-اعزالة أكورزي-
ثلاثة أسابيع على انطلاق الموسم الدراسي، ولا تزال رحلة البحث عن الكتاب المدرسي مستمرة في عدد من المناطق، إذ تحولت بعض المكتبات إلى فضاءات تستقبل طلبات لا تجد طريقها إلى الرفوف. آباء وأمهات يقصدون المكتبات لاستكمال مقررات أبنائهم، فيعودون ببعض الكتب، فيما ينتظرون عناوين لم تتوفر بعد. وبينما يفترض أن تكون هذه المرحلة قد شهدت استقرارا في المقررات الدراسية، يكشف استمرار الخصاص عن اختلالات في سوق الكتاب المدرسي، يضع التلميذ والأسرة والمكتبي أمام أثار نقص لم يحسم بعد.
“ابني يدرس في المستوى الثالث ابتدائي، عندما حصلت على لائحة الكتب واللوازم المدرسية، توجهت إلى المكتبة لاقتناء ما يحتاجه، لكنني لم أعثر على كتاب اللغة العربية والرياضيات” بهذه العبارة استهلت أم تلميذ- تحفظت عن ذكر اسمها- حديثها في تصريح لجريدة ملفات تادلة 24 متحدثة عن الصعوبات التي واجهتها في العثور على بعض الكتب المدرسية الخاصة بابنها.
وبحسب روايتها، تمكنت الأم من اقتناء باقي المقررات واللوازم المدرسية المطلوبة، غير أنها اصطدمت بعدم توفر كتاب اللغة العربية والرياضيات، ما دفعها إلى البحث عنه في مكتبات أخرى. غير أن محاولاتها لم تكلل بالنجاح، إذ أخبرها أصحاب بعض المكتبات بأن أولوية الاستفادة من الكتب المتوفرة تمنح للزبائن الذين يقتنون باقي الكتب واللوازم من المكتبة نفسها، في ظل محدودية الكميات المتاحة.
وأضافت المتحدثة أنها عادت إلى المكتبة الأولى التي اقتنت منها باقي المقررات، بعدما أبلغها صاحبها بأن الكتاب سيكون متوفرا بعد بضعة أيام. وبعد انتظار دام لأسبوع، تمكنت في نهاية المطاف من الحصول على الكتاب، لتنتهي بذلك رحلة بحث استمرت لأيام.
وفي سياق استمرار الصعوبات المرتبطة بتوفير عدد من المقررات الدراسية، راسلت رابطة الكتبيين بالمغرب وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، بشأن الخصاص المسجل في بعض الكتب المدرسية بمختلف المستويات، مؤكدة أن معطيات ميدانية توصلت بها من مهنيي المكتبات بعدد من جهات المملكة أظهرت استمرار صعوبات التزود ببعض المقررات الدراسية.
وأشارت الرابطة في مراسلتها، إلى توصلها بمعطيات تفيد برصد بعض المقررات في الأسواق ونقاط بيع خارج القنوات المهنية المعتادة، مطالبة بالتحقق من صحة هذه المعطيات والوقوف على مسالك توزيع الكتب والكميات الموزعة والجهات المستفيدة منها. كما دعت إلى الكشف عن أسباب الخصاص وعدم كفاية الكميات المطبوعة والموزعة، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان توزيع منتظم وعادل للكتب المدرسية وتمكين الأسر والتلاميذ من الحصول عليها في أقرب الآجال.
وأكدت رابطة الكتبيين أن مراسلتها تأتي في إطار مساهمتها في معالجة الإشكالات الميدانية المرتبطة بسوق الكتاب المدرسي، وضمان السير العادي للدخول المدرسي، وحماية حق التلميذ والأسرة في الحصول على المقررات الدراسية، مشيرة إلى أنها تضع رهن إشارة الوزارة المعطيات المتوفرة لديها بشأن هذا الملف. ودعت الرابطة إلى إيلاء الوضع العناية اللازمة واتخاذ التدابير المناسبة للحد من الخصاص وتنظيم عملية توزيع الكتب المدرسية بشكل أكثر انتظاما وعدالة.
وتضمنت اللائحة المرفقة بالمراسلة مجموعة من الكتب قالت الرابطة إنها غير متوفرة، موزعة بحسب المستويات الدراسية. فعلى مستوى السنة الأولى ابتدائي، شملت اللائحة “كتاب الرياضيات – مدرسة الريادة”، و”فضاء الرياضيات”، و”اللغة العربية – مدرسة الريادة”، إضافة إلى «الفرنسية – مدرسة الريادة”.
أما السنة الثانية ابتدائي، فقد أوردت اللائحة “الرياضيات – مدرسة الريادة”، و”كتابي في اللغة العربية”، و”رحاب اللغة العربية”، و”الجيد في الرياضيات”، و”فضاء الرياضيات”، إلى جانب “اللغة العربية – مدرسة الريادة” و”الفرنسية – مدرسة الريادة”.
