فريد جعى: التغير المناخي يهيئ ظروف اشتعال الغابات وإشراك الساكنة رهان أساسي لحماية الثروة الغابوية
-أجرى الحوار: عمر طويل-
في ظل تصاعد وتيرة حرائق الغابات بالمغرب، وما خلفته الحرائق الأخيرة بكل من غابة بنعطار بالقصيبة وغابة أنفك بأفورار بإقليم أزيلال من خسائر بيئية، تبرز الحاجة إلى قراءة علمية تفسر أسباب هذه الظاهرة وتستشرف سبل الحد من آثارها في سياق التغيرات المناخية والضغوط المتزايدة على المنظومات الغابوية.
وفي هذا الإطار، يسلط الأستاذ الجامعي والباحث في الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، الدكتور فريد جعى، أحد المتخصصين في قضايا البيئة والتدهور الغابوي بالمغرب، ولاسيما بمجالي الأطلس الكبير والأطلس المتوسط، الضوء على العوامل الطبيعية والمناخية والبشرية التي تقف وراء تزايد قابلية الغابات للاشتعال، وانعكاسات الحرائق على التوازنات الإيكولوجية، والتنوع البيولوجي، والتربة، والموارد المائية، إضافة إلى آثارها على التنمية المحلية.
ويقدم الدكتور جعى، من خلال هذا الحوار، قراءة علمية معمقة لمسار التدهور الغابوي بالمجالات الجبلية، مبرزًا أن التغيرات المناخية أصبحت عاملًا رئيسيًا في تهيئة الظروف الملائمة لاندلاع الحرائق، كما يدعو إلى الانتقال من منطق التدخل بعد وقوع الكارثة إلى استراتيجية استباقية تقوم على الوقاية، وتوظيف البحث العلمي والتكنولوجيا الحديثة، وتعزيز الحكامة التشاركية، بما يضمن حماية الثروة الغابوية واستدامة وظائفها البيئية والاقتصادية.
-شهدت المغرب خلال السنوات الأخيرة تزايدا ملحوظا في وتيرة حرائق الغابات، وكان لجهة بني ملال–خنيفرة نصيب منها، كما هو الحال مع حريقي غابة بنعطار بالقصيبة وغابة أنفك بجماعة أفورار. من منظور الجغرافيا الطبيعية، كيف تفسرون تزايد قابلية الغابات المغربية، وخاصة غابات الأطلس الكبير والمتوسط، لاندلاع الحرائق؟ وما مدى تداخل العوامل الطبيعية والمناخية والبشرية في إنتاج هذه الظاهرة؟
قبل الشروع في الجواب على هذه الأسئلة المتعلقة بالآثار السلبية للحرائق الغابوية على المنظومات البيئية بالأطلسين الكبير والمتوسط، أريد أن أشكر جريدة ملفات تادلا على هذا الحوار حول الحرائق الغابوية خلال فصل الصيف.
وقبل الجواب عن السؤال الأول، لا بد من التذكير من منظور بيئي، على أن المنظومة البيئية تتكون من عناصر حية تتمثل في: النبات والحيوان، يضيف إليها علماء البيئة، التربة على أساس أنها كائن حي، ثم عناصر لا حية أو لا أحيائية وهي: الماء والتضاريس والمناخ بكل عناصره، ووسط كل هذه العناصر المتفاعلة فيما بينها بتفاعلات معقدة، هناك الأنسان، بتأثيراته الإيجابية وخاصة السلبية.
يمكن القول إن أسباب الحرائق الغابوية، تتعدد بين عوامل طبيعية (الجفاف، ارتفاع الحرارة، الرياح) وعوامل بشرية (الإهمال، الحرق العمدي لتوسيع الأراضي الفلاحية أو الرعوية). أما تزايد قابلية اشتعال الغابة في العالم عامة، وفي الأطلسين الكبير والمتوسط خاصة، فيرجع إلى تدخل أكثر من عامل طبيعي أو مناخي أو بشري، حيث تتفاعل العوامل فيما بينها لتنتج “بيئة مواتية” للحرائق. يساهم الاحتباس الحراري، أي ارتفاع درجات الحرارة في تسريع عملية تبخر الماء من التربة والنباتات، وهو ما ينتج ما يعرف بـ”الوقود الجاف” (المادة النباتية الميتة والجافة) بكميات متزايدة. إضافة إلى رياح الشرقي الحارة والجافة في فصل الصيف، والتي تساهم في اشتعال وانتشار الحرائق.
