أجرى الحوار: محمد لغريب
-بداية كيف تقيمين الحضور السياسي لليسار بجهة بني ملال خنيفرة؟
يكتسب اليسار بالجهة وزنا انتخابيا مهما في الاستحقاقات التشريعية الحالية، وهو ما تؤكده لغة الأرقام؛ إذ احتل الحزب المرتبة السابعة خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2021، بحصوله على 9566 صوتا لفائدة وكيل اللائحة آنذاك، رشيد مشيش.
واليوم، ومع قيام تحالف اليسار بين حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، ينتظر أن تتعزز القاعدة الانتخابية لليسار بالجهة، وأن تكتسب وزنا إضافيا خلال الاستحقاقات الحالية.
-تخوضين الانتخابات التشريعية في سياق يتسم بتراجع ثقة المواطنين في الأحزاب السياسية، وعزوف شريحة واسعة من الشباب عن المشاركة السياسية، رغم كونهم الأكثر تأثرا بالبطالة والهجرة وغلاء المعيشة (النزوح الجماعي نحو سبتة المحتلة). ألا ترين أن خوض هذه الانتخابات في ظل هذه الظروف يمثل مغامرة سياسية؟
على العكس، الشباب يتفاعلون ويتغير حين يجدون القدوة، أي نموذجا يؤمنون به ويجدون فيه مصدرا للإلهام، وبالتالي عندما يلاحظون أن أحزاب تحالف اليسار قد تبنت شبابا مثلهم، درسوا في المدرسة العمومية وتخرجوا من الجامعة العمومية، وهم اليوم يشغلون مناصب مهمة في المجتمع ومرشحون للانتخابات التشريعية، فسيرون أنفسهم فيهم وسيحاولون السير على نهجهم.
لذلك فإن اختيار اليسار لمناضلين شباب من أصحاب الكفاءات الأكاديمية والسياسية لم يكن عبثا، إنما هو رسالة للشاب الذين أنهكهم اليأس، مفادها أنهم قادرون على أن يحذو حذوهم وأن يفرزهم كقيادات مسؤولة عن تغيير مصيره.
لقد حان وقت التغيير، والعزوف ليس موقفا، إنما هو تعبير عن اليأس. وفي هذا الصدد، أريد أن أوجه رسالة إلى كل الشباب الذين سيطلعون على هذا الحوار: إنتم المسؤولون عن فرز قيادات مسؤولة. فكما قال الطبيب النفسي المصري عصام الخواجة، إن المجتمعات المتخلفة تفرز قيادات متخلفة وجاهلة، وإن هذه القيادات تزيد المجتمع جهلا وتقضي على ما تبقى من المتعلمين، وهكذا تستمر دائرة التخلف.
رسالتي إذن لكل الشباب، انطلاقا مما قاله الطبيب النفسي في تشخيصه للتخلف: أرجوكم، لا تقضوا على ما تبقى من المتعلمين، لأن عزوفكم يزيد المجتمع جهلا وفسادا.
-أصبحت الأحزاب السياسية تراهن في اختيار مرشحيها على الأعيان والوجهاء والشخصيات النافذة وقدرتهم على جلب الأصوات، بدل الاعتماد على الكفاءة والنزاهة والالتزام الحزبي والقدرة على التشريع؟ هل يعكس ذلك أزمة الأحزاب السياسية في المغرب؟ وما الذي يميزكم في هذا الإطار كتحالف اليسار عن باقي الأحزاب الأخرى.
نعم، بالفعل، أغلبية الأحزاب اعتمدت على جميع معايير القوة والنفوذ والجاه، إلا معايير التكوين العلمي والكفاءة السياسية والأخلاق. وهذا سيزيد من هوة الفساد والتخلف، وبالتالي، كما قلت سابقا، هذا ما يميز تحالف اليسار، إذ إن أول معيار اعتمده في انتقاء مرشحيه هو الكفاءة الأكاديمية والسياسية وأخلاق المرشحين التي تتسم بالنزاهة والالتزام.
