انتفاضة 14 دجنبر 1990 بسوق السبت، وشم في الذاكرة يأبى النسيان

-محمد لغريب-

لم يكن يوم الجمعة 14 دجنبر 1990 بالنسبة لمدينة سوق السبت أولاد النمة، يوما عاديا كباقي الأيام، بل كان استثنائيا في كل شيء، بلحظاته وأحداثه وتفاصيله، أحداث، لازالت عالقة في أذهان أجيال من الشباب والشيوخ، ممن احتضنتهم هذه المدينة المنسية خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، والتي لازالت تندب حظها العاثر في كل شيء، وكأن الزمن توقف عن الدوران والمضي إلى الأمام في عناد تام مع دورة التاريخ ومنطقها، والحكم على المدينة بالاحتضار والجمود المؤبد إلى حين عن سبق إصرار وترصد.

ونبشا في الذاكرة، وما علق بها من مشاهد وصور عن تلك الأحداث الأليمة، واستسلاما للرغبة في كشف جزء من تاريخ المدينة، حاولنا أن نسترجع بعض هذه الصور عن انتفاضة سوق السبت سنة 1990، للذكرى وللتاريخ-رغم قلة المصادر-وذلك من خلال إعادة شريط الأحداث التي اشتعلت فيها نيران الغضب، وكادت أن تشهد ما شهدته مدينتا فاس وطنجة ومدن مغربية أخرى من مآسي وآلام لازالت جاثمة على عتبات تاريخ المغرب المعاصر حتى يومنا هذا.

قبل 29 سنة، دعت المركزيتان النقابيتان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد العام للشغالين بالمغرب إلى إضراب عام لمدة 24 ساعة، احتجاجا على الأوضاع التي تعيشها الطبقة العاملة، وكذا الجماهير الشعبية عامة، جراء بداية تطبيق توصيات المؤسسات المالية الدولية التي أثقلت كاهل فئات عريضة من الشعب المغربي، ووسعت دائرة البطالة والفقر والحرمان وغلاء المعيشة، فكانت دعوة المركزيتان النقابيتان إلى الإضراب العام بمثابة الزيت الذي صب على النار وأجج نار الغضب في نفوس الجماهير الشعبية، بعد فشل الحوار بين النقابتين والحكومة والذي استمر حتى عشية يوم 13 دجنبر 1990.

كانت سوق السبت في تلك المرحلة، مدينة يمكن وصفها ب”المدينة العمالية” بامتياز، حيث تشكلت نواة عمالية مرتبطة أساسا بمعملي السكر سوطا SUTA  ومعمل حلج القطن COMAPRA الذي تم تفكيكه خلال بداية التسعينيات من القرن الماضي، بالإضافة إلى فئات واسعة من العمال الزراعيين الوافدين من مناطق وأقاليم مجاورة للمدينة، كقلعة السراغنة وادي زم( السماعلة وبني خيران) ومن الشاوية ودكالة وعبدة، أرغمتهم سنوات الجفاف على الهجرة والاستقرار بالمدينة، حيث تشكلت أحياء هامشية تفتقر للبنيات التحتية الضرورية ولأبسط مقومات العيش الكريم، وبالتالي بدأ حزام الفقر يتشكل ويتوسع شيئا فشيئا.

في خضم هذا السياق، برزت حركة نقابية قوية ملتفة أساسا حول الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وتحديدا قطاع السكريين الذين خاضوا إضرابات بطولية سنوات السبعينات والثمانينات من القرن الماضي تحت قيادة المناضل محمد بوكرين وعلي عواد وآخرون، وهي النضالات التي أجبرت إدارة معمل السكر على الاعتراف بقوة الكدش التي تمكنت عبر نضالاتها القوية من تحقيق مجموعة من المكتسبات للعمال على المستويين التنظيمي والمادي، بالإضافة إلى قوة النقابة الوطنية للتعليم التابعة لنفس النقابة والتي خاضت بدورها العديد من الإضرابات في تلك المرحلة، وتمكنت من تحصين العديد من المكتسبات المادية والديمقراطية للشعيلة التعليمية بالمدينة.

بدورها عرفت الحركة التلاميذية خلال سنة 1990 احتجاجات قوية ومقاطعة للدروس تضامنا مع الشعبين الفلسطيني والعراقي ضد التهديدات التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بعد اجتياح العراق للكويت صيف 1990، وهي المقاطعة التي استمرت لأزيد من ثلاثة أشهر بعد انطلاق عاصفة الصحراء في 17 يناير من سنة 1991 حيث عمت المسيرات والوقفات التضامنية كل المؤسسات التعليمية.

كان الجو مهيئا للانفجار أمام الانحباس الذي عرفته المدينة على جميع المستويات، خاصة استفحال البطالة التي بدأت ترخي بظلالها على فئات واسعة من الشباب الحالم والطموح المتخرج من الجامعات المغربية، وضعف أجور العمال الزراعيين الذين كانوا يشتغلون طيلة اليوم بأجر زهيد لا يتجاوز 30 درهما في اليوم، فضلا عن تفاقم مشاكل السكن والصحة وضعف البنيات التحتية وغيرها.

انطلقت شرارة أحداث 14 دجنبر 1990 في حدود الساعة التاسعة صباحا من إعدادية ولي “العهد سيدي محمد” (إعدادية محمد السادس حاليا)، حيث خرج تلاميذ الإعدادية في مسيرة احتجاجية صوب ثانوية الخوارزمي التي كان تلامذتها على موعد مع امتحانات الدورة الأولى للباكالوريا. رفض التلاميذ الدخول إلى القاعات واجتياز الامتحانات، بعد الاستجابة الواسعة للإضراب من طرف الأساتذة، رغم إصرار سلطات المدينة على كسر الإضراب.