وهناك كذلك طبيعة الغطاء النباتي، لأن غابات الأطلسين الكبير والمتوسط، تتميز بتنوع نباتي مهم أساسه أشجار البلوط والأرز والصنوبر والعرعار وأنواع شجيرية وعشبية عديدة ومتنوعة، تختلف في درجة قابليتها للاشتعال. كما أن العامل الطبوغرافي، الذي يتمثل في الانحدارات القوية المميزة للمناطق الجبلية، يساعد خاصة في انتشار الحرائق. كما يجب إضافة العامل البشري، الذي له دور في اشتعال الحرائق الغابوية، وإن كان غالبا عن دون قصد، وإنما بسبب التهور (تزايد الأنشطة القريبة من الغابة، السياحة، الإهمال…). وفي نظري، ومن زاوية تخصصي في الجغرافيا الطبيعية، أظن أن التغير المناخي، بات هو المحرك الأساسي الذي يهيئ شروط قابلية الاشتعال في الغابات الأطلسية الجبلية الحساسة.
بحكم اهتمامكم العلمي بقضايا التدهور الغابوي، كيف تقيمون انعكاسات حرائق الغابات على المجال الجبلي بالأطلس، سواء من حيث تدهور الغطاء النباتي، أو انجراف التربة، أو اختلال الدورة المائية، أو فقدان التنوع البيولوجي؟ وهل يمكن اعتبار هذه الحرائق عاملًا يسرّع وتيرة التصحر والهشاشة البيئية بالمناطق الجبلية.
يتميز المجال الجبلي بالأطلس (الأطلس الكبير، والمتوسط) بخصوصية ايكولوجية متميزة، لذلك فإن الحرائق لا تسبب فقط خسارة آنية في الغطاء النباتي، بل تُطلق سلسلة من التفاعلات المتشابكة التي تفضي إلى تدهور بنيوي يصعب عكسه (ما يعرف بالسلاسل البيئية التراجعية). ويمكن إذن، تفكيك هذه الانعكاسات إلى النتائج التالية: – تدهور الغطاء النباتي: بحيث أن النظم الغابوية الجبلية بالأطلس (الأرز، والبلوط الأخضر، والعرعار بأنواعه، والصنوبر الحلبي …)، تتميز ببطء النمو ودورات تجدد طويلة نسبيا. فالحريق لا يقضي فقط على الطبقة الشجرية، بل يُتلف بنك البذور الموجود في التربة والطبقة التي تُغذي التجدد الطبيعي (التجدد الطبيعي للأرز أو البلوط). ثم نجد انجراف التربة: وهو أخطر انعكاس للحرائق في المناطق الجبلية تحديدا، لأن الانحدارات الشديدة بهذه المناطق، تترك التربة معرضة بشكل كبير للتعرية المائية، بعد زوال الغطاء النباتي الحامي. وبسبب الرماد الناتج عن الحرائق، ترتفع درجة الحموضة، وتتغير التوازنات الكيميائية للتربة. ورغم تزايد العناصر المغذية ظرفيا بعد الحريق، لكنها سرعان ما تُفقد عبر الجريان السطحي والانجراف، بسبب التساقطات المطرية خاصة الرعدية، وبالتالي، فقدان التربة من المنحدرات العارية من الأطلس، أحيانا بشكل لا رجعي.
إضافة إلى هذا، هناك انعكاس خطير كذلك، يتجلى في اختلال الدورة المائية: بعد اختفاء الغطاء الغابوي، تتقلص قدرة التربة على التراشح والاحتفاظ بالمياه، وهو ما يحول الأمطار، خاصة عندما تكون غزيرة ومتقطعة، إلى جريان سطحي سريع عوض أن تغذي هذه المياه الفرشة المائية الجوفية. كما ينتج عن هذه العمليات، ترسب الطمي المُنجرف في السدود والمجاري المائية، ويُقلص من طاقتها التخزينية.
