أسامة البحري*
بالعودة الى عالم الاجتماع البريطاني إيان ف. شو في مقاله ” العمل الاجتماعي علم الاجتماع/ علم الاجتماع العمل الاجتماعي نظرة متبادلة ” نجده يرى أن العلاقة بين العمل الاجتماعي وعلم الاجتماع، ليست مجرد علاقة بين تخصص نظري ومهنة تطبيقية، بل تساءل عن تاريخهما الابستيمولوجي، محاولا مساءلة الطريقة التي تشكلت بها الحدود بين المجالين، والطريقة التي أصبح ينظر بها إلى أحدهما باعتباره منتجا للمعرفة والآخر باعتباره مستهلكا لها، ومن هنا تصبح قراءة شو لها أهمية كبيرة، لأنها لا تكتفي بالتصريح ان هناك علاقة بين علم الاجتماع والعمل الاجتماعي، بل تذهب بعيدا ، الى طرح سؤال : هل كان العمل الاجتماعي دائما مجرد مجال لتطبيق المعرفة التي ينتجها علم الاجتماع، أم أنه ساهم بدوره في إنتاج مفاهيم وأسئلة وطرائق بحث ومعارف ميدانية أثرت في تطور المعرفة افي العلوم الاجتماعية ؟
1- العلاقة التاريخية بين علم الاجتماع والعمل الاجتماعي:
إن إحدى أهم الملاحظات التي ينطلق منها شو في مقالته العلمية تتمثل في نقد التصور الذي يجعل العلاقة بين علم الاجتماع والعمل الاجتماعي علاقة أحادية الاتجاه، فالكثير من الكتب التي تناولت العلاقة بين المجالين تحمل في عناوينها دلالة رمزية على هذا التراتب، من قبيل ” علم الاجتماع في العمل الاجتماعي” أو” علم الاجتماع من أجل العمل الاجتماعي” اي ان هناك علم ينتج المعرفة، ومجال مهني يستفيد منها ويوظفها
وبذلك يصبح علم الاجتماع هو الأساس المركزي والعمل الاجتماعي هو المجال الذي يستقبل المعرفة ويحولها إلى ممارسة، لكن شو يرفض اختزال العلاقة بهذه الطريقة، مشيرا إلى أن التاريخ الفعلي للمجالين يكشف عن تداخل وتبادل ، فالممارسة الاجتماعية لم تكن دائما مجرد تطبيق لنظريات جاهزة، بل كانت في بعض الاحيان أحد المصادر التي ساهمت في بناء المعرفة الاجتماعية نفسها في السوسيولوجيا ، اي ان العلاقة بين المجالين ينبغي أن تنتقل من منطق ” الإنتاج والتطبيق” إلى منطق أكثر يقوم على التفاعل والتبادل والإنتاج المشترك للمعرفة.
ولتوضيح هذه الفكرة يعود شو إلى البدايات التاريخية للعلاقة بين علم الاجتماع والعمل الاجتماعي، ولا سيما إلى تجربة مدرسة شيكاغو، فقد اعتادت الكتابات التاريخية اللاحقة حسبه، أن تقدم مدرسة شيكاغو بكونها إحدى اللحظات المؤسسة لعلم الاجتماع الحضري وللإثنوغرافيا ودراسة الحياة اليومية والجماعات الحضرية، غير أن العودة إلى السياق التاريخي فقد كان علماء الاجتماع الأوائل يشتغلون على الفقر والهجرة والجريمة والعصابات والأحياء والتحولات الحضرية، وهي موضوعات كانت في الوقت نفسه جزءا حسب الباحث من صميم موضوع التدخل في العمل الاجتماعي، وكانت مؤسسات ووكالات العمل الاجتماعي مصدرا مهماً للمعطيات والملاحظات والمعارف المتعلقة بالسكان والمجتمعات المحلية.