حاولت السلطات المحلية في شخص القائد “عبد اللطيف” الذي حل بالثانوية رفقة عناصر من القوات المساعدة والدرك الملكي، اقناع التلاميذ بالعدول عن الإضراب وبضرورة اجتياز الامتحانات، لكن ردهم كان هو رفع الشعارات في وجهه ومطالبته بمغادرة حرم الثانوية، مما اضطره إلى المغادرة على وجه السرعة لأن الاحتجاجات بدأت تتسع في باقي أرجاء المدينة.

التحق تلاميذ إعدادية ولي العهد بثانوية الخوارزمي واتجهوا معا في مسيرة حاشدة بشارع الجيش الملكي رافعين شعارات غاضبة، سرعان ما انضمت إليهم حشودا كبيرة من الجماهير الشعبية، بينما اكتفت عناصر الدرك الملكي بمراقبة الوضع من خلف المسيرة التي مرت أمام مقر البلدية. لقد كانت الأحداث تتطور بسرعة وتنذر بيوم صعب على المدينة، خصوصا بعد انفجار الوضع بمدينة فاس، إذ كانت صدى الاحتجاجات هناك تصل للمتظاهرين عبر إذاعة bbc.

في الجانب الآخر من المدينة، وتحديدا ب”الموقف” اندلعت احتجاجات قوية وعنيفة قادها العمال الزراعيون الذين نصبوا حواجز بالشوارع المؤدية إلى “الموقف” وأغلقوا الطرقات بالإطارات المشتعلة والحجارة واتجهوا في مسيرة إلى التكوين المهني حيث اغلقوا الطريق الجهوية 309 في وجه السيارات والحافلات القادمة من مراكش وأيت عتاب والمتجهة إلى مدن خريبكة والدار البيضاء ووادي زم، وسيطر المتظاهرون على الوضع في كافة أرجاء المدينة في الوقت الذي اكتفت فيه القوات المساعدة والدرك الملكي بمراقبة الوضع الذي كان أكثر خطورة حسب شهادات الذين عاشوا هذه الأحداث والذين تابعوها، وكانت تدخلاتهم مقتصرة على تشتيت المتظاهرين إلى مجموعات.

عمت الفوضى أرجاء المدينة، وتم الهجوم على وكالتي البنك الشعبي ووفا بنك بشارع الجيش الملكي ونهب بعض مخازن الدقيق والسلع التي كانت في ملكية أحد أعيان المدينة، وتكسير واجهة المحلات التجارية التي لم تستجب للإضراب وإحراق سيارة جيب jeep  للقوات المساعدة بالقرب من مدرسة الداخلة، بينما اكتفى ممثلو سلطات المدينة  بمتابعة وتقييم الوضع الذي بدا خارجا عن السيطرة في البداية أمام قوة المتظاهرين الذين كانوا يشكلون مجموعات متحركة بأحياء الرواجح ولاسيطا والبام 1و2.

وفي حدود الساعة الحادية عشرة صباحا، بدأت التعزيزات الأمنية تتوافد على المدينة من المناطق المجاورة بنجرير والفقيه بنصالح وقصبة تادلة ومدن أخرى، وتحولت المدينة إلى ما يشبه ثكنة عسكرية مشكلة من فرق التدخل السريع والدرك الملكي والقوات المساعدة وغيرها. وبدأ إطلاق كثيف للقنابل المسيلة للدموع ومطاردة الشباب في أزقة وشوارع المدينة وتفريق التجمعات، فيما يشبه حظرا للتجول، وانتشرت عناصر الدرك الملكي وفرق التدخل السريع بالشوارع الرئيسية ومداخل المدينة.

وعرفت أحياء البام 1و2 ولاسيطا مواجهات عنيفة مع قوات العمومية، شاركت فيها النساء إلى جانب الشباب، حيث كانت تتعالى زغاريد النسوة من فوق السطوح وتم فتح أبواب المنازل للمحتجين للاختباء أثناء المطاردات، بينما فضل عدد من المصابين أثناء المواجهات عدم التوجه صوب المستوصف الوحيد بالمدينة مخافة الاعتقال، فيما تم توقيف مجموعة من التلاميذ والتلميذات أفرج عنهم بعد حضور أولياء أمورهم.

وفي حدود الساعة الخامسة مساء، تجددت المواجهات مرة أخرى، وتم إطلاق كثيف للقنابل المسيلة للدموع بشكل عشوائي في اتجاه المتظاهرين دون انقطاع، لتتلو ذلك حملة اعتقالات ومداهمات ليلية للمنازل همت العشرات من الشباب الذين تعرضوا خلال فترة الاعتقال لممارسات قاسية، لازال البعض يعاني من تبعاتها الجسدية والنفسية حتى اليوم، ووجهت لهم تهم جنائية ثقيلة، حيث تراوحت الأحكام النهائية الصادرة استئنافيا وابتدائيا في حقهم ما بين 8 أشهر إلى 5 سنوات وتم تبرئة عدد من المعتقلين بعد محاكمات ماراطونية.

لقد كان يوم 14 دجنبر يوما مشهودا ومحفورا في الذاكرة، ذاكرة تأبى النسيان.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...