أيوب الظهراوي: تشريح أزمة البديل اليساري: نقد ذاتي في البنية والممارسة والتموقع

أيوب الظهراوي-

كل محطة سياسية أو انتخابية تعيد طرح السؤال نفسه بإلحاح: لماذا عجز اليسار المغربي، رغم تاريخه النضالي ورصيده الرمزي، عن التحول إلى قوة سياسية واجتماعية وازنة قادرة على ترجمة المطالب الاجتماعية إلى ميزان قوى حقيقي؟

السؤال ليس جديدا، لكن ما يستجد في كل مرة هو اتساع الهوة بين حجم الاختلالات التي يعيشها المجتمع وبين قدرة اليسار على تحويلها إلى قوة اقتراح وفعل سياسي. فارتفاع منسوب القلق الاجتماعي، وتراجع القدرة الشرائية، وأزمة الخدمات العمومية، واختلالات التعليم والصحة والتشغيل، وتنامي الشعور بعدم الإنصاف، كلها قضايا يفترض، نظريا على الأقل، أن تشكل أرضية طبيعية لازدهار خطاب يساري ديمقراطي. ومع ذلك، لا تزال هذه الأرضية الاجتماعية عاجزة عن إنتاج بديل سياسي يساري ذي وزن انتخابي ومجتمعي.

وليس من السهل تعليق هذا العجز كله على طبيعة النظام السياسي أو على ضعف شروط المنافسة الانتخابية أو على تأثير المال والنفوذ، رغم أهمية هذه العوامل. فاليسار، إذا أراد أن يكون جادا في نقده للواقع، مطالب بأن يوجه جزء من نقده إلى ذاته أيضا. إذ إن جانبا من أزمته الراهنة يرتبط بأعطاب تراكمت داخل بنيته التنظيمية، وفي خطابه السياسي، وفي علاقته بالمجتمع، وفي قدرته على تحويل مرجعياته الفكرية إلى سياسات وبرامج قابلة للفهم والتنفيذ.

المشكلة الأولى تكمن في الخطاب نفسه. فقد ظل جزء من الخطاب اليساري أسير لغة عامة، عالية السقف من الناحية المبدئية، لكنها محدودة القدرة على تقديم أجوبة ملموسة عن الأسئلة التي تؤرق المواطن في حياته اليومية. التشخيص النقدي مهم، والتنديد بالسياسات غير العادلة ضروري، لكن السياسة لا تنتهي عند إعلان الرفض. المواطن يريد أن يعرف ماذا سيفعل البديل عندما يصبح في موقع القرار: كيف سيعيد بناء المدرسة العمومية؟ كيف سيصلح المنظومة الصحية؟ كيف سيخلق فرص الشغل؟ كيف سيعيد توزيع العبء الضريبي؟ كيف سيتعامل مع أزمة السكن والنقل والماء والطاقة؟ وما هي أولوياته في الإنفاق العمومي؟

هنا تحديدا تظهر إحدى نقاط ضعف العرض اليساري. فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى من يقول له إن السياسات القائمة فاشلة، وإنما يحتاج أيضا إلى من يقنعه بأن هناك سياسة أخرى ممكنة، وأنها قابلة للتنفيذ، وأن أصحابها يمتلكون الكفاءة والخبرة والقدرة على التدبير. ولذلك فإن اليسار مطالب بالانتقال من خطاب الاحتجاج إلى خطاب البديل، ومن امتلاك الموقف الأخلاقي إلى امتلاك الأدوات السياسية والاقتصادية والتدبيرية التي تجعل هذا الموقف قابلا للتحول إلى مشروع حكم.

والأمر الثاني يتعلق بالبنية التنظيمية. فقد تحول تاريخ طويل من الخلافات إلى ما يشبه آلية لإعادة إنتاج الانقسام. ويقدم المسار التحالفي لفصائل اليسار خلال السنوات الأخيرة مثالا واضحا على ذلك. فقد شكل فك الارتباط داخل فيدرالية اليسار الديمقراطي، عشية استحقاقات 2021، محطة مؤلمة في مسار بناء قطب يساري موحد، بعدما غادر الحزب الاشتراكي الموحد التحالف الذي جمعه بحزبي الطليعة الديمقراطي الاشتراكي والمؤتمر الوطني الاتحادي.