وما يلفت الانتباه حسب شو هو أن المعرفة السوسيولوجية لم تتطور دائما داخل الجامعة وحدها، وإنما نشأت أيضا في مناطق التماس بين البحث والممارسة، وبين الملاحظة والتدخل، وبين المؤسسة الأكاديمية والمؤسسة الاجتماعية، وتكتسب مسألة دراسة ” الحالة” التي يناقشها شو أهمية خاصة في هذا السياق، لأنها تكشف أن بعض المفاهيم التي أصبحت لاحقا جزءا من التراث المنهجي لعلم الاجتماع كانت مرتبطة منذ البداية بالعمل الاجتماعي، فالحالة في العمل الاجتماعي لم تكن منذ ماري ريتشموند في كتابها ” التشخيص الاجتماعي ” مجرد فرد غير متصل بمحيطه، بل هي وضعية اجتماعية مركبة تتداخل فيها الأسرة والمؤسسة والحي والمدرسة وسوق العمل والسياسات العمومية وشبكات العلاقات والموارد والتمثلات الاجتماعية.
وعندما تحولت دراسة الحالة إلى أداة للبحث الاجتماعي، أصبحت الحياة الفردية مدخلا لفهم عمليات اجتماعية أكثر شمولية، وهنا تكمن إحدى النقاط القوية كما يطرحها إيان ف شو ليبين لماذا علم الاجتماع مهم للعمل الاجتماعي ولماذا العمل الاجتماعي ايضا مهم لعلم الاجتماع اي لا يمكن ان نميز بين الأول والثاني، فالحالة كما يبين ليست نقيضا للبنية الاجتماعية، بل يمكن أن تكون مدخلا لفهمها، فالفرد الذي يواجه البطالة، أو الطفل الذي يعاني من صعوبات في الاندماج المدرسي، أو الأسرة التي تعيش الهشاشة، يصعب فهم وضعيتها من خلال خصائصها الفردية فقط، لأن الحالة تتشكل داخل سياقات اجتماعية ومؤسساتية واقتصادية وثقافية محددة.
2- سوسيولوجيا العمل الاجتماعي/ العمل الاجتماعي السوسيولوجي:
ومن هنا يظهر أحد أهم أوجه التقاطع حسب شو بين علم الاجتماع والعمل الاجتماعي: فكلاهما يتعامل مع الواقع الاجتماعي، لكن من موقع مختلف، فالسوسيولوجي يسعى إلى إنتاج تفسير علمي للظواهر والعلاقات والبنيات والعمليات الاجتماعية، بينما يتحرك العامل الاجتماعي داخل وضعية تتطلب فهما وتقديرا وتدخلا ومرافقة وتقييما، غير أن اختلاف تموقع كل تخصص لا يعني بالضرورة اختلافا جذريا في المجال، وذلك لان الممارسة المهنية نفسها يمكن أن تنتج أسئلة بحثية، وتكشف عن ظواهر لن تظهر بالوضوح نفسه الى السوسيولوجي، فالعامل الاجتماعي وذلك لقربه من الميدان واحتكاكه الدائم به يواجه اشكالا من التفاعل الاجتماعي والمؤسساتي ويلاحظ كيف تتحول السياسات العمومية إلى ممارسات يومية، وكيف تتعامل الأسر مع المؤسسات، وكيف يعيد المستفيدون تفسير برامج التدخل، وكيف تظهر الفجوة بين النص القانوني والواقع الاجتماعي، وكل هذا يمثل مادة معرفية خام لانتاج معرفة علمية اجتماعية.
وفي هذا السياق يدعوا إيان ف شو الى تأسيس ” سوسيولوجيا العمل الاجتماعي ” التي لا تكتفي بتتبع ما قدمه علم الاجتماع للعمل الاجتماعي، بل يفتح اتجاها آخر في العلاقة يتمثل في جعل العمل الاجتماعي نفسه موضوعا للاهتمام السوسيولوجي، وهذا الانتقال حسب شو مهم لانه يغير السؤال من ” ماذا يمكن أن يستفيد العمل الاجتماعي من السوسيولوجيا ؟ ” الى ” ماذا يمكن أن يكتشف علم الاجتماع عندما يدرس العمل الاجتماعي؟
فسوسيولوجيا العمل الاجتماعي حسب تعبير الباحث لا تعني تطبيق علم الاجتماع على العمل الاجتماعي، وإنما تعني إخضاع العمل الاجتماعي نفسه للتحليل السوسيولوجي، باعتباره ممارسة اجتماعية لها تاريخها ومؤسساتها وحدودها وهويتها المهنية والمعرفية.
