المغرب : المعارضة الرقمية الجديدة.. المحاولات الأخيرة للوأد

–  عبد الصمد أيت عيشة 

استأثرت العلاقات بين المواطنين والمعلومات باهتمام  العديد من الدراسات في العلوم السياسية وعلم الاجتماع الإعلامي، حيث درست بشكل خاص الطريقة التي يوجه بها المركز السياسي ممارسات الأفراد في مجال المعلومات (جيريت وآخرون ، 2006) كما اهتمت بأدوار الشبكات الاجتماعية ووسائل الإعلام في تشكيل الآراء (وتز ، مارتن… ) ، وتأثير الإنترنت على المعلومات السياسية، والمصادر المساهمة في تطوير المعرفة السياسية و”محو الأمية المدنية” (ميلنر ، 2002)[1].

غير أنه في السنوات الأخيرة عرفت القاعدة التقليدية للمعارضة الكلاسيكية تغيرات جذرية إبّان انفجار الثورات والانتفاضات بدول شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وذلك منذ هجرة الغالبية من الشباب إلى المنصات الافتراضية ودخول الإعلام الكلاسيكي وأدوات الوساطة (أحزاب، نقابات، إعلام، مؤسسات) في محك حقيقي أواخر 2010 وبداية 2011. وبتنا نتحدث بعد ذلك عن مواجهة مباشرة بين صناع القرار وجيل النقرات، إلى غير ذلك من الأدوار السياسية البديلة والمؤثرة للمنصات الاجتماعية منذ محاولات إغلاق قوس 20 فبراير آنذاك بعد تصريح (تهديد) وزير الداخلية المغربي محمد حصّاد في يوليوز 2014.

وفي سياق رقمنة الإعلام وحوسبته، بات النمط المتقدم من الاتصال يبدد النماذج المعروفة، ويشكل تهديدا صريحا وتحديا جديدا للسلطة السياسية باعتباره مجالا حقيقيا للصراع الأيديولوجي والسياسي. غير أن الجهات الأمنية في السنوات القليلة الماضية أصبحت أكثر اهتماما بالعوامل الجديدة التي ساهمت في ظهور معارضة غير منسجمة في الويب وتنامي ظهور صناع الرأي والمحتوى الرقمي السياسي والصحافة المواطنة، لذلك سعت إلى أسلوب استباقي للحد من تحويل الوسائط الاجتماعية الإلكترونية الى حزب سياسي غير تقليدي ودفعت بمشروع  “المدونة الرقمية” كحل تشريعي لهذه الظاهرة بينما بدأت في 2019 باعتقال صناع المحتوى وإصدار أحكام بالسجن.

  • 2019، سنة بطعم الرصاص الرقمي:

منذ أن بدأ المغرب يقدم نفسه البلد الأكثر تطوراً في إفريقيا من حيث اتصالات الانترنت بعد إطلاق شبكات 4G و 4G +  في  سنة 2015،  أتاح من حيث لا يدري ولوجية أكثر لشكل جديد من المعارضة غير المتوقعة. ففي غضون سنوات قليلة  خلق أكثر  من 22 مليون حساب على الفيسبوك وأكثر من  100 ألف على تويتر وانتشرت القنوات الخاصة على يوتوب بشكل ملحوظ بأكثر من 66 زيارة في الشهر. ولعبت هذه التكنولوجيات دورا بديلا في نقل المعلومات وانتشارها ومنح الفرصة للفئات الأكثر تهميشا للتعبير عن آرائهم عبر الشبكات الإجتماعية والتعليق على الشأن العام.

لقد أضحت  بالفعل هذه المنصات تستقطب عددا  أكبر من المتتبعين والمدونين  بعد انخفاض نسبي  لتكلفة الإنترنت وسيادة ثقافة الجيل الرقمي الجديد في مقابل تغيّر نمط السلوك المعلوماتي وانخفاض مقروئية الجرائد الورقية وتدني نسب متابعة الإعلام العمومي لصالح الهاتف والحاسوب.