وبغض النظر عن اختلاف الروايات والتبريرات التي أحاطت بتلك المرحلة، فإن النتيجة السياسية كانت واحدة: ضاعت فرصة جديدة لبناء إطار يساري أكثر قوة، وتجددت لدى قطاعات من المناضلين والمتعاطفين حالة الإحباط وفقدان الثقة. وهذه هي الكلفة التي غالبا ما لا تظهر في البيانات التنظيمية، لكنها تظهر في الميدان: كفاءات تبتعد، ومناضلون يفقدون الحماس، وشباب لا يجدون في التنظيمات القائمة ما يغريهم بالانخراط، وناخبون يتعاملون مع اليسار باعتباره قوة متفرقة أكثر مما يتعاملون معه باعتباره مشروعا سياسيا متكاملا.

والأكثر دلالة أن مطلب الوحدة ظل يعود في كل مناسبة، لكن من دون أن يتحول إلى استراتيجية سياسية وتنظيمية مستدامة. فبعد فشل تجارب الوحدة، ظهرت في بعض المحطات تنسيقات انتخابية محدودة أو تفاهمات ظرفية بين مكونات متفرقة. غير أن التنسيق الانتخابي، مهما كانت ضرورته، لا يصنع وحده قطبا سياسيا. فالتحالف الذي لا يقوم على أرضية فكرية وبرنامجية وتنظيمية مشتركة يظل أقرب إلى تدبير انتخابي منه إلى مشروع سياسي قادر على إقناع المجتمع بأنه يمثل بديلا حقيقيا.

ولا تقف الأزمة عند حدود الأحزاب. فقد انعكست التوترات الحزبية على عدد من الفضاءات المدنية والحقوقية التي كان يفترض أن تشكل مجالا للفعل المشترك، ولتجميع القوى الديمقراطية حول قضايا الحقوق والحريات ودولة القانون. وتراجع مشروع بناء جبهة ديمقراطية واسعة، بما يحمله من إمكانية لتجاوز الحدود الحزبية الضيقة، لصالح منطق التنافس بين التنظيمات والحساسيات المختلفة.

وهنا ينبغي الحذر من اختزال أزمة العمل المدني والحقوقي في الخلافات الحزبية وحدها، لأن لهذه الأزمة أسبابا أخرى مرتبطة بتحولات المجتمع المدني نفسه وبطبيعة المجال السياسي والحقوقي. لكن لا يمكن، في المقابل، تجاهل أن انتقال بعض الصراعات التنظيمية إلى الفضاءات المدنية أضعف، في حالات معينة، قدرتها على الاضطلاع بدورها باعتبارها قوى مستقلة للدفاع عن الحقوق والحريات. وعندما يصبح منطق المحاصصة التنظيمية أقوى من منطق القضية الحقوقية، يخسر الجميع: تخسر المنظمة استقلاليتها الرمزية، ويخسر المجتمع إحدى أدوات الدفاع عن مصالحه العامة (الجبهة الديمقراطية – الجمعية المغربية لحقوق الإنسان).

أما على مستوى التموضع السياسي، فإن صورة اليسار تبدو أكثر تشتتا. فجزء منه اختار المقاطعة الانتخابية باعتبارها موقفا مبدئيا من شروط العملية السياسية، لكنه لم ينجح دائما في بناء بدائل ميدانية قادرة على تحويل المقاطعة من موقف احتجاجي إلى مشروع تعبئة اجتماعية مستدام. فمقاطعة الانتخابات لا تصبح فعلا سياسياً مؤثراً بمجرد إعلانها؛ بل تحتاج إلى تنظيم اجتماعي، وحضور ميداني، وخطاب قادر على إقناع فئات واسعة بأن عدم المشاركة يمكن أن يكون جزء من استراتيجية تغيير وليس مجرد انسحاب من المجال السياسي.

