العالم القروي قبل الانتخابات.. مطالب بالعدالة المجالية وتنمية منتجة تتجاوز منطق الوعود والمشاريع الظرفية

-ملفات تادلة 24-

مع اقتراب الانتخابات التشريعية، يعود العالم القروي والمجال الجبلي إلى صدارة النقاش حول العدالة المجالية وتكافؤ الفرص، في ظل استمرار إكراهات ترتبط بفك العزلة والولوج إلى الصحة والتعليم والنقل والماء والإنترنت، مقابل مؤهلات فلاحية وطبيعية وبشرية لا تزال دون تثمين كاف. وفي هذا السياق، يقدم محمد، فاعل جمعوي من أيت عباس، وورباط محمد، فاعل مدني بأزيلال، قراءتين متقاطعتين لواقع هذه المجالات وانتظارات سكانها من الانتخابات المقبلة، مع التشديد على ضرورة تجاوز منطق الوعود والمشاريع الظرفية نحو سياسات تنموية منتجة، وبرامج انتخابية واضحة وقابلة للتتبع والمساءلة، تضع خلق فرص الشغل، تقوية الاقتصاد المحلي، تحسين الخدمات الأساسية، وتفعيل الجهوية المتقدمة في صلب معالجة الفوارق بين المركز والهامش.

وفي هذا السياق، اعتبر محمد بوزيد، فاعل جمعوي من منطقة أيت عباس بإقليم أزيلال، في حديثه مع “ملفات تادلة”، أن فك العزلة وتحسين البنية التحتية، خصوصا الطرق والمسالك القروية، ينبغي أن يتصدرا أولويات المنتخبين المقبلين، مؤكدا أن الطريق لا تمثل مجرد وسيلة للتنقل، بل تشكل مدخلا أساسيا إلى المدرسة والمستوصف والأسواق والإدارات، فضلا عن دورها في تسويق المنتجات الفلاحية وتيسير تنقل السكان.

وأوضح المتحدث أن معاناة سكان المناطق الجبلية تتضاعف خلال فصل الشتاء، عندما تصبح بعض المسالك صعبة أو شبه مستحيلة، داعيا إلى مقاربة متكاملة لا تفصل بين ملف الطرق وباقي الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الماء والصحة والتعليم.

وشدد الفاعل الجمعوي على أن المواطن القروي لا يحتاج إلى مشروع معزول، وإنما إلى الحد الأدنى من شروط العيش الكريم، مطالبا المنتخبين المقبلين بتقديم برامج واقعية تتضمن أولويات واضحة وآجالا محددة ومصادر تمويل معروفة، حتى يتمكن المواطن من معرفة المشروع والجهة المسؤولة عن إنجازه ومدى الالتزام بتنفيذه.

وفي حديثه عن واقع الخدمات الأساسية، أشار محمد إلى أن صعوبة الولوج إلى الصحة والتعليم والنقل والماء والإنترنت تؤثر بشكل مباشر في الحياة اليومية للسكان، ولا سيما النساء والأطفال وكبار السن.

وأوضح أن بعد المؤسسات التعليمية عن الدواوير وصعوبة النقل وضعف الطرق قد يعرقل تمدرس الأطفال، خصوصا الفتيات في المناطق الجبلية، فيما يؤدي بعد المراكز الصحية إلى تأخير طلب العلاج، بسبب المسافة والتكاليف المرتبطة بالتنقل.

كما اعتبر أن الإنترنت أصبح خدمة أساسية في العالم القروي، بالنظر إلى ارتباطه بالتعليم والتكوين والبحث عن فرص الشغل، داعيا إلى تحسين التغطية الرقمية باعتبارها جزء من تقليص الفوارق بين المجالين الحضري والقروي.

وأكد أن تحقيق العدالة المجالية يقتضي، في نظره، توفير مدارس قريبة ومجهزة، ومراكز صحية فعالة، ونقل مدرسي منتظم، وماء صالح للشرب، وتغطية جيدة بالاتصالات والإنترنت، وطرق قابلة للاستعمال على مدار السنة، مع إشراك السكان والفعاليات المحلية في تحديد الأولويات التنموية.

وبخصوص الجانب الاقتصادي، يرى الفاعل الجمعوي أن المناطق القروية والجبلية لا تعاني من نقص في المؤهلات، بل تتوفر على إمكانات مهمة في الفلاحة وتربية الماشية والمنتجات المحلية والغابات والسياحة الجبلية، غير أن هذه الموارد لا تنعكس بالقدر الكافي على فرص الشغل والدخل.

