ربورتاج: أسعار اللحوم الحمراء تشعل الحرب بين الجزارين و”الكسابة” أول ضحاياها

-ملفات تادلة 24-

تداول نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي صورا وأخبارا من جماعة دار ولد زيدوح، التابعة إداريا لإقليم الفقيه بن صالح، حول قرار الجزارين تخفيض وتوحيد أثمنة اللحوم الحمراء، وتراوحت ردود فعل النشطاء والمواطنين بين المؤيد لهذا القرار والمطالبة بتعميمه على باقي المدن رأفة بالمواطنين في هذه الظروف التي تجتازها بلادنا، وبين المشكك في نوايا العملية، معتبرا أنها ظرفية وإجابة مرحلية عن نتائج الركود التجاري التي خلفتها جائحة كوفيد- 19، والتي أثرت على اقتصاد المنطقة برمتها، كما أثرت سلبا على القدرة الشرائية للمواطنين.

 في هذا الربورتاج، تقربكم ملفات تادلة من حيثيات هذا الإجراء وردود الأفعال التي خلفها وسط الحرفيين والكسابة والمواطنين.

50 درهم للكيلوغرام الغنمي والبقري بدل 60 درهم

رغم مظاهر الحجر الصحي، والحواجز التي تضعها السلطات المحلية وعناصر الدرك الملكي بالمداخل الرئيسية للجماعة وشوارعها، تبدو الحركة عادية بالسويقة المتواجدة بالشارع الرئيسي، فهي قلبها النابض، ومركزها الذي يقصده كل من يريد التبضع، الزبائن رجال ونساء، وحتى من مختلف الأعمار، يتبضعون ويتبادلون الحديث، كل زبون يحدد وجهته المفضلة، ودكانه المعتاد لاقتناء ما تيسر من الخضر أو اللحوم، لا حديث هنا في السويقة، سوى عن القرار الذي اتخذه حرفيو الجزارة، والقاضي بتخفيض وتوحيد ثمن اللحوم الحمراء في 50 درهما للكيلوغرام الواحد عوض 60 درهما.

يقول الجزارون في إعلانهم ” نحن حرفيو الجزارة بدار ولد زيدوح قررنا توحيد ثمن اللحوم الحمراء تلبية لمطالب الساكنة وتضامنا منا مع زبنائنا الكرام في هذه المرحلة الصعبة التي يمر بها وطننا الغالي، وقد حددنا الثمن في 50 درهم للحم الغنم ولحم البقر.

سعيد الواحدي، قصاب، شاب معروف لدى ساكنة المدينة بلباقته وحسن تعامله مع الزبناء وهو في نفس الوقت أمين الجزارين، ورث المهنة عن أبيه العربي الذي كان أمينا للجزارين بدار ولد زيدوح، قال لملفات تادلة ” إن القرار اتخذ بالإجماع من طرف حرفيي الجزارة المتواجدين بالسويقة، لتشجيع الزبائن على اقتناء اللحوم الحمراء”، مضيفا أن القدرة الشرائية للمواطنين تضررت بشكل كبير جراء تطبيق الحجر الصحي لمواجهة تفشي وباء كورونا.

بالواجهة الأمامية لمحل الجزارة، علق سعيد كباقي زملائه يافطة كتبت بخط بارز، تشير إلى لائحة الأثمان الجديدة التي تم الاتفاق عليها بموجب عريضة وقع عليها أزيد من 12 جزارا-حصلت عليها ملفات تادلة-العريضة، حدد بموجبها ثمن الكيلوغرام من ” الغنمي والبكري” في 50 درهما بينما حدد ثمن” الكفتة” في 70 درهما للكيلوغرام الواحد.

وأضاف ” كان علينا التكيف مع الوضع الجديد الذي فرضه وباء كورونا والتضامن مع الزبناء، خاصة وأن شهر رمضان على الأبواب، والذي يتطلب مصاريف إضافية للأسر المغربية، سعيد أكد على أن هامش الربح انخفض بشكل كبير مقارنة مع الأيام السابقة، قبل دخول الحجر الصحي حيز التنفيذ.

أما “الناجي دحمان” الذي يتواجد محل جزارته بالجهة المقابلة لمحل سعيد بنفس الشارع، فاعتبر أن قرار توحيد أثمنة اللحوم الحمراء يهدف إلى التضامن مع ساكنة دار ولد زيدوح المتضررة من الحجر الصحي، الناجي، لم يكلف نفسه عناء الإجابة عن سؤال الربح والخسارة في هذا القرار الذي تلقته ساكنة المدينة بارتياح.