وبخصوص السنة الثالثة ابتدائي، فقد تضمنت القائمة “كتاب الرياضيات – مدرسة الريادة”، و”اللغة العربية – مدرسة الريادة”، و”المفيد في اللغة العربية”، و”الواضح في النشاط العلمي”، و”فضاء الرياضيات”، إضافة إلى “الفرنسية – مدرسة الريادة”.
وفي السنة الرابعة ابتدائي، أشارت اللائحة إلى عدم توفر “كتاب الرياضيات – مدرسة الريادة”، و”في رحاب الاجتماعيات”، و”المنير في التربية الإسلامية”، و”المنير في اللغة العربية”، و”المعتمد في التربية الفنية”، إلى جانب “الفرنسية – مدرسة الريادة”.
كما سجلت القائمة بالنسبة إلى السنة الخامسة ابتدائي غياب “كتاب الرياضيات – مدرسة الريادة”، و”المنير في اللغة العربية”، و”مرشدي في اللغة العربية”، و”الجديد في الاجتماعيات”، و”منار في التربية الإسلامية”، و”الجديد في التربية الفنية”، بالإضافة إلى “الفرنسية – مدرسة الريادة”.
أما السنة السادسة ابتدائي، فقد شملت اللائحة “كتاب الرياضيات – مدرسة الريادة”، و”الجديد في الرياضيات”، و”الجيد في الرياضيات”، و”الجديد في الاجتماعيات”، و”في رحاب التربية الإسلامية”، و”مسار في الاجتماعيات”، و”رحاب اللغة العربية”، إلى جانب “Mes apprentissages en français 6″ و”المعتمد في التربية الفنية” و”الفرنسية 6 – مدارس الريادة”.
وامتدت قائمة الكتب التي قالت الرابطة إنها تعرف خصاصا إلى مستويات التعليم الإعدادي والتأهيلي، إذ شملت عددا من المقررات المرتبطة ب”مدرسة الريادة” و”Univaire Plus” و”Parcours en français» “Gateway، بالإضافة إلى كتب أخرى في اللغة العربية والاجتماعيات والتربية الإسلامية والتاريخ والجغرافيا والفلسفة.
وأكدت رابطة الكتبيين، في ختام مراسلتها، أن هذه الخطوة تأتي في إطار مساهمتها في رصد ومعالجة الإشكالات الميدانية المرتبطة بالكتاب المدرسي، والمساهمة في ضمان السير العادي للدخول المدرسي، وصون حق التلميذ والأسرة، وتنظيم سوق الكتاب المدرسي.
وطالبت الرابطة الوزارة بإيلاء المعطيات التي وضعتها رهن إشارتها ما يلزم من اهتمام، واتخاذ الإجراءات المناسبة لمعالجة الوضع، موضحة أن اللائحة المرفقة أُعدت استنادا إلى معطيات ميدانية توصلت بها من مهنيي القطاع بمختلف مناطق المملكة
وفي تصريح اخر، أرجع صاحب مكتبة النقص المسجل في عدد من الكتب المدرسية إلى ثلاثة عوامل أساسية، تتمثل في سوء توزيع الكتب بين جهات المملكة، وانتشار البيع العشوائي، ثم تعدد المقررات الدراسية المعتمدة من طرف المؤسسات التعليمية، خصوصا في قطاع التعليم الخصوصي. موضحا أن هذه العوامل تتداخل فيما بينها وتنعكس بشكل مباشر على قدرة المكتبات على توفير الكتب المطلوبة في الوقت المناسب، خاصة خلال الأسابيع الأولى من الموسم الدراسي، حين يرتفع الطلب بشكل كبير على مختلف المقررات واللوازم المدرسية.
وأوضح المتحدث أن الإشكال يبدأ من عملية توزيع الكتب، التي تنطلق، بحسب تصريحه، من الدار البيضاء، قبل أن تتجه نحو مختلف الجهات، غير أن الكميات التي تصل إلى هذه المناطق غير متساوية و غير كافية لتغطية حاجيات التلاميذ. وأشار إلى أن بعض المناطق تستقبل كميات كبيرة من الكتب، في حين لا تحصل مناطق أخرى على الكميات المطلوبة، ما يؤدي إلى وجود فائض مقابل خصاص في مناطق أخرى.
وانتقل صاحب المكتبة إلى الحديث عن البيع العشوائي، معتبرا أنه يشكل عاملا آخر يؤثر في توازن سوق الكتب واللوازم المدرسية. وأوضح أن بعض الكتب والدفاتر والأدوات يتم بيعها خارج القنوات المعتادة للمكتبات، مشيرا إلى أن هذا النوع من البيع لا يخضع، بحسب تصريحه، للضرائب والالتزامات نفسها التي تتحملها المكتبات التي تشتغل في إطار نشاط تجاري منظم. واعتبر أن اختلاف طبيعة التكاليف والالتزامات بين الطرفين ينعكس على طريقة تحديد الأسعار وعلى القدرة على المنافسة داخل السوق.
