أسئلة العقل العربي المعلقة

في العقل العربي الكثير من الأسئلة التي لم تُحسم، والسؤال الذي لا يُحسم يتحول مع الزمن إلى إشكالية، والإشكالية تتسع وتصبح قضيّة بحيث يغرق السؤال البدئي في التفاصيل التي تثيرها المؤسسة الدينية التي تدخل كطرف كبير في النقاش من منطلق الشرعية الدينية، ثم المؤسسة الاجتماعية والسياسية، وغيرها، لدرجة أن يصبح التأمل مستحيلاً، ويغيب السؤال في تفاصيل غير مفيدة.

هذه بالضبط حالة العقل العربي، اليوم، الذي أخفق في ضبط أولوياته للانطلاق، كما حدث في كل بلدان العالم، كلما تقدم خطوة في حسم أسئلته التي هي أسئلة المستقبل، وجد نفسه في نقطة البداية، بل ويتراجع حتى عن مكاسب عشرينيات القرن الماضي، وما قبلها، وما تلاها من حرية العقل، والصحافة، والمعتقد، والهوية، والمرأة، وغيرها.

لنا طه حسين مثال لهذا الإخفاق، بعد ظهور كتابه «في الشعر الجاهلي» تمت المطالبة بحرقة، لكن النقاش لم يتوقف وظل يلهب الساحة، ولم يسجن أي من المشاركين في النقاش، مع طه حسين أو ضده، واستطاع الكاتب أن يدافع عن رأيه، بل أن ينتصر له القضاء في ذلك الوقت، الذي يمثل الدولة إذ لم يرَ في تأملاته أي كفر أو سجالات إلحادية، مع أن فكرة الإلحاد أنجبتها الأديان نفسها ولا تقع خارجها، بالخصوص في أوروبا الواقعة تحت هيمنة الكنيسة ومحاكم التفتيش المقدس.

وقد ناقش المسلمون القضية الدينية دون أن ينتهي بهم ذلك إلى التكفير، فقد كتب المعري رسالة الغفران، التي افترض فيها صعوداً إلى العالم العلوي، وقسَّم الشعراء في الآخرة كما اشتهى، ولم يلحقه أذى كما أوذي دانتي أليغري، قروناً بعد المعري، يداهن الكنيسة خوفاً من بطشها في الكوميديا الإلهية، كان، يومها، العقل العربي فعالاً ونشيطاً ومنتجاً أيضاً وحيّاً، قبل أن يضمحل لأسباب، تاريخياً، يصعب حصرها، ربما لعب فيها الحضور العثماني والاستعمارات اللاحقة دوراً كبيراً، لكن ليس حاسماً، لأن المسالة بنيوية أيضاً وتنهض من عمق الثقافة العربية في بعدها الديني، التي لم تتوصل إلى حسم ما كان يجب حسمه في وقته، وإلا كيف نفهم اليوم شخصية مثل طه حسين الذي أثار جدله في الكتاب الذي ذكرناه آنفاً، فيتراجع عن كل ما قاله ويعيد طباعته في 1927 تحت عنوان مخادع قليلاً «في الأدب الجاهلي»، حيث تضمن النص الجديد بعض التعديلات والإضافات، ومنها حذف الفقرة الأكثر إثارة للجدل عن سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل، كما تضمن مقدمة جديدة مطولة ناقش فيها طه حسين ثقافة مصر وآثارها التاريخية، وأخيراً أُضيف للكتاب 17 فصلاً أنهت سجال الكتاب الأول «في الشعر الجاهلي»، وقد يكون للضغط دور كبير في ذلك كما قال وقتها رشيد رضا في مجلة المنار، ملخصاً التهم مع تفسيره الخاص، لكن المسألة أكبر من ذلك، فهي بنيوية، تهم تاريخية الثقافة العربية التي أبقت كثيراً من أسئلتها المعرفية الكبرى معلقة.
نشر على منصة الرؤية
*أكاديمي وروائي مقيم بفرنسا، عمل في جامعة الجزائر المركزية، قبل أن يلتحق في 1994 بجامعة السوربون في باريس. يسهم بتحليلاته الثقافية والسياسية في صحف عربية كثيرة، حصل على جوائز مرموقة منها جائزة الشيخ زايد للآداب.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...