لائحة أثمان اللحوم الحمراء معلقة بباب محل الجزارة

مواطنون يرحبون

“مصطفى بلخال” رجل في عقده 50 واحد من سكان دار ولد زيدوح الذي يتردد على محل سعيد لاقتناء حاجياته من اللحوم، قال في تصريح لملفات تادلة ” إن قرار تخفيض اللحوم الحمراء قرار مناسب ويصفق له، لأنه يراعي القدرة الشرائية للمواطنين بالمدينة في هذه الظروف الصعبة”.

مصطفى طالب حرفيي الجزارة بدار ولد زيدوح بالحفاظ على هذه الأثمنة التي تبقى في متناول المواطنين. نفس الموقف تقاسمه مع مصطفى، عون سلطة (طلب منا عدم ذكر اسمه) كان يتبضع من السويقة.

أما مليكة، وهي زبونة تتردد على دكان الناجي لشراء حاجياتها من اللحوم، فقالت لنا ” إن الثمن جد مناسب ويراعي مدخول المواطنين ” وزادت ” نأمل أن تخفض أثمان الخضر كذلك”.

تضامن أم تقلبات السوق

كثير من المراقبين والمتتبعين اعتبروا أن قرار تخفيض وتحديد أثمنة اللحوم في هذه الظرفية يطرح مجموعة من الأسئلة، تتعلق بهامش الربح الذي تجنيه هذه الفئة من عملها اليومي، خاصة بعد إغلاق الأسواق الأسبوعية بالمنطقة، ومدى تطابق اللحوم التي يتم بيعها بالأثمان المحددة-وفق ما تم الاتفاق عليه-مع المعايير الصحية المعمول بها، وكذا خلفيات القرار غير المعلن عنها.

تخوفات وتساؤلات مشروعة في ظل هذا الإجراء الذي قام به الجزارون بدار ولد زيدوح، حملناها إلى أمين الجزارين السابق، ومهنيين أخرين فكان جوابهم.

العربي الواحدي، الأمين السابق” للجزارين” وهو في نفس الوقت مستشار بجماعة دار ولد زيدوح، كان له رأي مخالف، وأسر لنا بأن قرار تخفيض وتوحيد الأثمان لا يرتبط بتضامن الجزارين مع الساكنة كما يشاع، ولكن أملته ظروف المنافسة بين القصابين وانصراف الناس لاقتناء الدواجن التي عرفت أثمانها انخفاضا ملحوظا، بالإضافة إلى إغلاق الأسواق الأسبوعية التي كانت موردا اقتصاديا مهما “للحرايفية والكسابة” معا، فضلا عن البطالة المتفشية بالمنطقة، وبتعبيره أصبحت ” الحركة واقفة”.

وتوقع العربي المزيد من انهيار الأسعار وأثمان اللحوم الحمراء في ظل ظروف الحجر الصحي، نتيجة ضعف القدرة الشرائية للمواطنين وغلاء المواد العلفية والجفاف الذي أثر بشكل كبير على مستوى عيش الفلاحين الصغار بالخصوص.

العربي قال في تصريحه لنا “إن أول شيء سيحرص عليه الجزارين بدار ولد زيدوح، هو جودة اللحوم وتطابقها مع المعايير الصحية مراعاة للسلامة الصحية للمواطنين”.

تحفظات الجزارين كانت واضحة حول سؤال هامش الربح الذي تجنيه هذه الفئة من خلال عملها اليومي، والتي استفادت بشكل كبير من حاجة الفلاحين الصغار والكسابة في هذه الظرفية الاستثنائية، ومن إغلاق الأسواق أيضا، حيث غابت فئة الوسطاء أو “الشناقة” التي كانت تقاسمهم الأرباح، حيث أصبحت عملية شراء الأغنام والأبقار تتم مباشرة من ” الكوري” وبدون تدخل للشناقة.

“حسن خبازة”، واحد من الجزارين الموقعين على العريضة، أكد في تصريح لملفات تادلة، أنه بناء على الثمن الذي حدده زملاؤه مقارنة بالأثمنة السابقة، فإن الجزار سيخسر بالنسبة للعجل الذي يزن قنطارين، ما مجموعه 2000 درهم، مشيرا إلى أن الخسارة يتقاسمها الجزار والكساب معا، معترفا بربح لا يتجاوز بحسبه ” شي بركة قليلة”.

لكن الشرقاوي، وهو من الجزارين الذي قضوا أزيد من 30 سنة بمجزرة سوق السبت كان له رأي أخر، وقال إن هامش الربح لدى فئة الجزارين في هذه الظرفية سوف لن يتغير أو سيزيد، لأنهم أصبحوا يشترون بشكل مباشر من الكسابة وبأثمان جد منخفضة، نظرا للظرفية الصعبة التي يمر منها أغلب الكسابة بسبب إغلاق الأسواق الأسبوعية التي كانت تنشط الدورة الاقتصادية بالمنطقة.