-كثيرا ما يؤخذ على قوى اليسار أنها لا تتحرك بالفاعلية المطلوبة إلا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، في حين أن دورها، بحكم مرجعيتها السياسية والفكرية، يفترض أن يتجاوز منطق الحملات الانتخابية الموسمية، وأن تكون حاضرة بشكل دائم إلى جانب المواطنين، من خلال التأطير السياسي والمجتمعي، والإنصات إلى قضاياهم، والدفاع عن مطالبهم والترافع عنها لدى المؤسسات. كيف تفسرين هذا الانتقاد؟ وهل تعكس محدودية الحضور الميداني والتنظيمي لليسار بين الاستحقاقات الانتخابية أزمة في التواصل والتأطير والارتباط بالمجتمع، أم أن الأمر يرتبط أيضا بضعف الإمكانات التنظيمية والسياسية وطبيعة المشهد الانتخابي الحالي؟
بالعكس تماما، لأن مناضلي اليسار يناضلون من مواقعهم، أي من مهنهم الخاصة، إذ أن جميع المحامين المنتمين للتحالف يرافعون في قضايا الرأي العام والاعتقال السياسي، وجميع أطر القطاعات الأخرى، من تعليم وصحة ووزارة العدل إلى غير ذلك من المهن الشريفة، تبذل قصارى جهدها من مواقعها في مؤازرة القضايا الاجتماعية عبر نضالها في النقابات. وبالتالي، لا يمكن القول إن قوى اليسار لا تواكب قضايا المجتمعخ، وإنها منفصلة عنه، ألم تولد هذه الأحزاب من رحم معاناة الشعب؟
-تخوضين غمار الانتخابات التشريعية لسنة 2026، ورفعتِ شعار “من أجل مستقبل أفضل لجهة بني ملال خنيفرة”. هل يعني هذا الشعار، في تقديرك، أن الجهة عانت خلال السنوات الماضية من اختلالات في التدبير وضعف في السياسات العمومية، سواء على مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية أو التشغيل والخدمات الأساسية؟ وما الذي يقدمه تحالف اليسار اليوم من بدائل وبرامج ملموسة لمعالجة هذه الاختلالات؟
طبعا، تعاني من الحيف. بحكم ممارستي لمهنة المحاماة لمدة مهمة، وممارستي للتعليم العالي الآن، فأنا رافقت مختلف فئات المجتمع، وأدركت أن المواطن في الجهة يعاني التهميش على المستوى الاقتصادي والاجتماعي. وبالتالي، يجب توفير -على الأقل- الحد الأدنى للعيش الكريم، لأنه لا تزال هناك نساء يلدن في البيوت دون مراقبة طبية، ولا يزال أولياء الأمور يشتكون من الهدر المدرسي بالبوادي، لأن المدارس لا تغطي جميع الدواوير. ألم يشتك الطلبة كذلك من ضعف وسائل النقل التي تربط بيوتهم بالجبل أو بالبوادي بالجامعة؟ مجموعة من الاختلالات التي لا تعد ولا تحصى.
وبالتالي، نحن، كتحالف اليسار، سنرافع، في إطار حركة إصلاحية، عن جميع هذه القضايا، وذلك عبر توفير آليات الانتقال من مجتمع الهشاشة والإقصاء إلى مجتمع الكرامة والمساواة الفعلية والعدالة الاجتماعية، يقوم على تعليم عمومي ذي جودة، وصحة للجميع، وحماية اجتماعية، دون إغفال أول ركيزة تضمن سلاسة هذا الانتقال الاجتماعي، وهي بناء دولة المؤسسات، عبر ترسيخ ملكية برلمانية فعلية، وتعزيز سيادة القانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوسيع المشاركة الديمقراطية، وضمان استقلال القضاء وحياد الإدارة.
-كيف يمكن لليسار أن يستعيد حضوره وثقة المواطنين، خصوصا الشباب، وأن يتحول من فاعل انتخابي يظهر في لحظات الاستحقاق إلى قوة سياسية ومجتمعية حاضرة بشكل مستمر في قضايا الناس وانتظاراتهم؟
لقد أجبتك سابقا عن هذا السؤال، وكما قلت، إن اليسار ليس فاعلا انتخابيا فقط، بل يشارك باستمرار في قضايا الناس. كما أشرت إلى أنه قد جاء في المرتبة السابعة بالجهة سنة 2021، أي على مسافة محدودة من المقعد السادس، وبالتالي فهذا يؤشر على أنه بدأ يستعيد حضوره ووزنه.
-الى أي حد يؤثر المال الانتخابي والنفوذ المحلي، إلى جانب تفاوت الإمكانيات المالية والتنظيمية والإعلامية، في سير ونتائج الانتخابات بالمغرب؟ وهل يمكن، في ظل هذه التفاوتات، الحديث فعلا عن تكافؤ الفرص بين مختلف المرشحين والأحزاب، أم أن واقع المنافسة الانتخابية ما يزال يمنح أفضلية لمن يتوفرون على موارد مالية وشبكات نفوذ محلية وإمكانات أكبر للتواصل والتعبئة؟
فعلا، نحن كتيار لا ينافسنا الفكر، إنما ينافسنا النفوذ والمال. ولقد أشرت سابقا إلى مسألة مهمة، وهي أن هذه الأحزاب لا تضع بتاتا معايير حقيقية لانتقاء مرشحيها، بل تقدم من هو أقوى نفوذا وأكثر مالا، بينما اليسار له معايير تتعلق بمدى كفاءة المرشح أكاديميا وسياسيا. وفي خضم هذه المعركة السياسية المتسمة بالنفوذ والسلطة، فلا يمكن أن نتكلم عن تكافؤ الفرص بين المرشحين، لكن هذا لا يعني أن ننسحب ونقاطع، إنما سنواجه هذا النوع من العقليات على أمل أن نحاربها مستقبلا، عبر تقديم البديل اليوم. ولذلك، اعتمد تحالف اليسار على مرشحين من ذوي الكفاءات، لهم من التحصيل العلمي والتجربة السياسية ما يكفي لتفعيل آليات الإصلاح والتغيير.