وعلى الرغم من أن العديد من الجرائد الورقية الكلاسيكية اتفقت على هجرة الإنتاج التقليدي للمعلومة منذ 2011 نحو الانترنيت للحفاظ على حياتها في مواجهة التطور التكنولوجي واليد الطويلة للسلطة[2]، فإن بعضا منها احتفظ بأدوات تقليدية في النشر الرقمي مما  أتاح الفرصة أمام ظهور أشخاص عاديين من الهامش  يتبنون الأشكال الجديدة للتواصل باستعمال خصائص تقنية “المباشر” في منصة يوتوب وفايسبوك.

ولعل محمد بودوح الملقب بمول الحانوت (صاحب متجر بمدينة الخميسات) خير مثال على ذلك، إذ  لا تنزل مشاهداته عن 50 ألف في الشريط الواحد، وهو مواطن بسيط لم يلج المدرسة بسبب الفقر والتهميش الذي طال أسرته، إلى أن اعتقل وأدين بثلاث سنوات سجنا بسبب انتقاداته السياسية باللهجة المغربية على قناة يوتوب،  فيما تم اعتقال المدون “يوسف مجاهد” صاحب قناة “نحبك يالمغرب” بمنزله بالدار البيضاء  يوم 18 دجنبر 2019،  على خلفية إعادة نشر فيديوهات “ صاحب المتجر” المذكور.

لقد فتح هذا التقدم التقني المجال أمام الأفراد، من جميع المستويات والأعمار، إمكانية تجاوز الوسائط التقليدية للإعلام والسياسة،  غير أنه وفي سياق غير مسبوق وغير متوقع أيضا، سعت السلطة إلى تحجيم أدوار الإعلام المواطن الذي بدأ يتطور في أعقاب 2015 بعد محاكمة المعطي منجب وستة صحافيين ومدافعين عن حقوق الإنسان  بتهمة “المس بالسلامة الداخلية للدولة”  على خلفية تنظيم تداريب الإعلام المدني منذ 2012  (وما تزال محاكمتهم مستمرة خلال 2020). وانتهت السنة الماضية (2019) بالمغرب على إيقاعات الخوف والرقابة ومحاولة إغلاق آخر منافذ “التعبير”.

ولم تكن قضية اعتقال الصحفي الإستقصائي عمر الراضي في الأيام الأخيرة  من 2019، على إثر تغريدة له على تويتر، انتقد فيها الأحكام الصادرة في حق معتقلي حراك الريف (شمال المغرب)، إلا عينة من سيل غزير من الضحايا الجدد ”لسنوات الرصاص الرقمية” حيث باشرت الشرطة المغربية، خلال الأسابيع الأخيرة،  سلسلة من الاعتقالات لحقت أكثر من 17 من الناشطين  الإلكترونيين ( على فايسبوك، تويتر، ويوتوب)  تمت  إدانتهم بالسجن النافذ على خلفية نشرهم أو إعادة نشرهم لكلمات وتعابير وأغاني وتغريدات منتقدة في الفضاء الإلكتروني باعتباره آخر منفذ للهروب.

وعلى الرغم من أنه تمكن مئات ضحايا سنوات الرصاص من الإدلاء بشهاداتهم عن عصر التعذيب والاختفاء القسري والاعتقال الذي طالهم تحت حكم الحسن الثاني (1961-1999) بسبب الرأي  أو التظاهر أو الإنتماء إلى جمعيات سرية، في محاولة لـ”طي صفحة الماضي الأليم”، فيما سمي بتجربة الإنصاف والمصالحة، فبدون شك، عادت إلى الأذهان سنوات الرصاص بطعم جديد على الويب وسرعان ما عادت  ممارسات  الماضي بقوة بعد الحكم على  شباب الريف بسنوات طوال من السجن وصلت إلى  20 سنة في حق مجموعة ناصر الزفزافي، بالإضافة إلى عشرات المحاكمات بسبب التدوين على الانترنت، بل أصبحت المنصات الرقمية خلال السنة الماضية العدو اللدود للسلطة السياسية المغربية.