وأشار المتحدث إلى أن الدفاتر وبعض اللوازم المدرسية التي يتم تداولها عبر البيع العشوائي، تكون أقل جودة، بحسب قوله، مقارنة بالمنتجات التي توفرها المكتبات، رغم أن الفارق في السعر قد لا يتجاوز نصف درهم أو درهما واحدا في بعض الحالات. وأوضح أن الزبون قد يجد نفسه أمام منتج أقل جودة بفارق محدود في الثمن، وهو ما يجعل المنافسة، من وجهة نظره، مرتبطة بعوامل تتجاوز السعر وحده، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمكتبات تتحمل تكاليف المحلات والعمال والالتزامات المرتبطة بممارسة النشاط التجاري.
ولفت صاحب المكتبة إلى أن البيع العشوائي لا يطرح فقط إشكال المنافسة في الأسعار، وإنما يرتبط أيضا بطريقة تدبير المخزون. وأوضح أن البائعين الذين يتوفرون على كميات من الكتب أو الدفاتر غير المباعة خلال الموسم الدراسي يستطيعون الاحتفاظ بها إلى الموسم الموالي وإعادة عرضها للبيع، ما يسمح لهم، بحسب تصريحه، بتصريف المخزون على مدى أكثر من موسم دراسي. وأضاف أن بقاء الكتب في المخزون لا يعني بالضرورة خسارة مباشرة، إذ يمكن إعادة تسويقها لاحقا، وهو ما يختلف عن طبيعة تدبير المكتبات التي ترتبط بطلبيات ومصاريف وتكاليف محددة.
وأوضح المتحدث أن محدودية هامش الربح التي لا تتعدى 12 في المئة في بالنسبة للمقررات الدراسية الاعتيادية و 6 في المئة لكتب مدارس الريادة ، مشيرا إلى أن هامش الربح في بعض المقررات قد لا يتجاوز درهما أو درهمين، وقد يكون أقل من ذلك. وأكد أن هذا الهامش المحدود يجعل بيع كتاب واحد بشكل منفرد أقل جدوى بالنسبة للمكتبي، خصوصا عندما يكون الزبون قد اقتنى باقي اللوازم من جهة أخرى ثم يأتي إلى المكتبة فقط بحثا عن كتاب معين لم يتمكن من العثور عليه.
وأضاف صاحب المكتبة أن هذه الوضعية تدفع المكتبي، عندما يتوصل بكمية محدودة من الكتب، إلى إعطاء الأولوية للزبائن الذين اقتنوا منه مسبقا باقي اللوازم المدرسية، من دفاتر وأدوات وكتب أخرى. وأوضح أنه عندما تصل دفعة جديدة من الكتب، يتم توجيه جزء منها إلى هؤلاء الزبائن الذين سبق لهم التعامل مع المكتبة، في حين لا تكون الأولوية نفسها متاحة لمن يأتي فقط لاقتناء كتاب واحد، خاصة عندما يكون المخزون محدودا.
وربط المتحدث العامل الثالث بتعدد المقررات الدراسية واختلاف الكتب المعتمدة بين المؤسسات التعليمية، خصوصا في التعليم الخصوصي. موضحا أن كل مؤسسة قد تعتمد مقررا أو سلسلة كتب تختلف عن تلك المعتمدة في مؤسسة أخرى، ما يجعل المكتبي مطالبا بتوفير عدد كبير من العناوين المختلفة خلال الفترة نفسها. وأضاف أن هذه الوضعية تصعب عملية توقع حجم الطلب، لأن المكتبي لا يتوفر مسبقا، بحسب تصريحه، على معطيات دقيقة حول عدد التلاميذ المتمدرسين في كل مؤسسة.
وكانت رابطة الكتبيين بالمغرب قد دقت في بلاغ لها بتاريخ 15 شتنبر الجاري، ناقوس الخطر بشأن استمرار الخصاص في عدد من المقررات الدراسية، معبرة عن استيائها من الوضع، ومطالبة الجهات المعنية بالتدخل العاجل للكشف عن أسباب هذا النقص واتخاذ التدابير اللازمة لمعالجته، إلى جانب ضمان تزويد المكتبات بالمقررات بشكل منتظم وعادل.
غير أن مرور نحو ثلاثة أسابيع على انطلاق الموسم الدراسي يظهر أن الإشكال لم يحسم بعد، إذ لا تزال بعض الأسر تجد نفسها مضطرة إلى التنقل بين المكتبات بحثا عن مقررات غير متوفرة، فيما يواصل المهنيون تسجيل صعوبات في تلبية الطلب على عدد من العناوين. وبينما كان ينتظر أن تستقر عملية توفير الكتب مع بداية الموسم الدراسي، تكشف هذه الصعوبات أن الخصاص الذي نبهت إليه رابطة الكتبيين منذ منتصف شتنبر لا يزال حاضرا مستمرا، ليبقى وصول الكتاب المدرسي إلى التلميذ في الوقت المناسب رهينا بمعالجة الإشكالات التي يطرحها سوق الكتاب.