ويضيف الشرقاوي، أن أثمان اللحوم الحمراء قد تستقر في القادم من الأيام في حدود 50 إلى 55 درهم للكيلوغرام الواحد حسب الجودة، وحسب قانون العرض والطلب الذي قد يتأثر بمعطيات أخرى كالجفاف وظروف الحجر الصحي.

ملفات تادلة، دقت أيضا باب رئيس المجلس الجماعي لدار ولد زيدوح لمعرفة رأيه حول قرار تحديد أثمان اللحوم الحمراء الذي اتخذه حرفيو الجزارة بالجماعة، وكذا الإجراءات المتخذة من طرف مكتب حفظ الصحة بالجماعة في هذه الظرفية، من أجل حفظ وسلامة صحة المواطنين، غير أن رئيس المجلس الجماعي المنتمي لحزب الحمامة رفض استقبال الجريدة رغم تواجده بمكتبه.

وحول موضوع الغش في اللحوم استبعدت مصادر من السلطة المحلية، أن تنتشر مظاهر الغش أو الذبيحة السرية في هذه الظرفية، نظرا ليقظة السلطات المحلية والمصالح البيطرية، مشيرة إلى أن أثمان المواشي جد منخفضة، مما قد لا يشجع على اللجوء إلى مثل هذه الطرق التدليسية لتحقيق الربح على حساب صحة المواطنين.

مقر جماعة دار ولد زيدوح

رأي آخر

قرار تخفيض وتحديد أثمان اللحوم الحمراء من طرف جزاري دار ولد زيدوح، خلف ردود أفعال قوية لدى زملائهم بمدينة سوق السبت، ردود أفعال وصلت حد الاتهام والتشكيك في جودة اللحوم ومصادرها، والمطالبة بتدخل السلطات للضرب بيد من حديد على كل المتلاعبين بصحة المواطنين.

زهير مسير، معطل مجاز في مادة التاريخ يمتهن الجزارة منذ تخرجه من الجامعة، ربط في تصريح لملفات تادلة، ثمن 60 درهم للكيلوغرام الواحد بجودة اللحوم، وكذا بضعف الرواج التجاري، مشيرا إلى أن كمية اللحوم التي كان يبيعها الجزار في يومين أصبح يبيعها في أربعة أو خمسة أيام.

وأقر زهير باحتمال حصول تلاعبات إما في (الميزان أو الجودة…) من وراء الأثمان المحدد في 45 درهم أو 50 درهم، بالنسبة له ثمن 60 درهم للكيلوغرام الواحد يبقى ثمنا مناسبا للجزار والمستهلك معا.

زهير، دعا الجهات المسؤولة إلى تفعيل المراقبة على هذه اللحوم لمعرفة مدى جودتها ومصدرها، وإن كانت تستحق هذه الأثمان، حرصا على سلامة المستهلكين.

أما “حسن شاكير” الذي يتواجد محله بجوار محل زهير، فاعتبر أن ما يروج حاليا بين الجزارين لا يخرج عن نطاق المنافسة، وقال ” حنا تنشريو المليح وتنشريو بالثمن، لكان ب 50 درهم غادي تكون حاجة أخرى من وراه” في إشارة إلى ما قد يرافق ذلك من غش وذبيحة سرية.

حسن قال في تصريح لملفات تادلة إن ” 50 درهم مامسلكاش للجزار” ودعا هو الآخر إلى تشديد المراقبة على الجزارين الذي عملوا على تخفيض ثمن اللحوم الحمراء.

“حوبيدة خالد” جزار بمدينة سوق السبت، في عقده الثلاثين، اعتبر أن قرار تخفيض وتحديد أثمان اللحوم الحمراء في 50 درهم للكيلوغرام الواحد، كان مفاجئا بالنسبة للجزارين بالمدينة، لأن هذه الأثمان غير عادية يقول خالد.

وأشار إلى أن تكلفة اللحوم المعروضة أمامه تتجاوز 53 درهم للكيلوغرام، متسائلا كيف يمكنني أن أبيع بثمن أقل من الثمن الذي اشتريت به؟؟ ” لا بعت ب 50 درهم مغاديش يسلكني”.

بدوره، خالد ربط ثمن 60 درهم للكيلوغرام الواحد بجودة اللحوم، بالنسبة له المتضرر من بيع اللحوم ب 50 درهم هو الجزار، وشدد على ضرورة بيع لحوم ذات جودة عالية للمستهلكين حفاظا على صحتهم.