  •  سنة 2013 بداية العصيان الإلكتروني وسحب مشروع المدونة الرقمية:

في سياق الثورة التونسية والمصرية، استوعبت الدولة المغربية خطر الإعلام الجديد وباشرت سن قوانين لتنظيم المجال الالكتروني. وقبل اندلاع حركة 20 فبراير سنة 2011، تم إنشاء مجموعة فايسبوكية من طرف الشباب المغربي، أطلق عليها “لنتحدث مع الملك”، لأول مرة في تاريخ الويب المغربي والتي كان الهدف منها مساءلة الملكية حول أدوارها التقليدية، والتي كانت نواة أولى لحراك عشرين فبراير. منذ ذلك الحين بات الوضع يطرح تحديات جوهرية للنظام المغربي الذي لم تعد له القدرة التقنية على ضبط السيل الهائل من التدوينات والمشاركات الإلكترونية وباشر عملية الرقابة  وبث الخوف في الفضاء الرقمي بعد اعتقال  أول ضحايا الويب المغربي  وهو تلميذ يبلغ من العمر 19 سنة تمت إدانته بسنة من السجن النافذ، على خلفية ما اعتبرته المحكمة مسّا “بالشعار الوطني للمملكة المغربية”، إذ كتب بعد نهاية الكلاسيكو الكروي بين ريال مدريد وبرشلونة، على صفحته في الفايسبوك (الله الوطن البرصا) بدل الشعار المعروف (الله، الوطن، الملك).

ولإحداث التوازن في الشبكات الاجتماعية، ومهاجمة صفحات الشباب المعارض والشخصيات العامة واختراق المواقع الإلكترونية خلال الحراك الاجتماعي لـ20 فبراير  قام الجناح الإلكتروني لحركة الشباب الملكي بإنشاء صفحة ” قوات الردع الإلكتروني” المعادية لأي محتوى إلكتروني مخالف للرواية الرسمية. وما أن أصبح الويب المغربي يشكل تحديا سنة 2013، حتى سعى النظام المغربي لتنظيم الفضاء الرقمي ومراقبته على نحو تشريعي وإصدار مشروع مدونة للرقابة على الأنترنت سميت “المدونة الرقمية”.

وكان مولاي حفيظ العلمي وزير الصناعة والتجارة والاستثمار والاقتصاد الرقمي آنذاك قد هندس مشروع المدونة الرقمية  للحد من التأثير السياسي لمواقع التواصل الاجتماعي، غير أنه سحبها فيما بعد، بسبب الحملة الالكترونية التي انفجرت على الشبكات الإجتماعية والمسماة بالعصيان الالكتروني،  على خلفية بعض المواد الفضفاضة، ولما تضمنته من مواد حبسية ضد المغردين والمدونين. ومن بين ما تنص عليه  مثلا المادة 73 من مشروع “المدونة الرقمية”  التي تخلت عنها الحكومة، “منع نشر المحتويات المسيئة التي تظهر صراحة وضمنيا سواء بالصور أو بالكلمات مشاهد عنيفة أو مخالفة للأخلاق الحميدة والنظام العام أو عناصر يمكن أن تشجع على التعسف أو عدم الاحتياط أو الاهمال أو يمكن أن تتعارض مع الدين الاسلامي أو المعتقدات السياسية للعموم أو الحياة الخاصة للأفراد”، فلم يكن الحديث حينها على الفايسبوك المغربي سوى عن مشروع قرار المدونة الرقمية الفضفاض، و”الذي كانت الحكومة المغربية تعتزم عرضه على البرلمان قصد المصادقة والتصويت عليه قبل تنزيله على أرض الواقع”.