وقال المتحدث إن ضعف الوصول إلى الأسواق، ومحدودية التمويل والتكوين والتجهيزات، وصعوبات التسويق، كلها عوامل تحول دون تثمين هذه الإمكانات، داعيا إلى الانتقال من منطق المساعدات الظرفية إلى مشاريع مستدامة ومدرة للدخل. ومن بين المقترحات التي طرحها دعم التعاونيات الجادة، وتثمين المنتجات المحلية، وإحداث وحدات صغيرة للتخزين والتحويل، وتحسين المسالك الرابطة بين مناطق الإنتاج والأسواق، إلى جانب تشجيع السياحة القروية والجبلية حيث تتوفر المؤهلات.

كما شدد على ضرورة وضع الشباب في صلب هذه السياسات، معتبرا أن الكثير منهم لا يرغب بالضرورة في مغادرة قراهم، وإنما يبحث عن فرص حقيقية للعمل والعيش بكرامة داخل مناطقهم الأصلية.

ومع اقتراب الانتخابات، دعا محمد بوزيد إلى تجاوز منطق الوعود العامة، مؤكدا أن المواطن القروي أصبح أكثر اهتماما بما يتحقق على أرض الواقع من الخطابات الانتخابية. وقال إن المنتخبين لا يمكنهم حل جميع الإشكالات، بالنظر إلى تعدد المتدخلين وتوزيع الاختصاصات بين الجماعات والدولة والمؤسسات العمومية، لكنه شدد في المقابل على ضرورة أن يكون المنتخب واضحاً مع المواطنين بشأن ما يستطيع إنجازه، وأن يدافع عن قضايا المنطقة لدى الجهات المختصة.

كما طالب ببرامج انتخابية محددة الأولويات، مرتبطة بآجال ومصادر تمويل وآليات للتتبع، إلى جانب تكريس التواصل مع السكان طوال فترة الانتداب، وعدم حصر العلاقة بالمواطن في فترة الحملات الانتخابية.

وخلص الفاعل الجمعوي إلى أن الرسالة الأساسية لسكان المناطق القروية والجبلية واضحة: «نريد أن نرى أثر التنمية في حياتنا اليومية، وأن تكون لنا نفس فرص الوصول إلى الخدمات والعمل والعيش الكريم مثل باقي المواطنين»، مؤكدا أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة هو تحويل الوعود الانتخابية إلى مشاريع ملموسة وقابلة للقياس على أرض الواقع.

من جانبه يطرح ورباط محمد، فاعل مدني بأزيلال، قراءة نقدية لوضعية العالم القروي، معتبرا أن معالجة اختلالاته تتطلب أولا تغيير النظرة المجتمعية والسياسات العمومية تجاه هذه المجالات، والانتقال من منطق التدبير القطاعي والظرفي إلى بناء اقتصاد محلي قادر على خلق الثروة وفرص الشغل.

ويرى المتحدث أن العالم القروي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجالا هامشيا، مؤكدا أنه يؤدي أدوارا أساسية في الاقتصاد الوطني، من خلال الفلاحة وتربية الماشية وإنتاج الحبوب والخضروات والمنتجات المحلية، فضلا عن مساهمة المرأة القروية في الإنتاج الأسري والمجتمعي.

وانتقد ما وصفه بـ “الهوبيتوس المجتمعي” الذي يكرس صورا نمطية وقدحية تجاه سكان الجبل والقرية، معتبرا أن هذه النظرة لا تعكس حقيقة الأدوار الاقتصادية والاجتماعية التي تضطلع بها الساكنة القروية.

وبخصوص الأولويات التنموية، يرفض الفاعل المدني اختزال النقاش في ترتيب كلاسيكي للملفات، من الماء إلى الكهرباء ثم الطرق، معتبرا أن جوهر المشكلة يكمن في غياب المشاريع الاقتصادية القادرة على توفير دخل مستقر للأسر.

وقال المتحدث إن توفير الخدمات الأساسية للأسر الفقيرة يظل ضرورياً، لكنه لا يعالج جذور الهشاشة إذا لم يرافقه خلق فرص حقيقية للعمل والإنتاج، داعيا إلى توجيه الاستثمارات نحو المناطق المهمشة بدل حصرها في المدن والأقطاب الاقتصادية الكبرى.