نفس الموقف عبر عنه عبد الرحمان جزار معروف لدى زملائه بالصرامة والجدية، تحدث لنا بحرقة عما آلت إليه الأوضاع بهذا القطاع، مشددا على ضرورة تحرك السلطات لمراقبة الجزارين في هذه الظرفية الصعبة التي تمر منها البلاد.

لكن أمين الجزارين بدار ولد زيدوح سعيد الواحدي رد على هذه الاتهامات، وأكد على أن التشكيك في جودة اللحوم أمر غير معقول، مشيرا إلى أن المنطقة معروفة بجودة اللحوم، وأن الجزارين يحترمون كافة التوجيهات التي تقدمها لهم المصالح البيطرية.

سعيد طمأن المستهلكين بدار ولد زيدوح، واعتبر أن الحديث عن الجودة لا يخرج عن نطاق المزايدات بين الجزارين، مشددا على أن الحرص على صحة المواطنين أمر لا نقاش فيه.

بدوره محمد جواري، تقني عن المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSSA) المشرف على تتبع ومراقبة اللحوم بالمنطقة، أكد لملفات تادلة على أن كل اللحوم التي تباع تتم تحت مراقبة المصالح البيطرية، وتتميز بالجودة نظرا لوجود وفرة في المواشي وبأثمان منخفضة.

وأشار جواري إلى أن ONSSA حريصة على المراقبة الصحية للحوم على مستوى المجازر حتى وصولها للمستهلك، مشددا على أن ربط خفض الأثمان بالجودة غير صحيح مادام أن اللحوم بالمنطقة ككل تتميز بجودة عالية.

جزار بمدينة سوق السبت

الكسابة الحلقة الأضعف

يعاني الكسابة بمنطقة بني موسى الغربية، كغيرهم من الكسابة بمختلف مناطق المغرب، هذه السنة من تبعات الجفاف وما رافقها من غلاء للمواد العلفية (الشعير، التبن، الفاصا…). وضع، تعقد أكثر مع فرض المغرب لإجراءات الحجر الصحي للحد من تفشي فيروس كورونا المستجد، وإغلاق الأسواق الأسبوعية بالمنطقة، والتي كانت تشكل المتنفس الوحيد لأغلبية الفلاحين الصغار، بالإضافة إلى غياب دعم الدولة لهذه الفئة التي وصلت إلى وضع جد صعب إن لم نقل إنها وصلت إلى حافة الإفلاس.

أمام هذا الوضع، وجد أغلبية الكسابة أنفسهم مجبرين على بيع مواشيهم، أغنام أو عجول مخصصة للذبح بأثمان منخفضة “للحرايفية” لأن الاحتفاظ بها سيؤدي إلى المزيد من الخسائر للكسابة بفعل ارتفاع أثمان المواد العلفية والأدوية البيطرية وضبابية المستقبل، وما قد يحمله من مفاجأت لهذه الفئة التي تعاني في صمت.

“الرابح” فلاح من منطقة الخلالطة التابعة لجماعة أولاد ناصر تحدث لملفات تادلة بلسان حال فلاحي المنطقة، وعبر بحسرة عن ما آل إليه وضعهم جراء الجفاف وإغلاق الأسواق وغلاء المواد العلفية ( تفل الشمندر والشعير والتبن…).

وقال إن ” الكسابة هم المتضررون من هذا الوضع، فهم مضطرون لبيع الأغنام والعجول للجزارين ” ” باش متزادش عليهم مصاريف العلف والدوا: الأدوية البيطرية”، من أجل مواجهة باقي تكاليف الحياة اليومية، وما تتطلبه من مصاريف إضافية.

وأضاف الرابح أنه إلى غاية شهر نونبر من السنة الماضية، ظلت الأثمان لصالح الكساب، إلى أن انقلب كل شيء ضده بفعل انتشار وباء كورونا، وفرض الحجر الصحي وإغلاق الأسواق.

أما إبراهيم فلاح من منطقة أولاد أيلول، فعبر عن أسفه من الحالة التي أصبح عليها الفلاحون الصغار بالمنطقة، والذين تضرروا كثيرا بهذه الجائحة، متسائلا لماذا لم تتدخل الدولة لتقييم الخسائر وجبر الأضرار التي لحقت بهذه الفئة؟؟

” نريد تدخل الدولة لرفع المعاناة عن الفلاحين الصغار الذين أصبحوا بين مطرقة هذا الواقع المر وبين سندان الديون المتراكمة على ذمتهم” بهذه العبارة ختم معنا إبراهيم حديثه وهو يلوح اتجاه قطيع من الحولي يعده للبيع بمناسبة عيد الأضحى المقبل.

قطيع أعنام


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...