وبعد أن خلق هذا المشروع جدلا محتدما  مباشرة بعد ظهوره على الموقع الإلكتروني للأمانة العامة للحكومة المغربية (محذوف حاليا) اضطرت الحكومة ومعها وزير الصناعة والتجارة والاستثمار والاقتصاد الرقمي إلى التصريح لوسائل الإعلام ”بسعيه إلى مراجعة بنود المدونة مع التأكيد على أنها “مشروع لا يزال قيد الدراسة”. وسحبت وزارة مولاي حفيظ العلمي مشروع القانون تحت الضغط حينها[3]، لكنها، وعلى ما يبدو، هجّرت الكثير من المواد إلى مشروع القانون الجنائي الذي اعتمد في ما بعد. وأصبح مشروع القانون الرقمي يطبق في الخفاء وتنزل عقوبات حبسية وغرامات مالية ضيقت الخناق على النشطاء والصحفيين والمدونين في الفضاء الرقمي، في أفق ”إغلاق اي نافذة للتعبير الحر” كما أشارت إلى ذلك الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ( منظمة حقوقية مستقلة).

أما في الجانب المظلم من القصة، فقد اتهمت العديد من الجمعيات  المدافعة عن حق الخصوصية على الانترنيت  ومنها “جمعية الحقوق الرقمية”  (لم  يمنح لها وصل الإيداع القانوني)، (اتهمت) الدولة المغربية بشراء برامج من شركة إيطالية للتجسس على المحادثات على الويب، و اقتحام الحياة الخاصة للمعارضين. هذه الاتهامات جرت في 2015 رئيس جمعية الحقوق الرقمية هشام خريبشي (الملق بهشام المرآة) وبعض أعضاء المكتب إلى  التحقيق والمحاكمة بسبب تقرير شاركت فيه إلى جانب منظمات دولية يتهم المغرب بالتجسس على بعض الصحفيين والمدونين.

 

  • الحراك الإلكتروني الذي أرعب رجال الأعمال بالمغرب

لقد عرفت سنة 2019 اتساعا ملفتا لدائرة النقد السياسي في الفضاء الإلكتروني المغربي، مما ساهم في تضاعف المراقبة الإلكترونية في الشهور الأخيرة من سنة 2019 وأعاد النقاش حول القوة التأثيرية لسلطة المواقع الاجتماعية. وبرزت هذه القوة خاصة بعد الحملة غير المسبوقة ضد غلاء الأسعار التي قادها المغاربة عبر وسائل التواصل الاجتماعي في أواخر أبريل 2018  ضد منتجات ثلاث شركات رئيسية في مجال المحروقات، والماء والحليب، وانتشر حنيها وسم “خليه يريب” (دعه يفسد) في التويتر وفايسبوك، في إشارة إلى مقاطعة منتجات أكبر شركة حليب في المغرب “سنترال دانون” التي تتجاوز حصتها في السوق المحلية 60%.

ونقلت وكالة رويترز أن سنترال “خسرت 20 في المئة من مبيعات الشركة، ما يعادل 200 ألف كأس حليب في اليوم وأن الشركة خسرت 120 مليون درهم في المبيعات” بسبب مواقع التواصل الإجتماعي. بينما تعرضت  شركة البنزين في المغرب، التي يقودها الملياردير عزيز أخنوش ( الذي يشغل منصب وزير الفلاحة والصيد البحري منذ 2006 والمصنف حسب مجلة “فوربس” الأميركية من أغنى أغنياء المغرب بثروة تقدر بـ2 مليون دولار[4] ) لخسائر مادية  بلغت  حسب جريدة أخبار اليوم   31 في المائة في المعدل العام، بما مجموعه 146 مليون سنتيم يوميا (150 ألف دولار يوميا)، وبلغ مجموع الخسائر في رقم المعاملات، منذ  بداية الحملة، حوالي مليار ونصف مليار سنتيم[5]. وظلت أسهم سنترال دانون منخفضة 5.69 بالمئة  منذ الأسبوع  الأول من المقاطعة الإلكترونية في حين فقد سهم افريقيا غاز 5.97 بالمئة [6]. وكشف استطلاع للرأي[7] شمل أكثر من 3700 مستجوب ونشرته جريدة “ليكونوميست” المغربية أن 74 في المئة  سمعوا عن المقاطعة، و57 في المئة يستجيبون لها، موضحة أن “الطبقة الوسطى هي من تقود المقاطعة”.  وهذا بلا شك  من الأسباب التي جعلت رجال الأعمال وخاصة عبد العزيز أخنوش يتوجس من المعارضة الجديدة الصاعدة على الأنترنيت، ويصدر تصريحات “لإعادة تربية المغاربة” والتي توجت باعتقالات واسعة في نهاية 2019.

