وجهة نظر حول ما وقع بالأمس من خروج ليلي جماعي للشوارع … سليمان بنعدي

سليمان بنعدي.

ما وقع بالأمس من خروج ليلي جماعي للشوارع في بعض المدن كفاس وطنجة، يفرض إبداء مجموعة من الملاحظات الأولية:
– الخروج الليلي الجماعي في لحظة “طوارئ صحية”، هي مغامرة غير محسوبة العواقب على المستوى الصحي أولا، وعلى المستوى الأمني ثانيا، وعلى المستوى الإنساني ثالثا.
– انطلاقا من نوعية المشاركين، يبدو أنهم من الشباب والكهول، ما يسمح بإثارة مجموعة من الأسئلة، أولها، هل وضعية الطوارئ الصحية أثرت على أنشطة الشباب وبالتالي دخلهم، وخاصة المياومين وذوي الأنشطة المتنقلة أو الليلية؟ هذا ما كان يمارس بالقرب من المساجد، أو الأزقة، كبيع الخضر والفواكه، وإذا كان الأمر كذلك، ليس هناك مانع من عرض سلعهم باحترام الشروط الصحية، رغم ما تحدثه هذه العملية من ضجيج وفوضى وإغلاق للأزقة والشوارع، والزبناء سيأتون إذا سمحت لهم الظروف بذلك. ومن جهة أخرى ينبغي التفكير بجدية في أشكال تضامن رسمية وتطوعية، مع هذه الفئات الهشة، ونرجو أن يقوم صندوق التضامن لمواجهة كورونا المستحدث، بهذا الدور، مما يفرض وجود استراتيجية تدخل ملائمة، وتحديد كيفية وزمن ومكان التدخل، وربما أن هذه العملية ستكشف عن مدى ضعف البحث العلمي الاجتماعي، سواء تلك المتعلقة بمواكبة الأوضاع الاجتماعية أو استثمار ما هو موجود من معلومات من مصادر متعددة كالإحصاء العام للسكان والسكنى، منشورات المندوبية السامية للتخطيط والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي… والخروج في هذه الحالة سيكون له مبرره ويحتاج إلى تواصل عاجل وجدي للطمأنة، رغم طابع الخروج الاندفاعي.
ثاني الأسئلة، هل هذا الخروج مرتبط بقرارات الطوارئ الصحية؟ وهي فرصة للتأكيد على أن “جائحة كورونا” هي فرصة لقراءة ثانية لسلوكنا وأفكارنا، وهي عملية تفرض وجود درجة معينة من القدرة على الاستقبال والفهم لدى الأفراد والتنظيمات، رهان يصبو إليه مجتمع المعرفة، من خلال منظومة تربوية قادرة على تحقيق هذا الرهان. الجائحة فرصة لقياس قدرتنا على التواصل الإيجابي وابتكار حلول جماعية، منطلقها الاعتقاد الجماعي أن الأمر جدي ويحتاج إلى جدية في التعامل، فرصة لقياس درجة حضور المؤسسات الرسمية وجاهزيتها وكذلك فرصة لاختبار مدى نضج المجتمع المدني.
ثالث الأسئلة، هل خروج الأمس كان عفويا أم منظما؟ فإن كان عفويا، فمعناه أن التحسيس بأهمية الطوارئ الصحية لا زال غير كافي أو لم يصل بالشكل المطلوب إلى الشرائح التي خرجت إلى الشارع، مما يستدعي تكثيف وتنويع قنوات التواصل. وإن كان منظما، فمن هي هذه الجهات، هل يتعلق الأمر بأشخاص أم تنظيمات؟ وفي كل الأحوال، كان حريا بالجهات الداعية للخروج، إلى احترام شعور الآخرين على الأقل من باب الاعتراف بهذا الآخر، واحترام قواعد الطوارئ الصحية ما دامت هذه الأطراف لم تعلن صراحة عن موقفها، وإن ضُمِن لها حق التعبير، فعليها الخضوع لمنطق الأغلبية التي تؤيد القرار، وأن قانون الطوارئ يحمل في طياته جانبا من الحالة القهرية. صحيح أن كثيرا من الأمور كان يجب ترتيبها قبلا، سواء من طرف الأفراد أو الجماعات، تحسبا لهذه الحالة، لكن حالة الطوارئ توفر شرطا أساسيا للحماية وهو الوقاية على الأقل، عبر تجنب الاحتكاك بين البشر. أما إذا كانت هذه الجهات استعملت الخروج لغايات ذاتية، فالأحرى بها اعتماد طرق أخرى لتحقيقها، عوض أساليب الفانتازيا التي ميزت مشاهد الأمس. أعتقد أن الوقت حان للتوقف عن الركوب على جراح الآخرين ومشاعرهم، باعتباره رهانا محدود الفعالية، وإن حقق بعضا من طموحات المغامرين، فسرعان ما يستفيق الباقون على وقع مرارة الاستغفال، مما يزيد من تعميق الاحباطات وأشكال التطرف.
إن الجوائح، كباقي الكوارث الطبيعية والبيئية، تحتاج إلى الهدوء أولا والتفكير في الحلول ثانيا، وليست فرصة للمزايدات أو الابتزاز لأن الأوبئة سيدة موقفها، لم تترك عبر التاريخ سوى القتل الجماعي الذي لا يبقي ولا يذر، دون تمييز بين اللون، الجنس، الوضع الاجتماعي أو الجغرافيا.

سليمان بنعدي.
فاس، 22 مارس 2020م.






شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...