البناء العشوائي: الشجرة التي تخفي الغابة.

توفيت سيدة خمسينية يوم الإثنين 27 أبريل 2020، بدوار واد الملاح”حي الگلتة الحايلة” تاونات، على إثر تداعيات تدخل السلطة المحلية، المتمثلة في شخص القائدة والأعوان، لهدم بناء “غير قانوني”، وتعرف القضية عدة تطورات للكشف عن ملابسات وظروف الوفاة وحيثيات تدخل السلطة المحلية ومسؤولياتها، ولماذا تجرأت العائلة على منع عملية الهدم، والدخول في اصطدام مع السلطة المحلية، وهل يمكن اعتبار المسألة حادثة اعتباطية وعارضة، أم أنها سلوك مؤسس يبرز طبيعة علاقة السلطات المحلية مع السكان، القائمة على العنف والعنف المضاد؟
يتطلب الخوض في هذا الموضوع اعتبار مجموعة من العناصر المتداخلة والمركبة، فيها اللحظي والآني، كظروف الجائحة والحجر الصحي، ورمضان شهر الصيام، وفيها البنيوي، كوضع المنطقة بشكل عام و علاقة السلطة بالسكان، وكيفية تدبير الشأن العام.
فلو اعتبرنا ظروف الحجر والطوارئ الصحية، وشهر رمضان الفضيل، لقلنا أن التدخل لهدم البناء الذي اعتبر عشوائيا، هو خرق لقدسية هذين الظرفين وتكسير لالتزام المواطنين أو على الأقل لغالبتهم للحجر الصحي، من طرف من كان يجب عليه ضمان احترامهما. أما عن قانونية التدخل، فأعتقد أن السيدة القائدة قد، فكرت على الأقل، في الشروط القانونية للتدخل، وإلا سيكون عبثا مجانيا إضافيا.
نبدأ بمحيط البناء “العشوائي” المُهدم، فهو يقع في ” دوار واد الملاح” في حي الكلتة الحايلة، والدوار، إذا تجاوزنا الإسم باعتباره إسما قرويا داخل مجال حضري، وهو مستحدث، لم نسمع بهذا الدوار قبل بضع سنوات، كنا نعرف واد الملاح كفضاء للطبيعة وخيراتها من حبوب وتين وزيتون، فكيف أحدث هذا الدوار ومعه الكلتة الحايلة، نعم، قد نقول، عفا الله عما سلف كما بدأنا نسمع، وأن العمل بقانون التعمير أصبح ملزما للجميع، جميل، ولكن هذا البناء المُهَدّم، حديث، فمتى تم بناؤه، وأين الجهات القانونية المسؤولة عن المراقبة، إذا لم يكن لها بالأمر علم، فتلك مصيبة، وهي مستبعدة، لكن لماذا تم التغافل؟ أم أن المراقبة نبّهت المعني مسبقا ولم يلتزم، هنا يُطرح السؤال، لماذا لم يلتزم المخالف بالتنبيه ولماذا استمر في البناء، على اعتبار أن المبنى يبدو في الصورة مكتملا، وتلك أم المصائب. هناك إذن خلل في التواصل، خلل في مسطرة الوصول إلى قرار الهدم. ألم يُوضح للمعني خطأ قراره ، أم أن هناك تفاهما لم يكتمل، فكانت محاولة الانتقام. هنا يتبين لنا أشكال العلاقات بين السلطة والسكان، وقد أبرزت لنا تجربة الطوارئ الصحية، عبر التراب الوطني، نماذج من مقاربات علاقة السلطة مع السكان، من التواصل الهادئ والسلس الذي اعتبر اللحظة مناسبة لتسويق مفهوم السلطة الجديد القائم على احترام التعاقد بين الطرفين وأولوية التوعية على احترام القانون… والتواصل العنيف الذي يبرز الطابع العنيف للمقاربة المخزنية، وهذا يؤكد أن هناك غموضا كبيرا في علاقة السلطة بالمواطن حد تغليب المزاجية على الضوابط المسطرية، ويكفي استمرار استعمال