-ملفات تادلة 24-
أثار القرار عدد 2026/277 الصادر عن المحكمة الدستورية، والقاضي بتعذر البت في الإحالة الرامية إلى النظر في مدى مطابقة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور، جدلا واسعا حول خلفيات القرار وتداعياته، خاصة في ظل استمرار التوتر الذي يخيم على مرفق العدالة بسبب توقف المحامين عن أداء مهامهم منذ أسابيع.
وبعد انتظار دام 32 يوما، كان المنتظر أن تحسم المحكمة الدستورية في مدى دستورية مقتضيات القانون الجديد المنظم لمهنة المحاماة، غير أن قرارها جاء مختلفا عن التوقعات، إذ أعلنت تعذر البت في الإحالة بسبب عدم توصلها بالصيغة النهائية للقانون.
وبررت المحكمة قرارها بكون الجهة المحيلة اكتفت بإرفاق رسالة الإحالة بتقرير عن الأعمال التحضيرية للجنة برلمانية تضمن مشروع القانون قبل تمام الموافقة عليه، معتبرة أن ذلك لا يمكنها من ممارسة رقابتها الدستورية، وأن عدم إرفاق نسخة مطابقة لأصل النص النهائي يشكل مانعا قانونيا يحول دون البت في القضية.
ويطرح هذا التعليل، وفق قراءة الأستاذ رشيد أيت بلعربي، المحامي بهيئة القنيطرة، مسؤوليتين متوازيتين؛ الأولى تقع على عاتق رئيس مجلس النواب، باعتباره الجهة التي أحالت النص، والثانية تتصل بطريقة تعاطي المحكمة الدستورية نفسها مع هذا الإغفال، خصوصاً في ظل الظروف الاستثنائية التي تحيط بالقانون وبمرفق العدالة.
ويرى أيت بلعربي في تدوينة له على الفيسبوك أن الإشكال لا يرتبط فقط بالخطأ المتعلق بالوثيقة المرفقة بالإحالة، وإنما يمتد إلى سؤال أكبر يتعلق بكيفية تعامل القضاء الدستوري مع مثل هذه الحالات.
ويستحضر المحامي في هذا السياق قرار المحكمة الدستورية بشأن القانون المتعلق بالمسطرة المدنية، حيث كانت رسالة الإحالة، وفق ما ورد في القرار، تتحدث عن القانون في صيغته النهائية كما صادق عليها مجلس المستشارين، بينما أرفقت بنسخة من المشروع الذي صادق عليه مجلس النواب.
ورغم ذلك، لم تعتبر المحكمة الدستورية حينها أن غياب النسخة النهائية يحول دون ممارسة رقابتها، بل قامت باستحضار الصيغة النهائية للقانون كما صادق عليها مجلس المستشارين، قبل أن تباشر فحص مدى مطابقته للدستور، وتنتهي إلى التصريح بعدم دستورية عدد من مقتضياته.
وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه أيت بلعربي: ما الذي تغير بين الحالتين؟ ولماذا لم تعتمد المحكمة الدستورية المنهج نفسه في التعامل مع القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة؟
يذهب أيت بلعربي إلى أن الفصل 132 من الدستور لم يحدد شكليات الإحالة بتفصيل دقيق، كما أن المادة 26 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية لم تضع، حسب قراءته، مسطرة تفصيلية لكيفية التعامل مع مثل هذا الإغفال.
ومن ثم، يطرح المحامي تساؤلا حول ما إذا كان بإمكان المحكمة أن تطلب من رئيس مجلس النواب استكمال الوثيقة الناقصة، أو أن تستحضر الصيغة النهائية للقانون، كما سبق أن فعلت في قضية قانون المسطرة المدنية.
ويكتسي هذا السؤال أهمية خاصة، لأن الأمر يتعلق بقانون ينظم مهنة تعتبر أحد المكونات الأساسية لمنظومة العدالة، في وقت يعيش فيه القطاع حالة من الاحتقان غير المسبوقة، بسبب الخلاف حول عدد من مقتضيات النص الجديد.
وبحسب أيت بلعربي، فإن انتظار البت الدستوري لم يكن مجرد مسألة إجرائية، بل ارتبط بشكل مباشر بالزمن القضائي والسياسي، وباستمرار حالة التوتر داخل المحاكم، وما يترتب عنها من انعكاسات على المتقاضين وعلى السير العادي لمرفق العدالة.
في قراءة المحامي، يبدو أن القانون 66.23 تحول إلى ما يشبه “الجمرة الحارقة” التي يتقاذفها مختلف الأطراف، بعدما أحاله رئيس مجلس النواب على المحكمة الدستورية في ظرف وجيز عقب المصادقة عليه من طرف مجلس المستشارين، في سياق احتقان مهني شديد.
غير أن قرار المحكمة الدستورية لم يدخل في جوهر المقتضيات التي أثارت اعتراضات المحامين، ولم يفصل في مدى مطابقتها للدستور، وإنما توقف عند مسألة شكلية مرتبطة بوثائق الإحالة.
وهذا ما يجعل الجدل مفتوحا حول مآل القانون، وحول مدى إمكانية إعادة إحالته على المحكمة الدستورية في ظروف جديدة.
قرار المحكمة الدستورية، بحسب القراءة التي يقدمها أيت بلعربي، لا يعني أن القانون أصبح بمنأى عن الرقابة الدستورية، وإنما يعني أن المحكمة لم تباشر فحص جوهر النص ولم تستنفذ، من هذه الزاوية، ولايتها بشأن مدى مطابقته للدستور.
وبالتالي، يظل الباب مفتوحا أمام إحالة جديدة، سواء من رئيس مجلس النواب أو من إحدى الجهات التي يمنحها الدستور والقانون التنظيمي للمحكمة الدستورية حق الإحالة.
كما يبرز في هذا السياق دور رئيس الحكومة، الذي يمكنه، وفق الشروط والآجال القانونية، أن يطلب البت في الإحالة بصورة مستعجلة.
وبذلك، لا يبدو أن قرار المحكمة الدستورية وضع نقطة النهاية في مسار القانون 66.23، بل قد يكون فتح فصلا جديدا من فصول الجدل حوله.
فبين خطأ في الإحالة، وقرار بعدم القدرة على البت، واحتجاجات مهنية مستمرة، يبقى السؤال الأكبر مطروحا: هل يتعلق الأمر بمجرد خلل إجرائي يمكن تداركه، أم أن القانون 66.23 أصبح بالفعل “جمرة حارقة” يتعين على مختلف المؤسسات إيجاد مخرج قانوني وسياسي لها قبل أن تطول تداعياتها مرفق العدالة والمتقاضين؟