وفي الجهة الأخرى، اختار الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، تاريخيا، الانخراط في المؤسسات والمشاركة في تدبير الشأن العام باعتبارهما جزء من الممارسة السياسية. غير أن هذا الخيار يطرح، باستمرار، سؤال الهوية والحدود بين المشاركة والتكيف. فحين يصبح الحضور المؤسساتي منفصلا عن المشروع المجتمعي والمرجعية النقدية، يتحول الحزب تدريجيا من قوة تغيير إلى قوة تدبير. والمطلوب هنا ليس رفض المشاركة في المؤسسات من حيث المبدأ، وإنما مساءلة جدواها السياسية: ماذا تغير المشاركة؟ وما الذي بقي من المشروع الاجتماعي الديمقراطي؟ وكيف يمكن للحزب أن يحافظ على استقلاليته النقدية وهو يمارس مسؤولياته المؤسساتية؟

أما حزب التقدم والاشتراكية، فيواجه بدوره معضلة التوازن بين إرثه التقدمي التاريخي وبين مقتضيات البراغماتية السياسية والتحالفات المتغيرة. وقد أتاح له هذا التموضع الاحتفاظ بحضور سياسي ومؤسساتي، لكنه أبقى أيضا سؤال الهوية والمشروع مطروحا: هل يستطيع الحزب أن يقدم نفسه باعتباره قوة يسارية ذات مشروع اجتماعي واضح، أم أن تحولات الخريطة السياسية جعلته، في بعض اللحظات، أقرب إلى إدارة الممكنات والتحالفات منه إلى بناء مشروع بديل متكامل؟

غير أن النقد هنا لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة لأحزاب بعينها، لأن أزمة اليسار أعمق من أخطاء هذا الحزب أو ذاك. إنها أزمة مشروع سياسي بأكمله، وأزمة علاقة بين التنظيمات والطبقات والفئات الاجتماعية التي يفترض أن يمثلها اليسار. فاليسار لا يخسر فقط بسبب أخطائه الانتخابية؛ إنه يخسر أيضا عندما يعجز عن أن يكون حاضرا في حياة الناس اليومية، في الأحياء والجامعات ومواقع العمل والنقابات والقرى والمدن، وعندما لا يجد المواطن في لغته السياسية ترجمة مباشرة لمشكلاته وانتظاراته.

لقد تغير المجتمع، بينما ظل جزء من اليسار يتحدث بلغة تنتمي إلى زمن سياسي مختلف. تغيرت طبيعة الطبقة العاملة، وظهرت فئات مهنية جديدة، واتسعت الهشاشة في سوق الشغل، وتغيرت علاقة الشباب بالأحزاب، وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي فضاء مركزيا لتشكيل الرأي العام. ومع ذلك، لا يزال الخطاب السياسي اليساري في كثير من الأحيان أسير مفردات لا تجد طريقها بسهولة إلى الجيل الجديد.

والتحدي الأكبر هو أن اليسار لم يعد يستطيع الاكتفاء باستعادة قاموسه التاريخي. المطلوب هو إعادة إنتاج قيمه الأساسية ــ العدالة الاجتماعية، المساواة، الحرية، الديمقراطية، التضامن، الدفاع عن المرفق العمومي ــ بلغة جديدة وأدوات جديدة، وببرنامج يستجيب للتحولات الفعلية للمجتمع. فالاشتراكية أو التقدمية في القرن الحادي والعشرين لا يمكن أن تكون مجرد استعادة لشعارات الماضي، وإنما ينبغي أن تقدم أجوبة عن الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والتحول البيئي، وأشكال العمل الجديدة، وأزمة المناخ، والعدالة المجالية، والتحولات الديموغرافية، ومستقبل الخدمات العمومية.

ومن هنا فإن إعادة بناء البديل اليساري لا تبدأ من سؤال: من يقود؟ بل من سؤال: ماذا نريد أن نبني؟ ولا تبدأ من توزيع المواقع داخل التحالفات، بل من صياغة مشروع سياسي واجتماعي قادر على توحيد القوى حوله. فالقيادة التي لا تستند إلى مشروع سرعان ما تتحول إلى صراع على المواقع، والتحالف الذي لا يستند إلى برنامج يتحول إلى تفاوض انتخابي، والوحدة التي لا تقوم على ثقة متبادلة تتحول إلى هدنة مؤقتة بين الانقسامات.