  •  معارضة رقمية جديدة..

وبينما بدأ العمل في الصحافة الرقمية منذ عام 1990، فقد تغير وجه الإعلام  في السنوات الأخيرة مع ما صاحبه من ظهور أشكال جديدة للإعلام البديل وما أنتجته هذه الممارسات من نقاشات بين ما يمكن أن  يسمى “الحرس القديم” (الصحافة الكلاسيكية) و “منتجو  المحتوى على الإنترنت” (شباب الويب) ولا تزال هذه المواجهات حول مفاهيم المهنية والاحتراف والهواية والتدوين موجودة اليوم بين النشطاء والصحافيين، مع ظهور صحافة المواطن ومحرري السلطة الخامسة. إلا أن الصحافيين الكلاسكيين استوعبوا أخيرا أدوار الويب الجديدة، ومن بينهم  الصحفي حميد المهدوي الذي يعتبر مثالا حيا على هذا النقاش، فقد انتقل من تحرير مقالات طويلة على موقع بديل.أنفو إلى اعتماد أشرطة فيديو تلقائية ومباشرة على الفايسبوك، كانت تجلب له أضعاف المتتبعين ودأب على الإطلالة على متابعيه من خلال قناته على يوتوب إلى أن  تم الحكم عليه بـ3 سنوات سجنا نافذا بتهمة عدم التبليغ عن جريمة المس بالسلامة الداخلية للدولة، بعد أن أصبح له تأثير ملموس في تغطية حراك الريف واستقطاب فئات غير مهتمة بالمحتويات المكتوبة وذلك بتقنية المباشر على صفحته الفايسبوكية، حميد لا يزال وراء القضبان بسبب ذلك.

لقد جعلت الثورة التكنولوجية الإنترنت أداة فعالة للوصول إلى موارد المعرفة وأخبار الهامش التي لم تكن للصحف التقليدية قدرة على  تغطيتها بشكل كاف، ويظهر  ذلك جليا في بداية حراك الريف سنة 2016، إذ دأب  ناصر الزافزافي، أحد قادة الحراك، على مخاطبة جمهوره وإيصال المعلومات حول منطقته المهمشة، من خلال صفحة له على الفايسبوك، والتي يتابعها أكثر من 140 ألف مواطن-ة، واللافت أنه نجح من خلالها  في إخراج مسيرة  ضخمة في الحسيمة من خلال دعوة تلقائية  بتقنيةالمباشر” (Live)  حظيت بمتابعات غير مسبوقة وصلت لآلاف المشاهدات. ولا يستبعد أن يكون ذلك ما سرع أيضا في اعتقاله سنة 2017 بما له من تأثير على التعبئة والحشد في صفحات الويب.

