انتحار المسنين –  قراءة دوركهايمية للعمل الاجتماعي

-أسامة البحري*

بالعودة إلى مقالة “انتحار المسنين – قراءة دوركهايمية” المنشورة سنة  في International Journal of Ageing and Later Life، يقترح الباحثان Stephen M. Marson وRasby Marlene Powell أجرأة الإطار السوسيولوجي الذي وضعه إميل دوركايم في دراسة الانتحار لدى المسنين في الممارسة المهنية للعمل الاجتماعي، وتتمثل الإضافة الأساسية للدراسة في نقل الانتباه من التركيز الحصري على العوامل النفسية داخل الفرد إلى الضغوط البيئية والاجتماعية التي يمكن أن تكون سببا في المعاناة النفسية، مستندة في أمثلتها التطبيقية إلى حالات تعامل معها أحد الباحثين بصفته ممارسا للعمل الاجتماعي في مؤسسات رعاية المسنين. ومن هنا تطرح الدراسة سؤالا أساسيا: هل يكفي البحث عن العوامل النفسية للفرد لفهم الظاهرة، أم أن جزءا من تفسيرها يوجد في طبيعة علاقته بالمجتمع والبيئة التي يعيش فيها؟

1- التشخيص: من الفرد إلى البنية الاجتماعية للانتحار:

ينطلق Marson وPowell في دراستهما من تصور دوركايمي يقوم على بعدين أساسيين للحياة الاجتماعية: الاندماج الاجتماعي والتنظيم الاجتماعي، ومن خلالهما يميز دوركايم بين أربعة أنماط للانتحار: الانتحار الأنومي عندما يكون التنظيم منخفضا، والانتحار القدري عندما يصبح التنظيم مفرطا، والانتحار الأناني عندما يكون الاندماج ضعيفا، والانتحار الإيثاري عندما يصبح الاندماج مفرطا. ويحول الباحثان هذه الثنائية إلى نموذج عملي للممارسين.

في الانتحار الأنومي، يرتبط الخطر بانهيار التنظيم وفقدان القواعد والأدوار التي كانت تمنح الحياة اليومية انتظامها، ويقدم الباحثان مثال السيدة Jones، البالغة 69 سنة، التي كانت تعمل محاسبة وتعيش حياة منظمة تقوم على العمل والروتين والأدوار الاجتماعية. ومع التقاعد، اختفى جزء أساسي من هذا التنظيم، فأصبحت تواجه فراغا في الوقت والدور والمعنى، وهنا لا تتمثل المشكلة في التقاعد بوصفه حدثا فرديا فقط، بل في فقدان البنية الاجتماعية التي كانت تنظم حياتها.

أما الانتحار القدري، فيظهر عندما يصبح التنظيم مفرطا إلى درجة تضيق معها مساحة الاستقلال والتحكم في الحياة، ويظهر ذلك في حالة أخرى لسيدة، بعد تشخيصها بصورة خاطئة بالخرف، ثم نقلها إلى مؤسسة للرعاية اتسمت، وفقا للحالة التي يعرضها الباحثان، بمنطق ربحي وبقيود كبيرة على استقلاليتها، فبدأت بالانسحاب من الحياة الإجتماعية، ورفض الطعام إلى أن توفيت، ويقرأ الباحثان هذه الحالة باعتبارها صورة للانتحار القدري، حيث لا يعود الخطر ناتجا عن غياب التنظيم، وإنما عن الإفراط فيه وفقدان السيطرة الذاتية.

وفي الانتحار الأناني، يرتبط الخطر بضعف الاندماج والعلاقات الاجتماعية، وتعرض الدراسة حالة السيدة Blumenstein، التي عانت من ضعف في السمع، الأمر الذي جعل محيطها يفسر بعض سلوكياتها باعتبارها علامات على الخرف والجنون، فبدأ الآخرون في تجنبها اجتماعيا، رغم أنها كانت محاطة بالأفراد، مما أدى إلى انتحارها، وهكذا يمكن أن تتحول الإعاقة والعمر وسوء الفهم الاجتماعي الأصدقاء إلى آليات تنتج العزلة وتضعف الاندماج.

