-محمد إكن*
يعد تولي امرأة لمنصب رئاسة الحكومة في المغرب للمرة الأولى حدثا تاريخيا يتجاوز حدود التعيين السياسي الإداري البحت، ليلامس جوهر التحولات الفلسفية الكبرى المرتبطة بمفهوم العدالة، والمواطنة، والاعتراف. إنه يعلن عن قطيعة رمزية مع مخيال جمعي طالما حصر الفضاء العمومي في نطاق ذكوري، ليطرح تساؤلات عميقة حول القيمة المضافة لهذا الإنجاز على مستويات البناء الديمقراطي، وهندسة الدولة الحديثة، وإعادة تشكيل الوعي المجتمعي.
استنادا إلى أدبيات الفيلسوف المعاصر أكسيل هونيث (Axel Honneth) حول نضال الاعتراف، فإن بناء مجتمع عادل لا يتوقف فقط على الحقوق القانونية والمادية، بل يمتد إلى الاعتراف المعنوي بالكرامة والكفاءة. وفي هذا السياق، يكرس هذا التعيين مبدأ المساواة في الأهلية السياسية، مسقطا الصور النمطية التي طالما همشت النساء في الأدوار التقليدية أو الرعاية الخاصة، ليشكل خطوة نوعية نحو إنصاف التاريخ النسائي المغربي الذي راكم نضالات طويلة في حقول المعرفة، والسياسة، والنضال الحقوقي.
من هنا يمكن القول، إنه لا يمكن الحديث عن ديمقراطية حقة ومجتمع تسوده الحداثة السياسية في غياب تمكين حقيقي يمكن النصف الأخر للمجتمع من صناعة القرار. وهنا تكمن القيمة الفلسفية للقرار في علاقته بالعدالة التوزيعية وتفكيك ما يعرف بالسقف الزجاجي الذي يمنع النساء من بلوغ مراكز القرار العليا، معلنا أن الكفاءة والمسؤولية لا جنس لهما. فضلا عن ذلك، فإن حضور المرأة على رأس السلطة التنفيذية يعيد توجيه السياسات العمومية نحو قضايا الحماية الاجتماعية، التعليم، والصحة برؤية تنبني على القرب والإدماج المستدام.
يثير هذا الحدث صراعا وتفاعلا بين بنيات تقليدية محافظة ورغبة جامحة في التحديث. ففلسفيا، يمثل هذا التحول اختبارا لمدى قدرة المجتمع على تحديث مخياله السياسي وتغيير الأنطولوجيا الاجتماعية، بحيث تصبح المرأة فاعلا أساسيا في تدبير الشأن العام الأعلى، ويترسخ في الأذهان أن القيادة السياسية قدرة عقلية ومهارية وليست امتيازا جندريا. إضافة إلى ذلك، تشكل هذه الخطوة رافعة نفسية وتربوية عميقة للأجيال الصاعدة من الفتيات، إذ يرتفع سقف الأحلام والطموحات نحو بلوغ أعلى مراتب المسؤولية.
إن رئاسة امرأة للحكومة في المغرب لأول مرة ليست مجرد منجز بروتوكولي أو ظرفي، بل هي محطة مفصلية في مسار العقد الاجتماعي نحو مزيد من الديمقراطية والمساواة. إنها تبرهن أن التحديث السياسي لا ينفصل عن التحرر الثقافي والاجتماعي، وأن بناء مغرب الغد شأن مشترك يتأسس على تكافؤ الفرص والاعتراف الكامل بالمرأة كشريك أساسي في صناعة المصير التاريخي للوطن.
* أستاذ الثانوي الثأهيلي مادة الفلسفة.


