هل يدفع غياب الوجوه التقليدية نحو تغيير الخريطة الانتخابية بالفقيه بن صالح؟

-محمد لغريب-

يقتضي الحديث عن الانتخابات التشريعية بدائرة الفقيه بن صالح، المزمع تنظيمها في 23 شتنبر المقبل، العودة إلى النتائج التي أفرزتها انتخابات 2021، باعتبارها معطيات تسمح بقراءة سياسية مهمة، ليس فقط من زاوية من فاز بالمقاعد، وإنما أيضا من زاوية القوة الانتخابية لكل حزب، وطبيعة المنافسة، ومدى ارتباط النتائج بالحضور المحلي للمرشحين وبروفيلاتهم، مع الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات التي طرأت منذ ذلك الحين، والتي من شأنها التأثير في نتائج الانتخابات المقبلة.

خلال انتخابات 2021، تصدر حزب التجمع الوطني للأحرار النتائج عبر مرشحه كمال محفوظ، الذي جرد من عضويته بالبرلمان بقرار من المحكمة الدستورية في ماي 2024، عقب إدانته في قضية إصدار شيك بدون رصيد. وحصل محفوظ على 37584 صوتا، متقدما بفارق 11880 صوتا عن الحركة الشعبية التي حلت ثانية بـ 25704 صوتا.

ويعد هذا الفارق كبيرا من الناحية السياسية، لأنه يعادل نحو 46 في المائة من أصوات الحركة الشعبية التي حلت ثانية. وبالتالي، فإن تصدر الأحرار لم يكن بفارق ضئيل، وإنما عكس تفوقا انتخابيا واضحا داخل الدائرة.

لكن في المقابل، فإن حصول الحزب على 37584 صوتا لا يعني أنه حاز أغلبية الكتلة الناخبة، إذ بلغ مجموع أصوات الأحزاب الستة الأولى 129650 صوتا، ما يعني أن أصوات الأحرار مثلت نحو 29 في المائة من مجموع هذه الأصوات.

وهنا تكشف النتائج إحدى أهم خصائص المشهد الانتخابي المحلي بدائرة الفقيه بن صالح وهي أن الحزب الأول قوي انتخابيا، لكنه لا يهيمن على الكتلة الانتخابية برمتها.

وحلت الحركة الشعبية في المرتبة الثانية بـ 25704 صوتا، متقدمة على الأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. ويشكل ذلك متغيرا مهما، لأن ترتيب الأحزاب على المستوى المحلي لا يعكس بالضرورة ترتيبها على المستوى الوطني. فعلى المستوى الوطني، تصدر التجمع الوطني للأحرار نتائج انتخابات 2021 بـ 102 مقعد، يليه الأصالة والمعاصرة بـ 87 مقعدا، ثم الاستقلال بـ 81 مقعدا، بينما جاءت الحركة الشعبية في المرتبة الخامسة بـ 28 مقعدا.

ويمكن تفسير هذا الاختلاف بوجود شبكات انتخابية محلية، وشخصيات ذات حضور ميداني، وعلاقات انتخابية متراكمة، وهي عوامل قد تجعل التصويت في بعض الدوائر مختلفا تماما عن البيئة الوطنية.

حزب الأصالة والمعاصرة حل ثالثا، بحصوله على 20367 صوتا، أي نحو 15.7 في المائة من مجموع أصوات الأحزاب الستة. ورغم حصوله على مقعد، فإنه كان بعيدا نسبيا عن الحركة الشعبية، إذ بلغ الفارق بينهما 5337 صوتا. ويمكن قراءة ذلك باعتباره حضورا انتخابيا مهما، لكنه لم يكن كافيا للدخول في منافسة مباشرة على المرتبة الأولى، خصوصا أمام قوة التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية.