وفي تصوره، يمكن للمشاريع الاقتصادية أن تشكل مدخلا لمعالجة عدد من الإشكالات الأخرى، لأن النشاط الاقتصادي، بحسبه، يخلق الحاجة إلى الطرق والمواصلات والخدمات، ويساهم في فك العزلة بشكل أكثر استدامة.

ويربط محمد بين التنمية الاقتصادية وضرورة توفير منظومة متكاملة من التعليم والصحة والنقل والإنترنت، معتبرا أن غياب هذه الخدمات أو ضعف جودتها يعمق الفوارق الاجتماعية والمجالية ويحد من فرص سكان القرى في الاندماج الاقتصادي. ويشدد على أن التعليم الجيد يشكل مدخلا لتأهيل الشباب لسوق العمل، بينما تمثل الصحة شرطا أساسيا للحفاظ على القدرة على العمل والإنتاج، داعيا في الوقت ذاته إلى تعزيز الخدمات العمومية الصحية، خصوصا بالنسبة للأسر التي لا تستطيع تحمل تكاليف العلاج في القطاع الخاص. كما يلفت إلى أهمية الولوج إلى الإنترنت والنقل باعتبارهما اليوم من مقومات الاندماج في الاقتصاد والمجتمع، وليس مجرد خدمات تكميلية.

ويرى الفاعل المدني أن تنمية المناطق القروية يمكن أن تمر أيضا عبر إعادة بناء الاقتصاد الفلاحي المحلي، من خلال دعم الفلاحين للانتقال من الفلاحة المعيشية إلى أنشطة أكثر إنتاجية، وتقريب الخدمات الفلاحية منهم، وإنشاء التعاونيات ومراكز الأعلاف والأسمدة، والحد من تعدد الوسطاء وارتفاع كلفة المدخلات.

كما دعا إلى إعادة الاعتبار للمنتوج المحلي وتسويقه والترويج له إعلاميا، وتشجيع مشاريع اقتصادية مبنية على مؤهلات الشباب، إلى جانب تفعيل الجهوية المتقدمة ودعم سكان القرى في مجالات السكن والتعليم والصحة. وتعزيز الربط بين المناطق القروية والمراكز الاقتصادية الكبرى، من خلال تطوير شبكات النقل والطرق، بما يسمح للسكان بالوصول إلى الخدمات وفرص العمل دون الاضطرار إلى الهجرة النهائية من مناطقهم.

وبخصوص الانتخابات المقبلة، يوجه ورابط محمد انتقادات حادة إلى ما يعتبره نمطا متكررا في تدبير بعض المنتخبين للشأن المحلي، قائلا إن التنمية لا يمكن أن تختزل في “النوم طيلة الخمس سنوات ثم جرافة في السنة الأخيرة”، مشيرا إلى أن بعض المشاريع التي تقدم خلال نهاية الولاية الانتخابية، مثل فتح المسالك أو وضع مصابيح الإنارة، لا يمكن أن تشكل حصيلة تنموية كافية لمجالات ظلت لسنوات تطالب بفك العزلة وتحسين البنيات الأساسية.

ويعتبر أن استمرار بعض المناطق الجبلية في طرح مطلب فك العزلة في سنة 2026 يمثل مؤشرا على الحاجة إلى مراجعة عميقة للسياسات العمومية الموجهة إلى الجبل، منتقدا استمرار العلاقة التقليدية بين “المركز والهامش”، ودعا الفاعل المدني محمد ورباط إلى إعادة النظر في طريقة اختيار النخب المحلية، وتفعيل معايير أكثر صرامة للترشح وتحمل المسؤولية الانتخابية، إلى جانب تعزيز آليات المراقبة والمحاسبة وضمان توزيع أكثر عدلاً للمشاريع والاستثمارات.

كما شدد على ضرورة تفعيل الجهوية المتقدمة بما يسمح بإعادة توزيع أكثر إنصافا للموارد والإمكانات، والانتقال من مقاربة تعتبر المناطق القروية والجبلية مجرد مجالات مستفيدة من الدعم إلى اعتبارها شريكا أساسيا في إنتاج الثروة والتنمية الوطنية. فبالنسبة إليه، فإن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة لا يكمن في تقديم وعود انتخابية جديدة، وإنما في بناء نموذج تنموي يجعل من العالم القروي مجالا للإنتاج والاستقرار وخلق فرص الشغل، ويضع حدا للفجوة التاريخية بين المركز والهامش.

حسن لعكون ، فاعل مدني بأيت بوكماز، يرى أن المنتخب، وخاصة البرلماني، لا يملك بالضرورة صلاحية تنزيل المشاريع أو التحكم المباشر في الميزانيات المرتبطة بها، لكنه يتوفر على منصة للترافع من أجل قضايا الساكنة والدفاع عن مصالحها لدى المؤسسات المعنية.