يتميز إعلام  الثورة وما بعدها، بكونه “ميكانيزم” حديث “يساعد المواطنين والقراء على التغلب على مشاعر الاغتراب و الضعف و الإقصاء  والتهميش”، و يسير بهم أكثر للمشاركة في الحياة العامة في كل مستوياتها ولم يعد يقتصر على مدهم بالمعلومة فقط بل والتعليق عليها دون المرور عبر الصحافة. إن هذا النوع  من الإعلام الجديد يتجاوز الأدوار التقليدية المتمثلة في تغطية الأحداث والقضايا، إلى فتح مجال للحوار  والإشراك، الذي يتبخر معه المفهوم الكلاسيكي للصحافة برمته، ويتحول معه المواطن إلى فاعل يشارك العموم في هذه المشكلات المجتمعية الحاصلة ويساهم بشكل أساسي في الحياة العامة عبر نقل الصورة ثم تتبعها من خلال طرح الآراء تجاه الشأن العام. وتأسيسا على ذلك، أضحت وسائط الاتصال الرقمية منفذا وحيدا للشباب المغربي، وأصبحت أكثر تأثيرا من ذي قبل، مما جعل السلطة تسعى إلى التحكم فيه.

وبعد وأد تجارب صحافة التحقيق والتحليل، وإغلاق الفضاءات العامة واعتقال أكثر من 500 شاب خلال احتجاجات الريف، وتحجيم الجمعيات (منع وصولات الإيداع ومنع الأنشطة المدنية) وتلجيم معظم الأحزاب، وإغلاق دور الشباب ومساحات التعبير العمومية، بدأت بالفعل  المحاولات الحثيثة  للسلطة في السيطرة على الفضاء الرقمي وتلجيم المعارضة الإلكترونية الجديدة إذ اعتقلت السلطات وأصدرت أحكاما قاسية بين شهرين و4 سنوات في حق المدونين والنشطاء “أحمد الشيبي”، و“أحمد بركوك” و“بنعيسى باباص” و“سعيد شقور”  و“رشيد سعيد بابا” و“عبد العالي باحماد“، و” محمد سكاكي -مول الكاسكيطة” وفؤاد السعيدي” و “سفيان النكاد” و”محمد نوحي”  بسبب تدوينات على الفضاء الأزرق، أما صالح بلقدية، وأنوار أخماموش ومحمد الطوبي وفريد بنعلي وأخرون، فقد تم استدعاؤهم إلى مقرات الشرطة للتحقيق معهم بسبب آرائهم على الشبكات الإجتماعية.

ولا شك أن الدينامية الرقمية أفرزت أشكالا متعددة  ومتطورة من التعبير الرقمي المعارض والرافض لعدد من الإجراءات الرسمية.  وأصبح شباب الويب يؤرق السلطة مثلا فيما يتعلق بالحكم على الخطب الملكية المنشورة على اليوتوب. نلحظ بشكل غير معتاد أن عددا من رواد اليوتوب، يعلقون بشكل سلبي على خطب الملك محمد السادس، ويضعون خاصية ”عدم الإعجاب”  كما حدث للخطاب الملكي الأخير بمناسبة الذكرى الـ44 للمسيرة الخضراء في 6 نونبر 2019، والذي شاهده قرابة  39 ألف، واعجب به فقط  557 بينما وضع أكثر من 1100 مشاهد خاصية “عدم الإعجاب” كما سنشاهد ذلك عبر  الرابط الرسمي لقناة MD1 في يوتوب. وجعل هذا الأسلوب العديد من القنوات تبطل خاصية الإعجاب من على قنواتها تفاديا للإحراج.