-كيف تقرأين، من موقعك كأستاذة باحثة، الانتخابات التشريعية لسنة 2026 في ظل التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتسارعة التي يعرفها المغرب؟ وهل يتعلق الأمر بمجرد استحقاق انتخابي دوري لتجديد المؤسسة التشريعية، أم أننا أمام محطة سياسية مفصلية قد تعيد رسم موازين القوى داخل المشهد الحزبي، وتعيد تشكيل الخريطة السياسية المغربية؟ وإلى أي حد يمكن أن تؤثر درجة المشاركة، خصوصا في أوساط الشباب، ومستوى الثقة في الأحزاب، وطبيعة التحالفات والمرشحين، في تحديد ملامح المرحلة السياسية المقبلة؟
صراحة، بحكم مشاركتي مع الحزب الذي أنتمي إليه في حملات مرشحيه السابقة، فإنني لا ألاحظ ما يميز الانتخابات التشريعية لسنة 2026 مقارنة بما مضى: نفس الوجوه، نفس الوعود والبرامج. لكن بالنسبة لي، فإن المشاركة في الانتخابات التشريعية لسنة 2026 متعلقة بما يعيشه المغرب من نجاحات بسيطة، خصوصا على المستوى الاقتصادي والتنموي في المجال الحضري، وكذلك بما حققته الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. وبالتالي، لم لا يتم إسقاط هذه التجارب على باقي القطاعات، كالتعليم والصحة، وفرز قيادات مسؤولة تستطيع أن تستثمر جهودها بالطريقة نفسها؟
إذن، المشاركة في الانتخابات التشريعية اليوم كانت قرارا صحيحا مبنيا على التشبث بذلك النجاح البسيط الذي يعيشه المغرب، لكي نسقط التجربة على باقي القطاعات. النجاح معد، ويجب أن يُعدي باقي المستويات.
-إلى أي حد ساهمت الولاءات الشخصية وضعف الوعي السياسي في جعل الناخب يقيم المرشحين على أساس العلاقات والمصالح المحلية بدل الأداء التشريعي والحصيلة، ولماذا يستمر أحيانا في إعادة انتخاب من لم يقدم حصيلة مقنعة؟ ومن يتحمل مسؤولية ذلك: هل المواطن أم الأحزاب والنخب السياسية.
قد أشرت سابقا إلى مسألة مهمة، وهي أن المجتمعات ذاتها هي من تفرز القيادات، إذن، فإن المواطن مسؤول عن تغيير مصيره، وعن القضاء على التخلف والجهل والفساد. لكن هذا لا يعني أن المؤسسات ليست مسؤولة كذلك عن ضعف الوعي السياسي للمواطن وعن الفساد، بل هي من تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية، فهناك غياب تام لدور التعليم في توعية الشباب وتأطيرهم على المستويين التعليمي والأخلاقي، فالعلم هو العامل المؤثر الأول في تطور المجتمعات، وكذلك هناك غياب لدور الإعلام في تنشئة الأسرة ونشر الوعي التربوي والاجتماعي. وبالتالي، فإنه من الطبيعي أن تطغى الولاءات الشخصية والمصالح المحلية بدلا من الأداء التشريعي والحصيلة والكفاءة، فإذا كنا نتكلم عن آليات التطور فيجب أولا إصلاح منظومتي التعليم والإعلام.
إن المجتمعات تتغير بفرز قيادات مسؤولة قادرة على أن تخرجها من دائرة التخلف، وبالتالي يجب أن تبدأ بفرز من هو قادر على تحليل جميع الاختلالات بالعلم، وعلى تفعيل آليات التغيير بالعمل الحقيقي. كما يجب على الأحزاب أن تتبنى برامج انتخابية واقعية وحقيقية قابلة للتفعيل، وليس برامج قائمة على الشعارات البراقة. ويجب على المسؤولين أن ينسجم خطابهم مع سلوكهم، أي أنه لا يجب أن يعطوا وعودا، لا يستطيعون الوفاء بها، بل يجب أن يدرسوا الواقع واختلالات المجتمع بعلمية، وأن يبدأوا بتوفير الحد الأدنى من الحلول لكي يسلموا المشعل لمسؤول آخر في الانتخابات المقبلة، ويكمل ما بدأوه، وهكذا يتحقق التغيير. لذلك فإن عملية التغيير صعبة وتأخذ الكثير من الوقت، لكنها ليست مستحيلة.


