حسن الحافة يكتب:إنّها حقيقةُ أمّهاتِنا. مُربيات الأمٓل، حامِلات فتاتِ الخُبز


حسن الحافة

إنّها حقيقةُ أمّهاتِنا. مُربيات الأمٓل، حامِلات فتاتِ الخُبز.

أمي “بغّلة” جميلة، مُكافحة، ذات أنفة ولا يمكن تطوّيعُها بسهولة، وتقاتل لأجل لقمة العيش دون أن تستسلم، وتتحمّل الثقل، والظروف القاسية في سبيلنا. ولم تفكر يوماً في السماح لأحدهم بامتطائها تحت أيّ مبرر كان. الرجل الوحيد الذي امتطاها هو والدي، وظلت وفية له، مخلصة، تحمل معه وزر الحياة بلا تذمر ولا تأفف، وكلما اقترب منها، أو منّا أحدٌ، كانت تركُله ركلات قوية حتى يفر هارباً ..

أجدها “بغّلة” رائعة في زمن كثُرت فيه “الكلّبات”.. وأضحيّن يملأن كل مكان. حتى أنك ممكن أن تتفرّج عليهن على شاشة التلفاز. “البغّلة” كانت دائما تعيش بشرفها، وتقتات من كدّها وعملها، وتشعر هي بالفخر لفعل ذلك. “الكلّبة” يمكن لها أن تبيع نباحها، وتبيع معه أشياء كثيرة.. وهل سبق لكم أن شاهدتم “بغّلة” يحوم حولها بغّال كثر؟ “الكلّبة” يمكن لك أن تلمح خلفها طابور طويل من الكلاب، كلّ ينتظر دوره، وهي سعيدة، تُنقز بخفّة، وأينما ذهبت، يتبعُها جيش كلابٍ لاهث..
أمي “بغّلة”.. وحتى حينما كان أحدهم يشتمني : “بإبن البغلة”، لم أكن أغضب، بل أبتسم وأشعر بالفخر، لأني أعرف أن أبناء الكلّبة هم فقط من يمكن لهم أن يصفوك بإبن “البغّلة”..

استحضرت هذا، حين قرأت خبراً عن وصف حمّالات السلع المهربة “بالبغلات”. وددتُ لحظتها أن أقف فوق السيّاج الفاصل وأصرخ بكل ما أوتيت من قوة في صوتي:

ــ أنتن أروع “بغلّات” يمكن للإنسان أن يتشرف بأن تكن واحدة منكن أمّه. لي الفخر أني أنتسب لنفس الرقعة الجغرافية التي أنتن فيها ومنها، وأديم أرضها بُلّل بعرقكن الشريف والطاهر.. وجد متحمّس أن أقبل رأس كل واحدة منكن، هو الرأس نفسه، الذي شابت خصلات شعره لكنه ظلّ مرفوعاُ للسماء، لم يُطأطأ قطّ، ولم ينحني لأيّ كان. ومن حقارة وبشاعة وخسّة التاريخ، أنه لا يُنصف أمثالكن..

بقدر ما ينصف.. وتعطى الأوّسمة.. وتقرعُ الطبول.. وتُقام الأفراح..للكــــلّــبات..




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...