-ملفات تادلة 24-
لم تنته انتخابات 23 شتنبر بإعلان النتائج، بل فتحت مرحلة سياسية جديدة عنوانها تشكيل الأغلبية الحكومية وتحديد ملامح المعارضة. فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعدا، لكنه يحتاج إلى حلفاء لتأمين الأغلبية داخل مجلس النواب.
وتبدأ رئيسة الحكومة المكلفة فاطمة الزهراء المنصوري مشاوراتها في ظل خريطة برلمانية تسمح بأكثر من صيغة للتحالف. وفي المقابل، حسم حزب العدالة والتنمية تموقعه واختار الاصطفاف في المعارضة إلى جانب تحالف اليسار، منهيا بذلك أحد الاحتمالات التي كان يمكن أن تدخل في حسابات تشكيل الأغلبية. وهكذا انتقل المشهد السياسي من سؤال نتائج الانتخابات إلى سؤال من سيحكم وكيف سيحكم ومن سيعارض.
الحسابات البرلمانية تضع حزب الاستقلال في قلب مفاوضات تشكيل الأغلبية، بعدما حصل على 65 مقعدا. فجمع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والتجمع الوطني للأحرار يمنح هذه الأحزاب 228 مقعدا، أي أغلبية مريحة داخل مجلس النواب. لكن الأرقام وحدها لا تكفي لتحديد طبيعة الحكومة المقبلة، لأن كل حزب سيدخل المشاورات محملا ببرنامجه ومطالبه وحساباته السياسية. كما أن توزيع الحقائب الوزارية سيكشف حجم التوافق الحقيقي بين مكونات الأغلبية المنتظرة. ولذلك فإن معركة تشكيل الحكومة ستكون، في جانب منها، معركة حول البرنامج والمسؤولية السياسية، وليس فقط حول عدد المقاعد.
ويظل التجمع الوطني للأحرار أحد أكثر الأسماء حساسية في هذه المشاورات، باعتباره الحزب الذي قاد الحكومة المنتهية ولايتها وحصل على 66 مقعدا في الانتخابات الجديدة. وإدخاله إلى الحكومة المقبلة سيمنح الأغلبية قوة عددية واضحة، لكنه سيعيد أيضا ملفات الولاية السابقة إلى واجهة النقاش السياسي. ومن بين هذه الملفات قضية استيراد المواشي والدعم العمومي وما رافقها من جدل سياسي وإعلامي تحت عنوان “الفراقشية” وتضارب المصالح. لذلك فإن عودة الأحرار لن تكون مجرد قرار تقني لتأمين الأغلبية، ولكنها ستطرح سؤال الاستمرارية وما إذا كانت الحكومة الجديدة ستواصل النهج السابق أم ستقدم نفسها باعتبارها مرحلة مختلفة. وسيكون على مكونات الأغلبية، في الحالتين، تحمل المسؤولية السياسية والكلفة عن الخيارات التي ستتخذها.
أما حزب العدالة والتنمية، فقد حسم موقعه بالاصطفاف في المعارضة، مستفيدا من 54 مقعدا داخل مجلس النواب. ويضع هذا القرار الحزب أمام مسؤولية إعادة بناء حضوره البرلماني من خلال مراقبة الحكومة ومساءلتها حول برامجها وقراراتها. كما يفتح الباب أمام إمكانية تشكل معارضة متعددة المكونات، يمكن أن تتقاطع مواقفها حول عدد من الملفات الاجتماعية والاقتصادية.
وستكون فعالية هذه المعارضة مرتبطة بقدرتها على الانتقال من الاعتراض إلى تقديم البدائل والمقترحات داخل المؤسسة التشريعية. وفي المقابل، ستواجه الحكومة المقبلة اختبار التعامل مع معارضة قد تجعل الرقابة البرلمانية أكثر حضورا في الحياة السياسية.
ومن السيناريوهات التي تحمل حمولة سياسية خاصة إمكانية جمع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية في أغلبية واحدة. فهذه التركيبة توفر، وفق الحسابات البرلمانية، 207 مقاعد، أي أكثر من الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة. كما تستحضر بشكل غير مباشر تجربة الكتلة الديمقراطية التي جمعت تاريخيا الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية. غير أن استحضار تلك التجربة لا يعني إمكانية إعادة إنتاجها كما كانت، لأن الخريطة السياسية تغيرت وتغيرت معها مواقع الأحزاب وعلاقاتها. ولذلك يبقى نجاح أي صيغة رهينا بقدرتها على إنتاج برنامج حكومي مشترك، وليس بمجرد قدرتها على جمع المقاعد.
وستدخل الحكومة الجديدة إلى السلطة في ظل ملفات اجتماعية واقتصادية ثقيلة، يتقدمها التشغيل وارتفاع كلفة المعيشة والهجرة والصحة والتعليم والاستثمار. وهذه الملفات تجعل توسيع الأغلبية احتمالا واردا، بالنظر إلى الحاجة إلى قاعدة برلمانية وسياسية واسعة لتمرير البرامج والقوانين. غير أن توسيع الحكومة قد يطرح في المقابل مشكلة توزيع المسؤوليات وتحديد الجهة التي تتحمل مسؤولية القرار والنتائج. فالمواطن لا يهمه فقط عدد الأحزاب الموجودة في الحكومة، بل يريد معرفة من وعد ومن نفذ ومن أخفق. ولذلك ستكون قدرة الحكومة على تقديم نتائج ملموسة المعيار الأهم في تقييم أدائها خلال المرحلة المقبلة.
والأهم من كل الحسابات الانتخابية والحزبية هو سؤال الثقة الذي أفرزته انتخابات 23 شتنبر. فإعادة ترتيب المقاعد داخل البرلمان لا تعني بالضرورة إعادة بناء الثقة بين المواطن والأحزاب والمؤسسات المنتخبة. وتحتاج هذه الثقة إلى سياسات ملموسة في الشغل والقدرة الشرائية والخدمات العمومية، وإلى ربط المسؤولية بالنتائج. كما تحتاج المعارضة بدورها إلى ممارسة دورها الرقابي بشكل واضح حتى يصبح البرلمان فضاء فعليا للمساءلة والتنافس حول البرامج. وفي النهاية، ستبقى الحكومة المقبلة مطالبة بالإجابة عن سؤال أكبر من تشكيل الأغلبية: ماذا ستقدم للمغاربة الذين منحوا أصواتهم للأحزاب، وماذا ستفعل لإقناع الذين اختاروا عدم المشاركة؟

