يعجز الأهل عن توفير مصاريف لأطفالهم ليتمكنوا من السفر ومتابعة مسارهم الدراسي خارجها، وهذا ما يتسبب في زيادة نسبة المنقطعين عن الدراسة بتسلي.

 معدل الأمية في تسلي والقرى المجاورة لا يزال مرتفعا، فقد بلغت نسبة الإناث غير المتمدرسات اللائي تتجاوزن 10 سنوات حاجز 95.90%، فيما بلغت نسبة الذكور غير المتمدرسين من نفس الفئة العمرية 54.03%، حسب إحصاء رسمي قامت به المندوبية السامية للتخطيط بالمغرب.

-أعراس في قلب المعاناة:

يعلم سكان هذه المنطقة أن التحسر على معاناتهم، وتأففهم من الهجر والنسيان يُماثِل سَكْب كوب ماء في اليم الواسع، لا يُسمِن ولا يُغني من ضنك العيش هناك، فلا يَضيرُهُم أن يُقيموا الأعراس وأن يتصاهروا بينهم وأن يفرحوا بين الفنة والآخرى.
فللأعراس هنا تقاليد وعادة تختلف عن باقي القرى المنسية الأخرى، فهنا لا مجال عند الذكر لإختيار شريك حياته فالزوجة تختار من طرف الأبوين ويكون المعيار هنا مدى كد واجتهاد الأنثى، تتم الخطبة أو مايسمنه هنا في القرية “لعلامت”، حيت ينتقل أهل العريس إلى بيت العروس وفي أيديهم كل المستلزمات من حناء وملابس واحدية…وكذلك خروفا، بعد الخطبة بأيام معدودة تنطلق مراسيم الاحتفال وتبدأ العائلتين بالإستعدادت اللازمة لإستقبال الأفراد الأخرى من العائلة ودراويش الداور، فالكل سيحتفل مع العائلتين؛ فالاعراس هنا في تسلي تتميز بالتآزر والتآخي بين أهل القرية، بعد انتهاء أهل العروس من ضيافة الناس، ينتقلون إلى بيت العريس لإستكمال الطقوس واستكمال الإحتفال فيقام “أحواش”، فالناس هنا في قرية تسلي ليس كباقي الناس، فدائما هناك متسع من الوقت للنسيان للغفران للإحسان نعود نقترب اكتر من بعضنا البعض تلتصق اكتافنا بأكتاف جيراننا، نتحرك من أعلى إلى الأسفل تم يمينا فيسارا ندق الارض بأقدمنا نعرق تم نذوب ونتوحد…انه احواش شطحات صوفية من أجل استحضار الأمن والنقاء والتصالح مع الذات.الكل يحتفل ويستعيد لخوض غمار أحواش رقصة استحضار الامجاد بجلابيب بيضاء وعمامات صفراء وقلب ابيض تعلن الشفاه البداية بقول “ابسمي نكشمد أسايس إرا انحوش”وأسايس تعني الساحة باللغة الأمازيغية، والكل يرقص الكل مسرور العروس والعريس أيضا،حتى الاطفال الذين اخد الحزن مأخده في محياهم.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...