أما حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فحصل على 17205 صوتا وحل رابعا، لكنه تمكن من انتزاع مقعد والحفاظ على تمثيليته البرلمانية، بعدما كان قد حل في المرتبة الأولى خلال تشريعيات 2016 بـ 16820 صوتا، وهو ما يعكس إلى حد كبير ثبات قاعدته الانتخابية، رغم هجرة كمال محفوظ صوب التجمع الوطني الأحرار.

ومن خلال هذه الأرقام، يتضح أن الاتحاد الاشتراكي سيكون أمام منافسة قوية خلال الانتخابات المقبلة، في ظل سعي عدد من الأحزاب إلى انتزاع مقعد وفي مقدمتها الأصالة والمعاصرة والحركة الشعبية والاستقلال والتجمع الوطني للأحرار.

أما حزب الاستقلال، الطامح إلى الظفر بمقعد برلماني، فحصل على 12231 صوتا، فيما حصل حزب العدالة والتنمية على 6559 صوتا. وبلغ مجموع أصوات الحزبين 18790 صوتا، أي نحو 14.5 في المائة من مجموع أصوات الأحزاب الستة الأولى، ومع ذلك لم يتمكنا من الحصول على أي مقعد.

وبمعنى آخر، هناك أزيد من 18 ألف صوت لم تترجم إلى تمثيلية برلمانية في هذه النتائج، وهو ما يطرح سؤالا أوسع حول العلاقة بين عدد الأصوات التي تحصل عليها الأحزاب وبين عدد المقاعد التي تفرزها آلية الاقتراع.

وبناء على هذه النتائج، يتضح أن المنافسة كانت متعددة الأطراف، وانتهت بحصول أربعة أحزاب على أربعة مقاعد، بحيث لم تنتج هيمنة حزب واحد على المقاعد، رغم الفارق الكبير الذي حققه التجمع الوطني للأحرار على مستوى الأصوات. وهذا يؤكد أن التفوق في عدد الأصوات لا يعني بالضرورة القدرة على الهيمنة على التمثيلية البرلمانية.

لكن سيكون من الخطأ سياسيا تفسير هذه النتائج باعتبارها تعبيرا عن تصويت على البرامج السياسية والتصورات والتراكمات التاريخية للأحزاب. فقد ظلت مجموعة من العوامل المحلية حاضرة في تحديد اتجاهات التصويت، من بينها شخصية المرشح، وحضوره وسط السكان، وشبكات العلاقات المحلية والعائلية، والامتدادات داخل الجماعات والقرى والمداشر، فضلا عن تأثير المال الانتخابي وبعض الممارسات المرتبطة بالحملات الانتخابية كالولائم مثلا، وذلك في سياق اجتماعي واقتصادي يغلب عليه الطابع الفلاحي.

ومن هنا يطرح السؤال نفسه ونحن نستشرف انتخابات 23 شتنبر 2026: هل ستعيد هذه الانتخابات الأحزاب نفسها إلى قبة البرلمان، أم أن تغير الوجوه والشبكات والتحالفات سيقود إلى إعادة تشكيل الخريطة الانتخابية للدائرة؟

الواقع أن عدة متغيرات تجعل المقارنة بين انتخابات 2021 وانتخابات 2026 بدائرة الفقيه بن صالح أكثر أهمية، لأن المشهد لم يعد هو نفسه، خصوصا أن جزءا مهما من نتائج 2021 كان مرتبطا بشخصيات محلية ذات وزن انتخابي، وليس فقط بالعلامة الحزبية.

فحزب الحركة الشعبية يدخل انتخابات 2026 في سياق مختلف تماما. فقد كان محمد مبديع، أحد أبرز الوجوه المرتبطة بالحركة الشعبية في الإقليم، من الشخصيات التي لعبت أدوارا انتخابية وسياسية بارزة، قبل أن يدان في ماي 2026 بالسجن النافذ لمدة 13 سنة في قضية تضمنت اتهامات مرتبطة بتبديد أموال عمومية واستغلال النفوذ والارتشاء والتزوير وغيرها من التهم. كما أن أحمد شدا، أحد أبرز الوجوه الحركية بالجهة، يوجد هو الآخر رهن الاعتقال الاحتياطي في ملف يتعلق باختلالات مرتبطة بتدبير صفقات جماعة بني ملال، وقد جرد كذلك من عضويته البرلمانية.

