عبد الرحيم العطري يكتب: صوحافة الميكروفون

-ملفات تادلة 24-

بالأمس البعيد كان الولوج إلى مهنة المتاعب، لا يتحقق إلا لمن يمتلك قلما سيالا وأسلوبا ماتعا، مسنودا بتجربة نضالية أو خلفية معرفية معتقة، لم يكن سهلا حمل الصفة، وتجذير الحضورانية في الإعلام المكتوب، إلا بعد نشر العديد من المقالات والتتلمذ على يد الكبار. لكن، وفي هذا الزمن الرديء، لم يعد مطلوبا سوى حمل ميكروفون بحثا عن “البوز”، والتقدم نحو مسرح الأحداث، والصراخ بأعلى صوت “حنا الصوحافة”.

ليس مطلوبا من “صوحافة” الميكروفون، أن يكتبوا افتتاحيات ولا مقالات ولا تحقيقات.. ليس مطلوبا منهم أن تكون لهم انهمامات فكرية أخرى خارج السجل الصحافي، وأن نقابلهم بعدا كتابا وباحثين ومناضلين في هيئات وتنظيمات أخرى غير مؤسساتهم الصحفية. كل هذا لم يعد له من أهمية في السوق الرمزية للتنافس على الوجاهة والكفاءة الصحافية، كل هذا لن يفيد في تحديد الفارق بين هذا الصحافي وذاك الذي أبدع واستطاع أن يقنع ويمتع في آن.
صوحافة الميكروفون ليست بحاجة الى اعتراف القراء، تكفيها فقط أعداد المشاهدات واللايكات، ولهذا لن تجدها الا في السياقات المعطوبة التي تبيع أكثر، تجدها تلهث وراء السلطة، وراء الفضيحة، وراء التفاهة، وراء الوراء، فلن تكون طليعية بالمرة، ولن تنتج فكرا أو تساهم في تنوير العقول والفهوم وتحرير الطاقات والقناعات.

بالأمس القريب كان القلم هو الأداة لتحبير البياض وإنتاج المعنى، وبالطبع فهذا التحبير لا يكون إلا بتوفر الأساس المعرفي، فيما اليوم فقد استبدل القلم بالميكروفون، الذي أحال عقل “الصوحافي” على المعاش المبكر، لأن همه الأساس هو أخذ التصريحات وليس تحليلها وتفكيكها في متون قرائية، صار التصريح هو أعز ما يطلب، والمنظورية في الرقمي هي اللعب والرهان، ولهذا لا بأس من سرير بروكيست، لتوضيب التصريح، لصقا وقطعا، وفق ما يفترضه منطق البوز.

مع “صوحافة الميكروفون” لن نقابل طبعا مقالات رائعة تشبه تلك التي كانت ممهورة بتوقيع الكبار من أمثال محمد باهي ومحمد العربي المساري ومصطفى اليزناسني…ولن نطل من نافذة عبد الرفيع الجواهري أو من عين عقل الأشعري أو حتى مع شعب غلاب، لن نحظى حتى بالتعرف على أسماء الصحافيين وأسماءهم المستعارة، فهؤلاء “النجوم” الجدد يتنازلون عن التوقيع، فقط أعمالهم التوثيقية لتدخلات السلطة المحلية تنوب عنهم، وتمنحهم الاعتراف وتجعلهم يرددون بكل فخر “حنا الصوحافة…حيد خلينا نصورو..دبر علينا بشي تصريح ا لعشير”…
ومع ذلك فما يثلج الصدر طبعا، وبالرغم من كل هذا الخراب، أن هناك الكثير من الصحافيين الأكفاء، الذين ما زالوا يعضون بالنواجد على شرف المهنة، ويرفضون الانجرار وراء البلاهة، ويمنحوننا أعمالا جديرة بالقراءة والمتابعة.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...