الاسلام السياسي والقِيَّم الحديثة

محمد بوبكري

يرى بعض الباحثين، وعلى رأسهم المفكر التونسي ذ. عبد المجيد الشرفي، أن الإسلام السياسي يتبني قيما تنتمي إلى المجتمعات التقليدية لأنه لا يمتلك وعيا ولا ثقافة تاريخية، حيث يعتقد أن المحافظة على هذه القِيَّم هو ما يضمن استمرار انتماء الناس إلى الإسلام. وتتمثل هذه القِيَّم التقليدية في الحفاظ على النفس والدين والعرض والمال. ويتبين من ذلك أن الحفاظ على الوطن ليس واردا ضمن هذه القِيَّم التقليدية، لأن الجماعة والطائفة عند هؤلاء فوق الوطن. وإذا كان هؤلاء يناهضون الحداثة، فإن هذه الأخيرة تتبنى هذه القِيَّم لأنها تشكل عماد النظام الاجتماعي المستقر، لكنها لا تتبنى هذه القِيَّم وحدها، بل أضافت إليها قيما أخرى مكملة لها وتضمن لها فعاليتها.

ومن هذه القِيَّم التي أضافتها الحداثة أن الفرد ينبغي أن يتمتع باستقلالية ذاته، حيث يجب ألا يكون تحت وصاية أحد إلا برضاه، كما ينبغي أن يفكر بنفسه، لا بغيره، ولا يعتمد على الآخرين في شؤونه المعرفية، وفِي كل القرارات التي تهم حياته ومستقبله، وذلك على عكس ما يرغب فيه الإسلام السياسي الذي يسعى إلى السطو كينونة الإنسان، الأمر الذي يتعارض مع مفهوم المواطنة.

ومن القِيَّم الحديثة قيمة الحرية التي كانت تقابل في القديم العبودية وإجبار الإنسان على عدم اختياره لأفكاره وأفعاله… وتعني الحرية في مفهومها الحديث أيضا أن يفعل الإنسان كل ما يريد فعله ويرغب فيه دون الاعتداء على حرية الآخرين، ودون الدعوة إلى ممارسة العنف ضدهم والتمييز بينهم على أساس طائفي أو قبلي أو عرقي أو جنسي. فهذا المفهوم الأخير للحرية هو مفهوم حديث لم يكن موجودا في القديم، ولا تقبل به جماعات الإسلام السياسي.

ومن القِيَّم الحديثة التي لم تكن سائدة في القديم، هناك قيمة الابتكار والاختراع، وتجاوز حدود المعرفة السائدة، حيث إن الإنسان الحديث لا يسلم بوجود حدود ينبغي ألا يتجاوزها فيما يتعلق بما ينبغي أن يعرفه أو لا يعرفه، بل إنه يحاول دائما أن يبدع ويبتكر ويكتشف؛ فهو منتج للمعارف ومبدع لها باستمرار، وليس مجرد متلق لمعرفة جاهزة وناقل لها حرفيا. وهذا ما ستترتب عنه نتائج لا حد لها.

وقد جاءت الحداثة أيضا بقيم العقل والعقلانية، حيث تم معها اعتماد العقل البشري في كل مناحي الحياة ومجالاتها سواء تعلق الأمر بالفرد أو المجتمع. فالعقل هو الملكة الوحيدة التي هي في متناول الإنسان، حيث يمكِّنُ العقل الانسانَ من توجيه النقد إلى ما أنتجه عقله وتجازوه، كما أنه يساعده على توجيه النقد للعقل ذاته، ما يمكنه من التجدد والانتصار على الذات باستمرار، إذ يمكن للإنسان أن ينخرط في اللامتناهي بكون هذا الإنسان مشروعا أنثروبولوجيا منفتحا على التطور المستمر. كما أن العقل لا يلغي الملكات الإنسانية الأخرى، وأساسا الرمزية منها. هكذا، فالنفور من العقلانية، وتقديم النص على العقل يحول دون القراءة السليمة للنص، كما أنه يعوق فهم الإنسان والمجتمع والثقافة والتاريخ والطبيعة.

وهناك قِيَّم حديثة أخرى تنهض عليها الحضارة المعاصرة التي يعتقد دعاة الإسلام السياسي أنها مناهضة للسلمين، ويرمونها بأنها حضارة مادية متفسخة أخلاقيا. لكن ما يجهله هؤلاء أو يتجاهلونه هو أن هذه الحضارة المعاصرة جاءت بقيم أصبحت أمل الإنسانية وأفقا لتطلعاتها. ففي كل بقاع العالم، صارت المجتمعات الإنسانية تتطلع اليوم إلى تحقيق الابتكار والاختراع والعقلانية والمواطنة والديمقراطية والحريّة.

هكذا، فإن القِيَّم الحديثة بعيدة عن أفق دعاة الإسلام السياسي الذين لا يكفون عن محاربتها، لأنها تخلق مناخا ثقافيا ضد استبدادها ورغبتها في التحكم في الأفراد والمجتمع معا.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...