أما الانتحار الإيثاري، فيرتبط بارتفاع الاندماج إلى درجة تجعل الفرد يضع مصلحة الجماعة أو الأسرة فوق وجوده الشخصي. ومن أمثلته التي يناقشها الباحثان المسن الذي يعاني مرضا خطيرا ويبدأ في الاعتقاد بأن موته سيحمي أسرته من الأعباء الاقتصادية أو الموارد التي تستنزفها رعايته. وهنا لا يكون الخطر نتيجة العزلة، بل نتيجة اندماج شديد يجعل الفرد يرى التضحية بنفسه باعتبارها خدمة للآخرين.

2- من التفسير الدوركايمي إلى التدخل في العمل الاجتماعي

تنتقد الدراسة النزعة إلى تفسير انتحار المسنين انطلاقا من العوامل النفسية وحدها، ولا سيما الاكتئاب، باعتباره المدخل الأساسي لفهم السلوك، وتعرض الدراسة أنه في بعض مراجع علم الشيخوخة، ومن بينها تصنيف McInnis-Dittrich (2009)، يتم التمييز بين عدة أنماط من الاكتئاب لدى المسنين، من بينها الاكتئاب التفاعلي، والاكتئاب السريري، والاكتئاب الداخلي، والاكتئاب الانكماشي، وتكشف هذه التصنيفات عن أهمية البعد النفسي في فهم معاناة المسن، لكنها، وفق الدراسة، لا تستنفد تفسير الظاهرة، وذلك لأن تحديد نوع الاكتئاب أو إثبات وجود أعراض نفسية لا يجيب بالضرورة عن السؤال المتعلق بالظروف الاجتماعية والبنيوية التي ساهمت في إنتاج هذه المعاناة.

وتبين الدراسة إلى أن الاعتماد على المقاييس النفسية المختلفة، ومنها ما يصل إلى 94 مقياسا للاكتئاب، يسمح بتحديد المشاعر والانفعالات والأعراض التي يعيشها الفرد، ويؤكد أن الشخص يعاني بالفعل من حالة نفسية مؤلمة، غير أن المشكلة تكمن في أن هذه المقاييس تظل موجهة أساسا نحو قياس حالة الفرد الداخلية، ولا تمنح الممارس الاجتماعي، بالقدر نفسه، أدوات كافية لفهم البيئة الاجتماعية المحيطة به أو لتحديد التدخلات البيئية والبنيوية الضرورية لمعالجة أسباب المعاناة، وبهذا تميز الدراسة بين القدرة على قياس المعاناة وبين القدرة على تفسير الشروط الاجتماعية التي تنتجها والتدخل فيها، مما يتطلب من الممارس المهني أن يتمكن من قدر كاف من التنبه المنهجي السوسيولوجي، حتى يستطيع فهم الأبعاد الإجتماعية التي تؤدي إلى الإنتحار.

وتذهب الدراسة أبعد من ذلك عندما تعتبر أن بعض التغيرات النفسية والعاطفية التي تظهر لدى المسنين يمكن أن تكون مرتبطة بتغيرات جذرية بنيوية وبيئية لحياتهم، فالمسن لا يعيش حالته النفسية في فراغ اجتماعي؛ بل قد يواجه في مرحلة الشيخوخة سلسلة من التحولات التي تغير موقعه داخل الأسرة والمجتمع: التقاعد، فقدان الدور المهني، الترمل، وفاة الأصدقاء، الانتقال إلى مؤسسة للرعاية، فقدان الاستقلالية، الاعتماد المتزايد على الآخرين، أو تغير الروتين اليومي الذي ظل ينظم حياته لسنوات طويلة، ومن ثم فإن ظهور الحزن أو اليأس أو الانسحاب الاجتماعي لا ينبغي أن يتم قراءته دائما باعتباره ظاهرة نفسية مستقلة عن السياق، وإنما ينبغي وضع الجزء في الكل، وهنا تكمن قوة سوسيولوجيا العمل الاجتماعي كما يعرفها إيان ف شو، بحيث انها تعطي للأخصائي الإجتماعي تنبها سوسيولوجي-تدخلي، فعلم الاجتماع من بينه قواعده الدوركهايمية نجد تفسير الإجتماعي بما هو إجتماعي، وهذه القاعدة في التشخيص الاجتماعي تمكن الأخصائي الاجتماعي من وضع الحالة ضمن السبب الإجتماعي، وهي ما تجعل العامل الاجتماعي يتدخل اجتماعيا بما هو اجتماعي، مما يربط التدخل الاجتماعي كممارسة مهنية مع خلفيته المعرفية التي تتطابق مع موضوعه، وهو الوساطة بين الفرد وبيئته الاجتماعية.