كلمة “السلطة”،” المخزن”، عوض الإدارة، الدولة، الجماعة، للتأكيد على صعوبة الحديث عن الإدارة المواطنة. كل شيء عبثي، الأرض، العمران، العلاقات الاجتماعية، وفي الكثير من المناطق لدرجة أن هذه العبثية تكاد تشمل البلاد بأكملها، فكل شيء لا يخضع للقانون بالضرورة، بل لأشكال تدبير لا يعلمها إلا الراسخون في العلم، منها القرابة ليس فقط الدموية بل القرابة من مراكز القرار، انطلاقا من أبسط المراكز إلى أعلاها، لا نعمم في كل شيء، ولكن نقول أن الأمور ليست على خير، المواطن تمارس عليه الكثير من الإكراهات، الكثير من التعقيدات، ومن أجل رفعها يخضع للكثير من الابتزازات والتنازلات، وعندما يحاول أن يقاوم، إما تشبُّها بما هو معمول به في الكواليس(التنمر)، أو رفضا لشطط أو ظلم معين، عندما يحاول ذلك يتم تركيعه بالقوة. طبعا القانون جميل، لكنه يحتاج أدوات أساسية، تنطلق من ظروف وضعه إلى حيثيات تفعيله وهل هو قانون عام ام نخبوي، هل يحترمه الجميع، ويطبق على الجميع…هذه النقاشات كنا متعودين عليها في بعض المؤسسات المغلقة فقط، كالبرلمان، او داخل مقرات التنظيمات السياسية والنقابية والجمعوية، أما الآن وبحكم التعليم وتكنولوجيا المعلومات والاتصال، أصبح الجميع يرى ويسمع وبالتالي بدأ يقارن وضعه بما يحدث في أرض الله الواسعة. لا يمكن أن نستمر في العبث أمام عالم مفتوح مع استمرار أشكال التحكم المباشرة.
في العقد الأخير من القرن الماضي، وبعد عواصفة رعدية ببولمان، امتلأت الشعاب بالماء ومنها شَعبة بوعرفة، نتج عن ذلك إغراق المنازل المجاورة بالماء والوحل ألحق بها أضرارا هامة. بعد عملية الإنقاذ وهدوء العاصفة، فكر الناس في رفع التضرر للباشوية والمطالبة بالتعويضات، استقبل الباشا الجماعة المتضررة، وأثناء الاجتماع باغتهم الباشا وبنبرة قوية “واش حنا قلنا ليكم تبنيو فالشعبة، تحملو مسؤوليتكم”، فرد أحد الحاضرين: “عفوا السيد الباشا ولكن واش هاذ الناس بناو الحومة فالليل”، لم يجد الباشا بدا من الهروب إلى الأمام ويلقي باللائمة على من سبقوه، فكان الرد:” الأشخاص زائلون والإدارة مستمرة”، وبعد محاصرة الباشا لم يجد بُدّا من اقتراح بعض الحلول للتخفيف عن الساكنة، وكانت بالمناسبة بعض الأغطية ومواد التنظيف. لكن الحل الحذري كان سنة 1999 في إطار محاربة آثار الجفاف حيث أعيدت هيكلة الشَّعْبة لحماية الساكنة المجاورة.
إن المقاربات العنيفة وإن مكنت من الإسكات فإنها تغطي جراحا تظل كامنة وسرعان ما تطفو عند كل إثارة. نحن نطمح أن نتغلب على إكراهاتنا بالتعاقد، والتدبير التشاركي لشؤوننا، لا ننزه أحدا وإذا كان الإنسان خطاء فإن معالجة الأخطاء هي فرصة للتطوير والتنمية والتفكير الجماعي والجمعي في إبداع الحلول التي قد يملكها طفل نبيه ويعدمها متهور. نتمنى ألا يرزأ أحد منا في نفسه او قريبه نتيجة تصريف انفعالي أو عدائي من الإدارة التي عليها أن تكون في مستوى الرهانات التي يستحقها الوطن و المواطن.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...