لقد أضحت السلطة تملك يدا واسعة للرقابة على الانترنيت من خلال استعمال مواد من القانون الجنائي. وعلى الرغم من مرور تسع سنوات على موجة الحراك الاجتماعي (2011)، والتي لم تكن كافية على الإطلاق لدفع  الفضاء الإلكتروني إلى مرحلة النضج الكافي،   فقد شكلت حرية التعبير على الإنترنت مصدر إزعاج للسلطة  كما  يبدو من خلال  الحكم الصادر  ضد  التلميذ “حمزة اسباعر” (17 سنة) بسبب نشره أغنية راب معنونة بفهمنا  على قناته في اليوتيوب يوم 20 أكتوبر 2019 تنتقد الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالبلاد ليتم اعتقاله  يومين بعد ليلة رأس سنة 2019 من الملعب المحلي بمدينة العيون وصدر في حقه حكم ابتدائي يقضي بسجنه أربع سنوات نافذة وغرامة مالية، بتهمة الإساءة لمؤسسات الدولة قبل أن تخفف  العقوبة لـ8 أشهر نافذة.  وفي السياق ذاته تم اعتقال ومحاكمة التلميذ “أيوب محفوظ” (17 سنة)  وإدانته يوم 17 دجنبر الماضي بثلاث سنوات بتهمة “إهانة الهيئات الدستورية وهيئات ينظمها القانون وموظف عمومي”،  (قبل أن يتابع في حالة سراح يوم 16 يناير2020)، بسبب تدوينة له على حسابه الشخصي على الفايسبوك تتضمن كلمات أغنية عاش الشعب والتي فاقت 20 مليون مشاهدة خلال شهر واحد بعد أن أطلقها ثلاثة من فناني الراب اعتقل منهم  محمد منير الملقب بلكناوي بناء على شكاية من المديرية العامة للأمن الوطني، بعد بثه فيديو مباشرة على صفحته على تطبيق انستغرام يتضمن ما اعتبرته سبا وقذفا في حق عناصر الشرطة وإهانة هيئة منظمة وقد أصدرت في حقه المحكمة الابتدائية بسلا حكما نهائيا  يدينه  بسنة سجنا نافذا فيما زميلاه ظلا في حرية مؤقتة إلى اليوم بعد صدور أحكام غيابية ضد واحد منهما.

 

  • الإنترنت أرض خصبة للعمل السياسي

إن ما وصل إليه الإعلام المواطن اليوم أمر عادي، منذ ظهور الطباعة مرورا بالمذياع ثم التلفاز وصولا إلى العالم الرقمي الذي نعيشه اليوم. إن التغيرات الجذرية التي مست بنية مجتمع القراء بسبب التطور التكنولوجي جعلت أكبر الجمعيات والمنظمات والأحزاب وأكثرية الأفراد يستعملون الويب في العمل السياسي. وأصبح المجتمع  الإلكتروني فاعلا أساسيا في إنتاج الخبر والتعليق عليه. وهذا بالضبط ما أصبحت تنظر إليه السلطة بعين الريبة بعد انسداد المساحة العامة في وجه العديد من المواطنين. ومما لا شك فيه أن إنهيار  دور الوساطة  الذي كان يلعبه الصحفي بسبب التطور التكنولوجي، فسح المجال أمام النشطاء الرقميين لتقديم نقدهم ومقترحاتهم بشكل مباشر على منصات اليوتيوب والفيسبوك والتويتر، دون المرور عبر الصحافة الكلاسيكية.

إن الممارسة المعلوماتية اليوم أصبحت أساس تغيير المواقف والآراء وحتى الأحكام، وحسب الدراسة التي قام بها معهد Le Pew Research Center في الولايات المتحدة العام الماضي فإن أكثر من 60٪ من مستهلكي معلومات التواصل الاجتماعي في كل بلد أن فايسبوك  هو منصة التواصل الاجتماعي التي غالباً ما يلجأون إليها للحصول على المعلومات. لقد أتاح الويب للجميع نقل خبر أو رأي من خلال قناة مباشرة، فأصبحت الوساطة الصحفية مجرد قناة من بين أخرى كثيرة. ففي الولايات المتحدة مثلا ، توقف نشر 151 صحيفة خلال عام  2011 بسبب الانترنت.

