الإسلام والآخر

ينبغي لمن يُؤْمِن بالله، باعتباره قوة عظمى، أن يعبِّر عن ذلك من خلال المجموعة البشرية التي ينتمي إليها. وتكمن أهمية هذه الفكرة في أنها تؤسس لنوعية إنسانية الإنسان، بالتالي يجب على الإنسان أن يتجه إلى إنسانيات أخرى تقوم على ركائز مختلفة عن تلك التي تنهض عليها إنسانيته، فيعترف بها وينفتح عليها. ويقتضي ذلك منه أن يخرج من فضاء البداوة والأعراب إلى فضاء الإنسانية الفسيح، حيث يسود الاعتراف بالآخر المختلف. وهذا ما تعبر عنه الآية الكريمة “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (سورة الحجرات، 13) (يوسف الصديق).

تجسد هذه الآية الكريمة فكرتي المساواة والاختلاف في القرآن المجيد، كما أن الكلمة المفتاح فيها هي “التعارف” الذي يعني التعايش السلمي مع الآخر؛ فكل جماعة بشرية تؤسس إنسانيتها على اختيار خاص بها، والقاسم المشرك بينها وبين سائر الجماعات هو الانتماء إلى الإنسانية التي توحد الجميع. وهذا ما جعل إنسانية الفرد تقوم على اعترافه بإنسانية الآخر الذي يلتقي معه بيولوجيا، باعتباره ينتمي إلى نوع الكائن الحي نفسه الذي ينتمي إليه، لكنه مختلف عنه ومعه ثقافيا، باعتباره يقيم في منطقة جغرافية أخرى ويتكلم لغة أخرى ويدين بعقيدة أخرى وله عادات وتقاليد أخرى، وما إلى ذلك، ما يعني أن الاعتراف بالآخر هو ما يجعل من الإنسان إنسانا، إذ بدون ذلك يفقد الفرد إنسانيته ويسقط في التوحش. إضافة إلى ذلك، تعطي الآية الآنفة أسبقية للتعارف والتعايش على “التقوى”، حيث ينهض السلوك الأخير على الاعتراف بإنسانية الآخر، إذ لا تقوى بدون التعايش مع الآخر. هكذا، فالاعتراف بالآخر شرط من الشروط الأساس اَي تنهض عليها التقوى.

وعندما نتأمل فيما يجري اليوم في العالم العربي الإسلامي، نجد أنه يسير في الاتجاه المعاكس لهذه الآية التي تدعو إلى التوحيد عِوَض التشتت الذي تعيشه هذه الرقعة من العالم، حيث تفرق العرب المسلمون إلى قبائل وطوائف وملل ونحل إلى أن أصبح من لا ينتمي إلى الطائفة أو القبيلة أو العرق يُعتبرُ عدوا داخليا؛ فهذا سني وذاك شيعي، هذا سلفي وذاك جهادي، هذا قاعدي وذاك داعِشي…

وجدير بالذكر أن الانقسام متجذر في المجتمعات العربية الإسلامية، إذ لازال متواصلا منذ القرن الهجري الأول إلى اليوم بدون توقف. فمباشرة بعد وفاة الرسول (ص)، عرف اجتماع سقيفة بني ساعدة صراعا عاصفا، حيث رفض الأنصار بزعامة سعد بن عبادة مبايعة أبي بكر الصديق. ويعني ذلك أن ذلك الصراع كان قبٓلِيا من أجل السلطة، ولم يكن صراعا دينيا. وقد أكدت هذا الأمر الفتن التي حدثت بعد ذلك. ولاعتبارات سياسية، قام بعض رجال الدين إبان حكم الأمويين بجلد الإمام أبي حنيفة، ثم تكرر الأمر نفسه في عهد العباسيين. وَهَذَا ما جعل الصراع على السلطة هو المحرك الأول لكل الصراعات والحروب والفتن التي عرفها المجتمع العربي الإسلامي طوال تاريخه.

ومنذ ذلك الوقت، لم يتوقف الفقهاء التكفيريون عن توظيف كل من النزعة الطائفية والقَبَلِية للاستيلاء على السلطة السياسية. لقد تجاهل هؤلاء الفقهاء أن الله عز وجل وجه كلامه مرارا وتكرارا في القرآن الكريم إلى “الإنسان” في المطلق دون تحديد عرقه أو جنسه أو دينه (“يا أيها الإنسان”، “يا أيها الناس”…). وقد قام هؤلاء بهذا التجاهل لتوظيف القرآن الكريم ضد الآخر وإقصائه وممارسة العنف عليه، مما أفرز جمود العقل العربي الإسلامي عبر إغراقه في ثقافة الطائفة والقبيلة إلى أن أصبح العقل السياسي العربي الإسلامي يدور في فلك القبيلة والطائفة والغنيمة (محمد عابد الجابري).

وعلى عكس الآية الكريمة سالفة الذكر، والآية “لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ” (البقرة، 256) اللتين تدعوان إلى التعايش السلمي مع الآخر، ما فعله ويفعله فقهاء الإرهاب التكفيري هو استغلال آيات السيف للدعوة لممارسة الإرهاب ضد الآخر المختلف، وبذلك فهم يسيرون عكس النص القرآني.

ويعود ذلك إلى أن فقهاء التكفير قد قرأوا القرآن قراءة خطية حرفية، فتجاهلوا أن الآيات الداعية إلى حمل السلاح كانت خاصة ببعض المعارك التي خاضها الرسول (ص) دفاعا عن الإسلام وليس للاعتداء على الآخر. ومعنى ذلك أن تلك الآيات ترتبط بظرفية خاصة، ما يجعل العمل بها محصورا في تلك الظرفية دون أن يتجاوزها إلى سائر الأزمنة والأمكنة. وعلى عكس ذلك، هناك آيات كونية تدعو إلى الاعتراف بالآخر. وتكمن مشكلة فقهاء التكفير في أنهم فصلوا النص القرآني عن مستوياته وسياقاتها…

تبعا لذلك، تكمن مشكلة القرآن في قراءاته، لأن فقهاء التكفير تخلوا عن التمييز بين الآيات الخاصة بظرفية معينة وتلك التي تكتسي طابعا كونيا، ما جعلهم يوظفون آيات الجهاد لخدمة لمصالحهم وطموحاتهم وشهواتهم السلطوية….

 


قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...