سياسيا، لا يعني ذلك أن الناخب سيعاقب الحركة الشعبية تلقائيا، لكن الحزب فقد جزءا من الرصيد الشخصي الذي كانت توفره له أسماء وازنة. وهنا تكمن المسألة الأساسية: هل كان جزء من قوة الحركة الشعبية في انتخابات 2021 قوة حزبية خالصة، أم كان مرتبطا بشخصيات انتخابية بعينها؟ سيكون هذا السؤال من بين الاختبارات الأساسية للحزب في شتنبر 2026.

واللافت أن الحركة الشعبية اختارت في دائرة الفقيه بن صالح سنة 2026 سمير رديوس، القادم من حزب الاستقلال، في محاولة لضخ دماء جديدة وتعويض بعض الأسماء الحركية السابقة. وسيكون هذا الترشيح اختبارا لقدرة الحزب على إعادة بناء شبكته الانتخابية والحفاظ على موقعه داخل دائرة اتسمت تاريخيا بقوة الشخصيات المحلية.

أما بالنسبة إلى حزب الأصالة والمعاصرة، فإن رحيل الحاج إبراهيم فضلي يطرح إشكالية انتقال الرصيد الانتخابي من الشخص إلى التنظيم. فقد كان إبراهيم فضلي، المعروف بـ”ولد العطار”، يمثل بحكم تجربته الطويلة وشبكة علاقاته الممتدة جزءا من الذاكرة الانتخابية للمنطقة، وهو رصيد يصعب إعادة إنتاجه في فترة قصيرة.

ومن هذا المنطلق، فإن ترشيح ابنه أحمد فضلي في انتخابات 2026 يشكل اختبارا حقيقيا لقدرة الحزب على تحويل الامتداد العائلي والمحلي إلى رصيد انتخابي فعلي.

فالسؤال لا يتعلق فقط بمدى قدرة الاسم العائلي على استقطاب الأصوات، وإنما أيضا بمدى نجاح أحمد فضلي في الحفاظ على الشبكة الانتخابية والعلاقات التي راكمها والده، وفي الوقت نفسه بناء شرعية سياسية وشخصية انتخابية مستقلة.

وإذا نجح الحزب في ذلك، فقد يحافظ على موقعه داخل الدائرة، أما إذا تبين أن جزءا كبيرا من أصوات 2021 كان مرتبطا بشخص إبراهيم فضلي أكثر من ارتباطه بالحزب، فإن الأصالة والمعاصرة قد يواجه تراجعا انتخابيا لافتا.

أما التجمع الوطني للأحرار، فيبدو أن المتغير الأبرز في وضعه الانتخابي سنة 2026 يرتبط بغياب كمال محفوظ، الذي ارتبط اسمه بتحقيق نتيجة قوية خلال انتخابات 2021، وتعويضه بصالح حنين.

ويضع هذا التحول الحزب أمام اختبار انتخابي مهم، خصوصا في ظل استعداد الحركة الشعبية والأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والاستقلال وبنسبة أقل العدالة والتنمية لخوض المنافسة بقوة داخل الدائرة، واعتمادها على شبكات انتخابية محلية متجذرة.

ورغم أن حنين يدخل الاستحقاق برصيد من التجربة الانتخابية والبرلمانية، فإن الحفاظ على الصدارة التي حققها الأحرار سنة 2021 لن يكون مهمة سهلة. إذ سيكون مطالبا بتحويل رصيده الشخصي إلى رصيد انتخابي قادر على مواجهة منافسين يمتلكون بدورهم قواعد انتخابية وعلاقات محلية متراكمة.