ويقدم شو في هذا الإطار حصيلة مركزة لأشكال الاهتمام السوسيولوجي بالعمل الاجتماعي، فيشير إلى أن مساهمات علماء الاجتماع في العمل الاجتماعي، يمكن تلخيصها في ” الشراكة في فعل البحث” ، و” إثراء الفهم أو التفسير لعلم الاجتماع / العمل الاجتماعي” و” البعد السوسيولوجي لأبحاث التدخل” و” تحديات هوية المجال التخصص” ، إضافة إلى ” التبادل المنهجي” وهذا التصور تكشف أن سوسيولوجيا العمل الاجتماعي عند شو ليست مجرد فرع يدرس تاريخ المهنة أو مؤسساتها، وإنما هي عبارة عن مساحة للتفاعل بين العامل الاجتماعي وعالم الاجتماع اي بين الممارسة والتدخل والمنهج، فعندما تصبح ممارسة التدخل نفسها موضوعا للبحث، يمكن للسوسيولوجي أن يدرس كيف تصنف المؤسسات الحالات، وكيف تحدد الفئات المستحقة للتدخل، وكيف تتشكل علاقة السلطة بين المهني والمستفيد، وكيف تتحول السياسات الاجتماعية من نصوص وبرامج إلى ممارسات يومية.
ويؤسس شو لفكرة تعتبر من أهم افكار المقال وهي تأسيس ” العمل الاجتماعي السوسيولوجي” ،ويحدد لهذا الشكل من العمل ثلاثة أبعاد، اولا ” فهمهم للبيئة الاجتماعية” ، ثانيا ” المعنى الذي أعطوه للحالة ” ثالثا الممارسة المباشرة لتدخل الخدمة الاجتماعية ،وهذا التصور يغير بصورة جوهرية طريقة النظر إلى الحالة الاجتماعية؛ فالحالة لا تعود مجرد فرد يحمل مشكلة تحتاج إلى حل، بل تصبح مدخلا لفهم البيئة والعلاقات والمؤسسات والبنيات التي تشكل وضعية الفرد وتؤثر في مساره، فيصبح التدخل عملية انعكاسية سوسيولوجية كما اسس لها بيار بورديو ، ومن هنا فإن الحس السوسيولوجي لا يكون إضافة نظرية خارجية إلى الممارسة، بل يصبح جزءا من كيفية تعريف المشكلة نفسها، وتحديد أسبابها، وفهم السياق الذي توجد فيه، واختيار مستوى التدخل المناسب.
وختاما ، فإن سوسيولوجيا العمل الاجتماعي والعمل الاجتماعي السوسيولوجيي لا ينبغي أن تفهم باعتبارها محاولة لإخضاع العمل الاجتماعي بالكامل لعلم الاجتماع، وإنما باعتبارها فضاء حوار بين مجالين متمايزين، فعلم الاجتماع يستطيع أن يسأل عن البنية الاجتماعية للممارسة، وعن المؤسسات والسلطة والمعرفة والتصنيفات والسياسات التي تؤطر التدخل، بينما يستطيع العمل الاجتماعي أن يقدم إلى علم الاجتماع معرفة ميدانية حول كيفية عيش المشكلات الاجتماعية وكيفية ترجمة السياسات داخل الحياة اليومية، ولذلك فإن القيمة الحقيقية للعلاقة بين المجالين، كما يمكن استخلاصها من شو، لا توجد في جعل أحدهما تابعا للآخر، بل في بناء منطقة مشتركة يصبح فيها البحث أكثر التصاقا بالميدان، وتصبح الممارسة أكثر قدرة على التفكير في شروطها ونتائجها.
المقال المعتمد :
- Shaw, I. F. (2021). Social work and sociology/sociology and social work : Peering back and forth – Journal of Social Work
*طالب باحث في ماستر العمل الاجتماعي كلية الاداب والعلوم الانسانية بجامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال

