الصحة العمومية في زمن كورونا

عبد الرزاق غوال

 

تعتبر جودة الصحة العمومية سواء البدنية أو النفسية واحدة من أهم معايير الرقي ومؤشرأ من مؤشرات التنمية البشرية، فلا يمكن أن نتخيل مجتمعا متهالكا من الناحية السوسيو-إقتصادية وله من الأنظمة الصحية أصلبها، كما لا يمكن أن يصور لنا الخيال مجتمعا سمق في درجات التطور إلى القمم التي لا تجارى وله صحة عمومية غير مسايرة لركبه.

بين هذا وذاك تظل الصحة العمومية في المغرب واحدة من النقط السوداء، ولا أحد يمكن أن يزعم غير ذلك، وإن راودك شك في ذلك فيكفيك من المعلومات أن نستحضر لك مواعيد لفصوحات بالأشعة “السكانير” تُأخَذ عن ستة أشهر وقد تصل لسنة كاملة، ولا تستغرب إن سمعت عن ذات حمل وضعت حملها أمام باب هذا المستوصف أو ذاك، وهلم جرا من الوقائع التي تشمئز عند سماعها. كل هذا غيض من فيض عن نظام صحي قد لا يكون من المعقول مقارنته ببعض الأنظمة الصحية لدى دول متطورة ونأخذ إيطاليا نموذجا، فهذا البلد كما غيره من البلدان الأوروبية، لهم أنظمة صحية ليست فقط صلبة بل فولاذية لا عين رأت شبيهاتها ولا أذن سمعت همسا او دندنة عن مثلها، كل هذا وزد عليه ما تشاء ومع ذلك هذه البلدان ركعت شبه عاجزة أمام تفشي فيروس كورونا sars2 الذي انتشر معه وباء كوفيد-19. هذه الجائحة منذ أسابيع وهي تقوم بلعبة تكسير العظام وكأنها في مهمة تصفية حساب قديم مع هذه البلدان وإيطاليا نموذجا.

نفس الجائحة التي وضعت إيطاليا وأمريكا في موقع لا تحسدان عليه بين العالم برمته، حلت في جل بقاع وأصقاع العالم. المغرب لم يكن استثناءً بل عرف أولى الحالات منذ بداية مارس، اليوم والبلاد تعيش حالة حجر شبه تام ومعه حالة طوارئ صحية، في ظل عجز الطب الحديث عن إيجاد مصل رادع يظل الحجر الصحي الحل الوحيد لمحاصرة تفشي كوفيد19.

 

لسنا من أهل الجحود كي ننكر المجهودات والاجراءات الاحترازية التي أعلنتها البلاد، ولكن حالة الصحة العمومية بالمغرب أوجست في نفسنا خيفة، ونحن نتخيل بل من باب التوقع ما إذا استمرت الإصابات في الإرتفاع وهذا من الممكن وقوعه بل وارد جدا، إذا أخذنا بعين الإعتبار الجهل والاستهتار المستشريين في جزء كبير من المجتمع.

والمقلق أكثر هو الضعف الكبير الذي يميز العتاد الصحي بالمغرب، بنيويا ولوجسيتكيا كما لا يخفى كميا النقص الحاد في المواد البشرية من أطر طبية أو شبه طبية.

 

من دون وباء ولا جائحة يشهد المغرب نقصا كبيرا في المستشفيات العمومية، وهناك من المغاربة من يلزمهم قطع مئات الكيلومترات للوصول فقط الى مستوصف ليس حتى مستشفى إقليمي، فما بالك في مستشفى جامعي أو وطني، حتى إن وصل هذا المغربي فقد يلزمه إنتظار موعد قد يطول لأشهر طوال، ومن الحالات من وصل موعدها عن حجز لكشوفات “سكانير” أو عملية جراحية، فكان صاحب الموعد قد حجز له القدر موعدا أكثر صدقا وأقرب أجلا في القبر والبرزخ. أما عن الأطر الصحية وحصة الفرد من التطبيب فحدث ولا حرج عن الخصاص المهول بحيث أنه حسب آخر التقارير الرسمية يتوفر المغرب فقط على 1.5 طبيب لكل 1000 نسمة في حين أن المعدل أو الحد الأدنى اللازم توفره هو 4,45 طبيب، حيث رقم الخصاص يتجاوز عتبة 12000 طبيب. وبشهادة شاهد من أهلها، فعدد الممرضين والأطر الشبه الطبية وتقنيي الصحة والتمريض لا يكاد يتجاوز 50000 موزعين على 149 مركز استشفائي بطاقة استيعابية تضم فقط 23931 سريرا منها 250 سرير للإنعاش فقط، هذا حسب تقارير رسمية صادرة عن وزارة الصحة المغربية نفسها.

مصائب الصحة المغربية لا تتوقف عند هذا الحد، فالعتاد اللوجستيكي أو الأسطول الصحي لا يمكن وصفه بتوصيف أقل من المتهالك والمتقادم أحيانا، فبعض الفحوصات الدقيقة والتحاليل المعينة قد تتطلب من مريض وجدة التنقل إلى الرباط، هذا في الحالة العادية، أما اليوم مع الوباء فالدليل القاطع الذي يقطع الشك باليقين هو توفر المغرب فقط على مختبرين قادرين عن الكشف المخبري عن مصابي فيروس كورونا، فالحديث هنا عن معهد باستور المغرب بالدار البيضاء والمركز الوطني للانفلونزا والأمراض التنفسية بالرباط، هما إثنان لا ثالث لهما من يتوفران على تقنية PCR وهي تقنية تعتمد في الكشف عن هذا الفيروس، مما يثير الريب حول قلة الاختبارات وهذا واضح إذا ما تمت مقارنة ارقام اختبارات الكشف مثلا مع ألمانيا أو كوريا الجنوبية التي تتجاوز 10000 اختبار يومي، في حين المغرب لا يكاد يصل عتبة 300 اخبار في كل يوم.

 

في ظل هذا وتزامنا مع حالة الطوارئ سارعت الدولة بمختلف هياكلها إلى استيراد عتاد يتضمن 1000 سرير للإنعاش، و 100000 عدة للكشف عن طريق تقنية les cassettes، على الأقل هذه التقنية نتائجها سريعة وإن تضاربت الاقاويل بخصوص نجاعة التقنية في الكشف، كما تم اقتناء 100000 عدة لأخد العينات. خصصت لكل هذا رساميل مالية تقدر بملياري درهم من صندوق كورونا، الذي تم انشاءه وضخت فيه مبالغ بأرقام فلكية.

 

السؤال الذي يطرح نفسه بحدة هو هل هذه التكلفة كافية لسد الخصاص المهول والثقوب المهلهلة التي يعرفها القطاع؟ للمقارنة فقط ففرنسا قامت باقتناء المعدات الطبية بقيمة تناهز 432 مليون يورو لتطعيم قطاعها الصحي نفس الشيء بالنسبة لإسبانيا وايطاليا إلا ان الوضع يزداد سوءً في هذه البلدان رغم الفرق الكبير بين النظام الصحي المغربي والأنظمة الصحية لدى معشر الأوروبيين. في هذا الحديث السجالي وإن نسينا شيئا فلن ننسى أمرين، تذكيرا لأن الذكرى تنفع المؤمنين الأول أن رئيس الحكومة السابقة بعظمة لسانه قال مقوله سيتذكرها التاريخ وإن راح هو في طي نسيانه، لما قال “الآن آن الأوان أن ترفع الدولة يدها عن الصحة والتعليم”، والأمر الثاني أن البرلمان المغربي في يوم ما كان قد رفض التصويت مع قرار زيادة الدعم المالي للقطاع الصحي.

 

 

في ظل كل هذه النواقص ومع هذه الجائحة الكورونية التي تهدد الأطر الطبية باعتبارها هي المتواجدة في أول الصف وبدون متاريس، بات من الضروري للحكومة ان تعجل بإجراءات أخرى لتكسير القش قبل أن يقسم الظهر، ولعل من أبرزها ولو على المدى القريب على الأقل حماية  الطواقم الطبية بتوفير اللوجيستيك الكافي (البسة مهنية، كمامات واقية ….)، ممكن أيضا سن مراسيم لجلب أطر طبية أجنبية، افريقيا نموذجا ونحن نعرف انفتاح البلد مؤخرا على افريقيا غربا وشرقا، طلب الإستفادة من التجربة الصينية واليابانية ومن لف لفهم، كلهم تجارب أبانوا عن رزانة ونجاعة منقطعتا النظير في إدارة الأزمات، تجارب شرقية أبانت قوتها أمام النماذج الغربية بأوروبا وأمريكا حيث كشفت للعالم كورونا أنهما يسبحان عراة.

كما أضحى من العاجل ترميم بعض المستشفيات الإقليمية، وتزويدها بمعدات حديثة خصوصا ما يرتبط بتدبير هذه الجائحة من معدات الكشف إلى أسرة مأكسجنة للعلاج. كما يجب بناء مستشفيات جديدة بمعايير تستجيب للمعايير الصحية العالمية وكافية لاستقبال حالات التي من المنتظر أن تتعدى الطاقة الاستيعابية لمستشفياتنا الحالية، هنا يتأكد بأن التجربة الصينية قد تفيدنا، والاستعانة بالقطاع الخاص الذي يبلغ عدد مصحاته 359 مصحة، بعدد الأسِرَّة 10346 سريرا، وعدد المختبرات بـ 550 مختبرا، و268 مختبرا مختصا في الأشعة. بالإضافة إلى الزيادة في أطقم الطبية عبر تيسير مجموعة من التكوينات خصوصا  للممرضيين والممرضات أصحاب الديبلومات الخاصة بالمؤسسات الخاصة وكذلك طلاب الجامعة متخصصو التخصصات البيولوجية والشبه الطبية (طلاب ميكروبيولوجيا و البيولوجيا والصحة ).

في الأخير وإن كان المخططون والساهرون على وضع الاستراتيجيات التي تسير البلاد على دربها بغية الرقي والتقدم، فنحيطهم علما بأنه لا تقدم لنا بدون مجتمع يتمتع بحق في نظام صحي كريم ومتساو.

#اجلس_فدارك

#دير_اللي_عليك


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...