واعتبر المتحدث في تصريح لملفات تادلة أن من أبرز الملفات التي ينبغي أن تكون في صلب هذا الترافع البنيات التحتية الأساسية، والطرق، وتغطية الهاتف النقال، والتشغيل، والصحة والتعليم، مؤكدا أن هذه المطالب لا تقتصر على منطقة بعينها، وإنما تكاد تكون مشتركة بين مختلف المناطق الجبلية.

ويشير لعكون إلى أن المناطق الجبلية ما تزال تواجه صعوبات متعددة، في مقدمتها ضعف الربط بالطرق والمسالك التي تمكن السكان من الوصول إلى الأسواق، خاصة خلال فصل الشتاء والظروف الجوية المضطربة. مضيفا أن غياب أو ضعف بعض التجهيزات الأساسية، إلى جانب محدودية تغطية شبكات الهاتف النقال في عدد من المناطق، أصبح يؤثر بشكل مباشر على استفادة المواطنين من مجموعة من الخدمات، خصوصا في ظل التحول المتزايد نحو الخدمات الرقمية.

ولا تقف الإشكالات، بحسب الفاعل المدني، عند حدود البنية التحتية، بل تمتد إلى قطاعي التعليم والصحة، اللذين يظل الولوج إليهما أكثر صعوبة بالنسبة لسكان المناطق الجبلية والنائي.، إذ يرى لعكون أن أيت بوكماز والمنطقة المحيطة بها تتوفران على مؤهلات طبيعية وفلاحية مهمة يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للاقتصاد المحلي، غير أن هذه المؤهلات لم تصل بعد إلى مستوى التثمين الذي يسمح بتحويلها إلى فرص اقتصادية مستدامة.

وشدد في هذا الصدد على أهمية توفير بنية رقمية قوية تمكن المنتجين المحليين من تسويق منتجاتهم عبر الإنترنت والوصول إلى أسواق أوسع، معتبرا أن الربط بالشبكة العنكبوتية أصبح اليوم جزء من البنية الاقتصادية الضرورية وليس مجرد خدمة تكميلية، منبها إلى ضعف حضور التعاونيات المنتجة للمنتجات المحلية، والحاجة إلى دعم المبادرات المحلية بالتمويل والمواكبة، فضلا عن توفير فضاءات للشباب، من قبيل دور الشباب وملاعب القرب، باعتبارها متنفسا يساعد على استثمار الطاقات الشبابية.

وطرح المتحدث كذلك فكرة إحداث وحدات أو مصانع لتثمين المنتجات المحلية، بما يسمح بخلق فرص شغل لفائدة أبناء المنطقة، عوض الاكتفاء بتسويق المواد الأولية دون الاستفادة الكاملة من قيمتها الاقتصادية.، موضحا أن الإشكال لا يكمن فقط في تقديم الوعود، وإنما في غياب دراسات حقيقية ودقيقة تسبق عددا من المشاريع، وهو ما قد يؤدي إلى تعثرها أو فشلها.

ويعتبر أن المشروع الذي يطالب به المواطن حق مشروع وليس منّة انتخابية، محذرا من تحويل المطالب الاجتماعية والتنموية إلى وسيلة لاستمالة أصوات الناخبين خلال الحملات الانتخابية. مؤكدا أن المواطن، وفق تعبيره، “كيتبع الإنسان اللي ممكن يترافع” عن قضاياه، وليس بالضرورة من يقدم وعودا مباشرة مقابل التصويت، في إشارة إلى أهمية الترافع المؤسساتي ودور المنتخب في إيصال مطالب الساكنة والدفاع عنها.

ويضع الفاعل المدني مسألة متابعة المنتخبين بعد الانتخابات ضمن أبرز الإشكالات التي تحتاج إلى معالجة، معتبرا أن العلاقة بين الناخب والمنتخب لا ينبغي أن تنتهي بمجرد انتهاء عملية الاقتراع وإعلان النتائج. ويرى أن المتابعة ينبغي أن تستمر طيلة الولاية الانتخابية الممتدة لخمس سنوات، من خلال تقييم ما تحقق من الالتزامات، ورصد مستوى الترافع عن القضايا المحلية، وطرح الأسئلة حول أسباب تعثر المشاريع أو عدم تنفيذها.

 




شاهد أيضا

شاهد أيضا