وتوضح الدراسة أن الاقتصار على العلاج الفردي، بما في ذلك العلاج الدوائي، قد لا يعالج العوامل البنيوية التي تحيط بالمسن، فإذا كان سبب الأزمة مرتبطا بفقدان الروتين بعد التقاعد، فإن وصف مضاد للاكتئاب لا يعيد بالضرورة بناء تنظيم الحياة اليومية؛ وإذا كان المسن يعيش عزلة اجتماعية بسبب فقدان شبكة العلاقات، فإن علاج الأعراض النفسية وحده لا يعيد إنشاء تلك الشبكة؛ وإذا كان يعيش في مؤسسة شديدة التنظيم تسلبه استقلاليته، فإن التدخل الدوائي لا يغير طبيعة البيئة التي تفرض عليه ذلك التنظيم، ولذلك ترى الدراسة أن نجاح التدخل يتطلب في بعض الحالات تعديل البيئة الاجتماعية نفسها، وليس الاكتفاء بمحاولة تعديل الحالة النفسية للفرد.

ومن هنا لا تقدم الدراسة المقاربة الاجتماعية باعتبارها بديلا يلغي المقاربة النفسية، وإنما باعتبارها مكملا ضروريا لها، فالمعاناة النفسية حقيقة لا يمكن تجاهلها، لكنها ليست بالضرورة نقطة النهاية في عملية التشخيص، بل فقط مرشر على التشخيص الإجتماعي، ويصبح السؤال بالنسبة إلى الممارس الاجتماعي أوسع من تحديد ما إذا كان المسن مكتئبا أم لا؛ إذ ينبغي أن يمتد إلى البحث في طبيعة علاقاته الاجتماعية، ومستوى اندماجه داخل الأسرة والمجتمع، ومدى وجود أدوار اجتماعية ذات معنى في حياته، وطبيعة القواعد التي تنظم يومه، وحجم التغير الذي طرأ على هذه القواعد، ومدى شعوره بالاستقلالية أو الاعتمادية، وهذا ما يتطلب تشخيصا سوسيولوجيا عميقا.

وختاما، تكتسب الدراسة أهميتها الابستمولوجية بالنسبة للعمل الاجتماعي: فإذا كانت مهمته هي التدخل “إجتماعيا”، فإن الاجتماعي نفسه يحتاج إلى أساس معرفي يحدد موضوعه وحدوده وكيفية فهمه. ومن بين العلوم التي جعلت الاجتماعي موضوعا للدراسة العلمية علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، إذ يسمحان للمتدخل بتحديد دائرة التفكير التي من خلالها يشخص المشكلة اجتماعيا. فحين يتدخل العامل الاجتماعي من خلال مقاربات نفسية فقط، قد يبقى داخل دائرة تفسير الفرد في علاقته بنفسه، أما حين يستند إلى منظور سوسيولوجي، فإنه يربط الفرد بالبنية الاجتماعية والعلاقات والمؤسسات والأدوار والبيئة التي يعيش فيها.

وتصل الدراسة في هذا السياق إلى فكرة مهنية أساسية: يحتاج المسن إلى قدر من الاستقرار والروتين والأمان، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى الاستقلالية والقدرة على التحكم في حياته. ولذلك فإن التدخل الاجتماعي الفعال لا يتمثل فقط في حماية المسن، وإنما في بناء بيئة تحقق التوازن بين الأمن والاستقلال، وبين الاندماج والخصوصية، وبين التنظيم والقدرة على الاختيار.

*طالب باحث بماستر العمل الاجتماعي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال

 

 

 




شاهد أيضا

شاهد أيضا