وإذا كانت العديد من الدراسات قد اظهرت في التسعينيات،  أن معظم الناس كانوا يفضلون الحصول على معلومات من أشخاص آخرين، فإنه خلال العقد الماضي، دفع البحث عن المعلومات في محركات البحث على الإنترنت إلى الوصول إلى مستويات جديدة من الجودة التي يشعر معظم الناس بالرضا عنها. لهذا السبب، نلاحظ أن معظم الناس تغير نمط حصولهم على المعلومات  ويتلقون ارشاداتهم من على المواقع المتخصصة، والنشرات الإخبارية، و غوغل، والمنتديات، والشبكات الاجتماعية بل يتواصلون أكثر عبر البريد الالكتروني والمواقع الإلكترونية المتخصصة عبر الإنترنت.

بعد الويب الوثائقي حتى 2004  أضحى web 2.0  يتميز ب “مشاركة أكبر لمستخدمي الإنترنت في إنشاء المحتوى وإثرائه ووصفه ونشره”. وبما يتميز به من بساطة وسهولة الوصول والمشاركة والتبادل والتفرد وإعادة استخدام المحتوى جعله أكثر استقطابا للناس. إن كل هذه الخصائص الـ “web 2.0” “جعلت  الوصول إلى المعلومات أسهل في سياق الحرية والإبداع”. لذلك ، قام الإنترنت بتحويل السلوك  المعلوماتي ونطاقه بعمق ، حيث كلف الصحفيين بدور إعلامي أكثر تواضعا لكن بمسؤولية أكبر. في نفس حركة التحول، فتح الإنترنت مساحات جديدة للصحافة، مما سمح لها بفهم تعقيد الحقائق وتنوع الآراء بشكل أفضل.

ورغم أن الأنترنيت يبقى عالما للشك بشكل عام، ويحتاج إلى عمل التحقق من المعلومات الواردة،  فقد أصبح الويب 2.0 بلا شك مكانا محتملا للتعددية في المعلومات والآراء والتوجهات خاصة بعد أن ضمن الولوجية لغالبية الناس، مما أصبح يشكل  في نظر السلطة خطرا داهما.  وهذا ما يجعل المسؤولين في أغلب الأحيان يتخوفون من الأصوات الجديدة المرتفعة في حقل الويب ويسعون إلى مصادرة حرية التعبير في فضاءاته.

 ——————————————- 

 

[1] Le Hay, Viviane, Thierry Vedel, et Flora Chanvril. « Usages des médias et politique : une écologie des pratiques informationnelles. Uses of the media and politics : an ecology of information practices », Réseaux, vol. 170, no. 6, 2011, pp. 45-73.

 

[2] وأد مجموعة من التجارب الصحفية  الورقية مثل جريدة “لوجورنال” وإحكام القبضة على الإعلام العمومي والجرائد الورقية من طرف الشركات الكبرى المقربة من السلطة

 

Que dévoile l’enquête du Desk et de RSF sur les médias marocains ?

 

[3] عصيان إلكتروني” في المغرب يسقط قانونا للنشر على الانترنت

https://www.dw.com/ar/%D8%B9%D8%B5%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D8%A5%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%B1%D9%88%D9%86%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8-%D9%8A%D8%B3%D9%82%D8%B7-%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86%D8%A7-%D9%84%D9%84%D9%86%D8%B4%D8%B1-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%B1%D9%86%D8%AA/a-17325468

[4] https://www.forbes.com/profile/aziz-akhannouch/

[5] https://www.alyaoum24.com/1074865.html بالأرقام…هكذا هزت المقاطعة “مملكة” أخنوش في أسبوع..خسائر بالملايين يوميا

 

[6] https://ara.reuters.com/article/businessNews/idARAKBN1I236X  مقاطعة منتجات 3 شركات مغربية كبرى يكبدها خسائر ويهبط بأسهمها

 

[7] https://www.france24.com/ar/20180526-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8-%D8%AD%D9%85%D9%84%D8%A9-%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%B7%D8%B9%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%B5%D8%A7%D9%84%D8%AD-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D9%85%D8%A7%D9%84


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...