أيت سعيد وأيت باني: بين الحلم الوردي والحقيقة المرة (الجزء الأول)

ابراهيم أمعرش*

 

أيت سعيد وأيت باني..إِسْمَا قبيلتين، كانتا تتواجدان على بعد 20 كيلو متر من مدينة بولمان، قبيلتان تم ترحيل ساكنتهما لإنشاء ما سمي بسد “انجيل”، الذي بنيت عليه آمال كثيرة، لكنه في الواقع لم يجلب غير الجفاف و الويلات للمنطقة. مرت أزيد من عشرين سنة على الترحيل و القبيلتان، المهدومة منازل ساكنتهما و المهجرون أهلهما، لم تنذثر ذكراهما من قلوب و ألسنة ساكنتهما والمنتسبين لهما، رجال و نساء، لا ينفك يمر دون أن يسترجعوا و يستحضروا ذكريات أيامهم و لحظاتهم الجميلة هناك.

بين الحلم الوردي والحقيقة المرة

هناك حيث المنبت، الذي أصبح الآن مجرد طين يابس وخلاء. هناك حيث كانت الحياة حلوة، جميلة، بسيطة، هناك حيث يعم الوحل اليوم ..هناك من حيث رُحِّلوا، غصبا، من أجل أن يحل مكانهم الماء ليروي انجيل، وتزهر فلاحته و تنتشر الورود و الخضرة كما كانت و لربما أفضل، هكذا قيل لهم و هكذا اعتقد الجميع قبيل وأثناء بناء السد أوائل التسعينات.

يلملمون ما تبقى من الذاكرة التي تقاوم الإندثار و الاندحار بفعل عوامل الزمان، يقاومون ضياع كنزهم الرمزي و ماضيهم الجميل كي لا يمحى كما محيت أكواخهم و منازلهم الترابية التي كانت تفوح منها رائحة التراب و عشبة “إِفْسِّي” ..”الشيح” بالعربية..المكنسة التي تكنس بها السيدات الأرضية الترابية كل صباح؛ قطرات المياه النقية مع غبار الأرض يختلطان مع “تشطابت” الطبيعية لتفوح منها رائحة الحياة…رائحة الأرض.

حنين وذكرى

لقاءات الاستحضار دائما ما تكون في مناسبة ما، موت أو فرح لايهم، المهم مجمع، كل مجمع ومناسبة لا تخلو من حوار و كلام حول لحظات ماضي أيت باني و أيت سعيد. في غرفة جلوس النساء يتحدثن عن رحلاتهن اليومية نحو البئر…لجلب مياه الشرب وكيف كانت مناسبات ل”تمجاوينهن” -تيمنجاوين يقصد بها ما يقال عنه “حديث النساء” عن هذا وذاك-،  و سرد لخلاصة اليوم و الأسبوع. يتحدثن عن أعراسهن، تلك الايام ولياليها السعيدة المليئة بالرقص و البهجة وابتهاج الطبيعة والمكان آنذاك وعن موالديهن الذين وهبوا الحياة بين تلك الجبال .

في نفس الوقت، و في الغرفة المجاورة، يلتف الرجال على حلقات الماضي و حكاية ما مر و ما بقي من تاريخهم على كؤوس الشاي انتظاراً للطعام. يتكلم الواحد و يأتي على أيام “تسامرت” حيث كانوا رجالات أيت باني يجلسون ويستمدون من دفئ الشمس، قرب بيت”لحسن اوميمون البناوي” و يذكرهم آخر ساخرا على صاحبه الذي كان دائم الانهزام في مجالس لعب الورق بمقهى أيت سعيد، و كيف كان يعود لبيته دائما خائبا و بدون ولا درهم مما حمل، ليقهقر الحضور ضحكا بمن فيهم المعني. يقاطع آخر من أيت باني ضحكاتهم و يذكرهم بمباريات كرة القدم التي كانوا يلعبون ب”داوو أويرور” قرب منزل المعرفون أيامها بلقب أيت عقى (عبد القادر الخلافي) والتفاح، البهي اللذيذ، الذي كانوا يقطفونه خلسة من بستان كل من “الجاري” و “الحسين أوبوعزى”.

و بما أن غالبيتهم فلاحون، فكلامهم في مجمله عن الفلاحة، في كل مناسبة، يتذكرون تقسيمة مياه الوادي السقوية التي كانت آنذاك من الشروق لحدود العصر لايت باني و يومين لأيت سعيد؛ لأنها كانت قبيلة كبيرة مقارنة مع أيت باني، و كيف أن القبيلتين عاشتا و تلاقحتا منذ ان استقبلت اختارن أيت سعيد و منحتهم أرضا هناك، أيت سعيد الرجال والقوة والجَلَد ،قبيلة دافعت على اختارن من هجمات أيت موح أيام السيبة…ذكريات لا تموت حتى بموت أصحابها. لا ينسون موتاهم أيضا ليتحدثوا عن كل من “الغول الحسين” و الحسين اوميمون” اللذان كانا بمثابة “مدفئة” القبيلتين أيام يشتد البرد وينزل الثلج بثقله الأبيض على تفاصيل قبيلتهم ،كانا معروفان بالحطب،”حطابي المنطقة”؛ خفيفا القلب بنكتهما الخفيفة و التي أتى عليها الحضور و استحضروا بعضا من المواقف المضحكة التي جمعت بعضهم بهما ..شباب جالسون على الزاوية يضحكون على مشاهد دراسية جمعتهم ايام مدرسة أيت سعيد و “فلقات” المعلم،المرحوم، بوتفاست ..قبل أن يقاطعهم رجل مسن من أيت باني و تدمع عينه على يوم الهدم الذي تم بالغصب و قتلت فيه مواشيهم ومورد رزقهم مقابل مبلغ هزيل لن يكفيهم حتى في بناء بيوت جديدة،الذكرى التي تسببت في صمت طويل حزين.

جلسة و استحضار ينسى فيه الجالسون أنفسهم و حاضرهم ليسافروا  لذلك الماضي الجميل على إيقاع أكواب الشاي المتتالية،ماضي يتحسرون على ضياعه بتعويضات هزيلة فرقت شملهم من أجل سد جاف دمر الفلاحة السقوية بانجيل بعدما شتت شملهم و لم يترك لهم غير الذكريات التي يقتلون بها ملل أيامهم في قرية تموت..موت يحاولون فيه الإبقاء على إرثهم الرمزي حيا لأطول مدة ممكنة ..الذاكرة الجمعية المشتركة للقبيلتين كان لهما دور مهم في ماضي و تاريخ انجيل خاصة ايام السيبة حيث كانت كحصن منيع ضد هجمات المترصدين…قبيلتان لم يبقى لهما الآن غير هذه الذكريات للملمة ندوب الحاضر وواقعه المشتت.

(تفاصيل التهجير سيكون حولها مقال منفصل،اضافة اني بمعية أصدقاء اشتغل على فيلم وثائقي قصير حول الموضوع).

 

صورة “للنادر” بأيت سعيد قبل الهدم  من التقاط الحسين كريمي

*مدون


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...