وهكذا، قد تشكل انتخابات 2026 اختبارا حقيقيا لقدرة التجمع الوطني للأحرار على الانتقال من قوة انتخابية ارتبط جزء مهم منها بشخصية كمال محفوظ إلى قوة حزبية قادرة على الحفاظ على موقع الصدارة في ظل غياب المرشح الذي حقق للحزب أكبر عدد من الأصوات سنة 2021.

وبذلك، يمكن القول إن انتخابات 2026 في دائرة الفقيه بن صالح لن تعيد إنتاج خريطة انتخابات 2021، بل ستجري في سياق سياسي وانتخابي مختلف، عنوانه الأبرز إعادة ترتيب موازين القوى داخل الدائرة.

ففي استحقاقات 2021، تمكنت أربع شخصيات من حسم المقاعد البرلمانية، وهي كمال محفوظ عن التجمع الوطني للأحرار، ومحمد مبديع عن الحركة الشعبية، وإبراهيم فضلي عن الأصالة والمعاصرة، والشرقي الزنايدي عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وهو ما عكس آنذاك قوة شبكات انتخابية وشخصية متجذرة محليا.

أما في 2026، فإن جزءا من تلك المعادلة أصبح أمام اختبار جديد بفعل غياب أو تراجع أدوار بعض الوجوه التي صنعت حضور أحزابها في انتخابات 2021. ولذلك، فإن السؤال المركزي لا يتعلق فقط بالحزب الذي يمتلك أقوى رصيد انتخابي، وإنما بمن استطاع إعادة بناء شبكة انتخابية قادرة على تعويض فقدان الشخصيات والامتدادات السابقة.

ومن هذه الزاوية، تصبح الانتخابات المقبلة أقرب إلى معركة حول “إعادة تركيب القوة الانتخابية”، أكثر من كونها مواجهة تقليدية بين أحزاب ورموز معروفة. كما أن نتائج 2021 نفسها تؤكد أن القوة الحزبية على مستوى الإقليم لم تكن منفصلة عن قوة المرشحين وشبكاتهم المحلية، فقد تصدر التجمع الوطني للأحرار مجموع الأصوات، متبوعا بالحركة الشعبية ثم الأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

لذلك، فإن انتقال بعض الوجوه، وظهور مرشحين جدد، وتغير التحالفات والشبكات المحلية، يمكن أن يعيد توزيع الأصوات بصورة يصعب قياسها فقط من خلال نتائج 2021.

وبالتالي، فإن المعيار الحاسم في انتخابات 2026 قد يكون قدرة كل حزب ومرشح على تحويل الرصيد الحزبي إلى شبكة انتخابية فعلية على الأرض، خصوصا في ظل تنافس أكثر انفتاحا على الأسماء الجديدة.

وهنا تحديدا تكمن مفارقة انتخابات الفقيه بن صالح: الحزب الذي كان قويا في 2021 ليس بالضرورة الحزب الذي سيحتفظ بالقوة نفسها في 2026، لأن جزءا مهما من تلك القوة كان مرتبطا بأشخاص وشبكات انتخابية محددة، وليس بالرموز الحزبية أو البرامج السياسية وحدها.

وعليه، فإن انتخابات 23 شتنبر 2026 قد تكون، في جوهرها، اختبارا لمدى قدرة الأحزاب على تعويض الأسماء التي صنعت جزءا من قوتها السابقة، وإعادة بناء قواعدها الانتخابية، وتحويل التنظيم الحزبي إلى قوة ميدانية قادرة على المنافسة. ومن هنا، فإن قراءة نتائج 2021 لا ينبغي أن تتحول إلى توقع آلي لنتائج 2026، بقدر ما يجب أن تكون نقطة انطلاق لفهم المتغيرات التي تعيد حاليا تشكيل المشهد الانتخابي بدائرة الفقيه بن صالح.

 




شاهد أيضا

شاهد أيضا