بوبكري يكتب: ‎الجماعات الدعوية ضد إرادة الله وإرادة الحياة معا

 – ملفات تادلة 24 –

‎لقد برزت في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منظمات سياسية تقوم بالعمل الدعوي خدمة للمصالح الانتخابية لأحزابها، علما أن هذه التنظيمات تنكر ذلك. وبعد تأملي في هذه الظاهرة، من حيث مقاصدها وخطابها وممارساتها، تبين لي أنها لا تحترم الدين نفسه، حيث تسير في الاتجاه المعاكس له.

يقوم العمل الدعوي لهذه المنظمات أو الجماعات على إرادة تغيير الآخر الذي يختلف فكرا ومعتقدا وروحا عن أصحاب هذه التنظيمات وشيوخها. فهذه التنظيمات تعتقد أنها تمتلك الحقيقة المطلقة وأن الآخر المختلف معها جاهل وعلى ضلال وأقل منها منزلة دينيا، لذا يجب أن يكون أدنى منها دينيا ودنيويا، بل إنها تكفره، ما يقتضي، في نظرها، تطبيق حد الردة في حقه. تبعا لذلك، تدعي هذه التنظيمات أنها عليمة بعلم الله. كما أنها عنصرية لأنها ترفض المساواة. لذلك، يدل نمط تفكيرها على أنها لا تؤمن بالحرية، ولا بحق الاختلاف، ولا بالمواطنة.
‎يبدو لي أن تغيير الآخر، على مستوى المعتقدات والتمثلات الروحية، هو ضرب من العبث يتعارض مع الإسلام ذاته، حيث يقول الله تعالى في القرآن المجيد: “إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ” (سورة القصص، الآية ٥٦).

‎ يخاطب الله تعالى رسوله (ص) قائلا له: «إنك لا تهدي من أحببت»؛ أي ليس على الرسول أن يهدي الناس، وإنما عليه البلاغ، فالله هو الذي يهدي من يشاء، وهو الحكيم الذي يمتلك الحكمة البالغة والحجة القوية. ويقول تعالى أيضا: «ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء» (البقرة: 272)، وقال تعالى كذلك: «وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين» (سورة يوسف: 103).

‎تفيدنا قراءة هذه الآيات وغيرها من الآيات الأخرى أن تغيير معتقدات الإنسان المختلف وتمثلاته الروحية مستحيل أصلا، لأن من يسعى إلى فعل ذلك، فهو يريد أن يضع نفسه في مقام الله. فالله هو الهادي «إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين» (سورة النجم: 7).
‎ هكذا، ففكر هذه الجماعات الدعوية يتعارض مع فكرة الخلق وكذا مع إرادة الحياة، لأنه يلغي فكرة الاختلاف بغية تنميط المجتمع لتصبح للناس نفس المعتقدات ونفس التمثلات الروحية ونفس الرؤى والأفكار. لذلك، فادعاء القدرة على هدي الناس هو انتحال لصفة من صفات الخالق، وإنكار لطبيعة الحياة، حيث يقول عز وجل في سورة هود: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفين» (118).
‎تبين هذه الآيات أن الخلق هو منطلق الاختلاف. وبذلك، فإن خطاب هذه الجماعات الدعوية يتعارض مع مبدأ «الخلق» كما هو وارد في النص القرآني. تبعا لذلك، فإن هذه الجماعات تسير ضد إرادة الخالق باسم الدفاع عن تنفيذها. علاوة على ذلك، يقول سبحانه : «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» (يونس: 99).

‎فوق ذلك، تبدو هذه الجمعيات الدعوية ظاهريا وكأنها جمعيات «دينية»، لكنها في العمق مجرد جماعات تقوم بتجارة منظمة، إذ تتوصل بأموال طائلة تأتيها من بعض دول الخليج من أجل خلق أتباع وقاعدة انتخابية لدعاة الإسلام السياسي، التي ترغب في أن تكون تحت إمرتها لتنفيذ مخططاتها في البلاد.

‎وتجدر الإشارة إلى أن الحياة عندما تخلو من الاختلاف تتحول إلى موت، حيث لا يكون هناك تقدم، ولا نمو، ولا إبداع، ولا تعلم بدون اختلاف؛ إنه أساس وجود الكائن الحي، إذ في غيابه أو تغييبه، يسود الجمود والتكلس والموت والعدم .

‎لذلك، فإن جماعات الإسلام السياسي التكفيري تزرع الموت في المجتمعات.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...