ومما لاشك فيه، أن الحرائق الغابوية بجبال الأطلس تسبب أيضا، فقدان التنوع البيولوجي، حيث أن هذه الجبال تحتوي على أنواع نباتية وحيوانية مستوطنة لا توجد إلا فيها، مثل أرز الأطلس وبعض الثدييات والطيور المرتبطة بالغابات. إذن، الحرائق تُدمر المساكن (الموائل) الحيوانية والنباتية، وتجعل قدرتها على التبادل الجيني والتكيف ضعيفة، خاصة بالنسبة للأنواع بطيئة الانتشار وقليلة العدد أصلا. كما أن الحرائق، تسرع وتيرة التصحر والهشاشة البيئية في المناطق الجبلية الأطلسية، لأن التصحر ليس هو بالضرورة زحف الرمال، بل يعني عدم قدرة الأرض على الإنتاج البيولوجي فوق تربة وغطاء نباتي متدهورين. فالحريق يعمل عبر آلية تراكمية: إتلاف الغطاء النباتي ← تعرية التربة ← فقدان الخصوبة ← صعوبة التجدد الطبيعي ← تربة عارية أكثر عرضة للحريق التالي وللانجراف. بعبارة أخرى، الحريق نفسه ليس سببا وحيدا للتصحر، لكنه نقطة تحول في مسار تراجعي، يصعب الرجوع عنه دون تدخل بشري (إعادة تشجير موجهة، تثبيت المنحدرات، تقنين الرعي)، خاصة إذا تكررت الحرائق بوتيرة أسرع من قدرة النظام على التجدد الذاتي.
تتميز غابات الأطلس بأدوارها الحيوية في تحقيق التوازنات البيئية وتوفير موارد اقتصادية وسياحية لفائدة الساكنة المحلية. إلى أي حد تؤثر الحرائق المتكررة في هذه الوظائف؟ وكيف يمكن التوفيق بين استغلال المجال الغابوي، وحماية موارده الطبيعية، وضمان تنمية مجالية مستدامة تراعي خصوصيات المناطق الجبلية؟
تشكل الغابات في المجال الأطلسي (الأطلس المتوسط والأطلس الكبير أساسا)، رصيدا طبيعيا واقتصاديا واجتماعيا بالغ الأهمية، إذ تؤدي وظائف بيئية (مثلا المساهمة في التوازن المناخي…) واقتصادية (توفير موارد ومنتجات خشبية وخلق فرص الشغل …) وسياحية (السياحة البيئية ودعم الاقتصاد المحلي). إذن، الحرائق تسبب أضرارا بالغة ومتعددة بهذه الأدوار الحيوية منها، تراجع المساحات الغابوية وفقدان أنواع نباتية وحيوانية نادرة، وتسريع وتيرة انجراف التربة وتراجع خصوبتها، واختلال التوازن المائي، إضافة الى خسائر اقتصادية مباشرة وغير مباشرة، مع تفاقم هشاشة الساكنة المحلية التي تعتمد على الغابة، كمورد عيش أساسي.
فيما يخص التوفيق بين الاستغلال الغابوي والحماية وضمان تنمية مستدامة، من الضروري، إشراك الساكنة المحلية في تدبير الموارد الغابوية، وتقوية الوقاية من الحرائق عبر تجهيز مسالك النجدة، وإحداث نقط المراقبة، واستعمال التكنولوجيا الحديثة (الاستشعار عن بعد) للرصد المبكر. إضافة الى عملية في غاية الأهمية، تتمثل في التشجير وإعادة التشجير بأنواع مقاومة للجفاف وملائمة للمناخ المحلي. كذلك، تنويع مصادر دخل الساكنة الجبلية، مع مراعاة الخصوصيات الجبلية، وكذا تفعيل الإطار القانوني والمؤسساتي، بتقوية دور المؤسسة المكلفة بحماية الملك الغابوي.