إن اليسار يحتاج اليوم إلى شجاعة سياسية من نوع آخر: شجاعة الاعتراف بالأخطاء دون تحويل النقد الذاتي إلى جلد للذات، والاعتراف بأن بعض المقولات التي كانت صالحة في سياقات تاريخية معينة لم تعد كافية لفهم المجتمع الراهن. ويحتاج، قبل كل شيء، إلى إعادة بناء الثقة؛ الثقة بين مكوناته، والثقة بين التنظيمات وقواعدها، والثقة بين اليسار والمجتمع.

هذه المهمة لا يمكن أن تنجزها التنسيقات الظرفية ولا البيانات المشتركة وحدها. إنها تحتاج إلى مسار طويل لإعادة بناء التنظيمات، وتجديد النخب، وإفساح المجال أمام الشباب والنساء والكفاءات، وإعادة الاعتبار للعمل الميداني، وإطلاق نقاش فكري جدي حول معنى اليسار في مغرب اليوم، بعيداً عن الحسابات التنظيمية الصغيرة.إن البديل اليساري لن يولد من جمع الهياكل، وإنما من جمع الإرادات حول مشروع. ولن يصبح قوة انتخابية حقيقية بمجرد توحيد اللوائح، وإنما عندما يقتنع المواطن بأن وراء هذه اللوائح رؤية مختلفة للدولة والمجتمع والاقتصاد والحريات. ولن يستعيد حضوره بمجرد استعادة الماضي، بل بالقدرة على قراءة الحاضر واستشراف المستقبل.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان اليسار المغربي ما يزال موجودا؛ فهو موجود بأحزابه وتنظيماته ومناضليه وتاريخه ورصيده الفكري. السؤال هو ما إذا كان قادراً على تحويل هذا الوجود المتفرق إلى قوة سياسية ومجتمعية قادرة على التأثير.

وذلك يتطلب، قبل أي شيء، القطع مع وهم أن الأزمة سببها الآخرون وحدهم. نعم، هناك اختلالات في المجال السياسي، وهناك صعوبات بنيوية أمام التغيير، وهناك تفاوت في شروط المنافسة، لكن اليسار الذي يريد تغيير الواقع لا يمكنه أن يجعل من هذه العوامل تفسيراً دائماً لفشله. عليه أن يسأل نفسه أيضا: ماذا فعلنا نحن؟ أين أخطأنا؟ لماذا فقدنا جزء من مجتمع كان يرى فينا ذات يوم أفقاً للتغيير؟ وكيف نستعيده؟

من هنا يبدأ النقد الذاتي الحقيقي. ومن هنا، أيضاً، يمكن أن تبدأ إعادة بناء البديل: يسار ديمقراطي، اجتماعي، حديث، منفتح على المجتمع، متصالح مع التعدد، قادر على الجمع بين وضوح المبادئ وواقعية البرنامج، وبين النضال المؤسساتي والعمل الميداني، وبين الوفاء للذاكرة النضالية والقدرة على ابتكار المستقبل.

أما الاستمرار في إنتاج الانقسامات نفسها، وإعادة تدوير الخطابات نفسها، وانتظار أن يؤدي تفاقم الأزمات الاجتماعية تلقائياً إلى صعود اليسار، فلن يكون سوى استمرار للأزمة بأشكال جديدة.

فالفراغ السياسي لا يملؤه الغضب وحده، ولا تنتج البديلَ الأزماتُ تلقائيا. البديل يحتاج إلى مشروع، وتنظيم، وثقة، وحضور في المجتمع، وقبل ذلك كله إلى إرادة سياسية تتجاوز منطق «من يمثل من؟» إلى السؤال الأكثر أهمية: أي مجتمع نريد، وأي دولة نريد، وأي مستقبل نريد أن نصنعه؟

 

 




شاهد أيضا

شاهد أيضا