في ظل التحديات التي تفرضها التغيرات المناخية وتزايد الضغوط على المنظومات الغابوية، ما المقاربة التي ترونها أكثر نجاعة للانتقال من التدبير الظرفي لحرائق الغابات إلى استراتيجية استباقية ومستدامة؟ وما الأدوار التي ينبغي أن تضطلع بها الدولة، والجامعات، ومؤسسات البحث العلمي، والجماعات الترابية، والساكنة المحلية، من أجل حماية الغابات المغربية والحفاظ على استدامتها؟
يطرح هذا السؤال إشكالية مهمة وهي كيفية الانتقال من منطق “إخماد الحريق” إلى منطق “الوقاية من الحريق”؟ لذلك، فان المقاربة الأنجع للإجابة عن هذه الإشكالية، هي مقاربة “السلسلة المتكاملة للمخاطر”، التي تشتغل على أربع مراحل متزامنة، بدل التركيز فقط على مرحلة التدخل: الوقاية قبل الحريق، عن طريق رسم خرائط المخاطر الديناميكية اعتمادا على الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد، وهو ما بدأ المغرب فعلا في اعتماده لتحديد المناطق الأكثر عرضة لاندلاع الحرائق. تدبير الوقود الغابوي عبر التشجير المتنوع، مع فتح المسالك الغابوية وقنوات قطع استمرار الوقود النباتي. هناك كذلك، الكشف والإنذار المبكرين، عبر تعزيز شبكات الرصد (حراس الغابة والتقنيات الحديثة…) لتقليص زمن الاكتشاف من ساعات إلى دقائق. ثم التدخل السريع والمنسق، حيث أن المغرب راكم تجربة مهمة عبر استعمال الطائرات Canadairs والمسيرات، واقتناء طائرات بدون طيار، في عمليات إخماد الحرائق.
أما بعد الحريق، على المسؤولين القيام بعمليات الترميم البيئي، عبر إعادة التشجير بأنواع مقاومة للجفاف والحرائق، ومتابعة تجدد التربة والتنوع البيولوجي. ولبلوغ هذه الأهداف، شرع المغرب في تغيير الإطار القانوني والمؤسساتي وتبني استراتيجية “غابات المغرب 2020-2030″، التي أطلقها الملك محمد السادس سنة 2020، مع إحداث وكالة المياه والغابات المكلفة بالإدارة السيادية للملك الغابوي، ووكالة المحافظة على الطبيعة، المكلفة بتدبير المنتزهات الوطنية، مع ملاءمة الإطار القانوني، وتأهيل الموارد البشرية، وإحداث قطب للبحث والتكوين. كما ترتكز هذه الاستراتيجية، على توزيع الأدوار بين الفاعلين والدولة، عبر بلورة سياسة عمومية مندمجة، تربط التدبير الغابوي بالسياسات المناخية والفلاحية والمجالية (لا كقطاع معزول)، و سنّ إطار تشريعي رادع ضد أسباب الحرائق البشرية. إضافة الى هذه التدابير، يبقى دور الجامعات ومؤسسات البحث العلمي حاسما، ويتجلى في تطوير نماذج تنبؤية مناخية-غابوية محلية (استعمال النمذجة)، وإنجاز بحوث متطورة حول الأصناف النباتية التي تقاوم الجفاف والحرائق وتلائم التشجير. كذلك، من اللازم إشراك الجماعات الترابية، وحثها على إدماج المخاطر الغابوية في وثائق التعمير ومخططات التنمية الجماعية. ولا يجب أن ننسى الحلقة الأهم والأكثر إهمالا تاريخيا في المقاربات الظرفية، وهي الساكنة المحلية التي تتجلى أدوارها في المشاركة في المراقبة اليومية، مع جعلها تستفيد من التدبير التشاركي للموارد الغابوية، كحافز اقتصادي لحماية الغابة. وأظن أن هذا هو المحور، الذي يجب أن تراهن عليه الاستراتيجية الوطنية، من خلال إرساء حكامة تشاركية، تجعل الساكنة المجاورة للغابات شريكا أساسيا في حماية هذا الموروث الطبيعي، من خلال إشراكها في تدبير الموارد الغابوية وتعزيز مساهمتها في التنمية المحلية.
في النهاية وللتذكير فقط، عدد الحرائق الغابوية بالأطلسين الكبير والمتوسط، أقل بكثير من الحرائق بالريف وشمال المغرب، وهذا يحتاج الى أبحاث علمية دقيقة، لمعرفة أسباب هذه المفارقة.
وأخيرا، أريد أشكركم على هذا الحوار، وأتمنى أن أكون أحطت بكل جوانبه وشكرا.

