العمل الاجتماعي بين علم النفس وعلم الاجتماع: أزمة الأدوات أم أزمة الهوية؟

أسامة البحري*

يقوم التدخل الاجتماعي، في كثير من الأدبيات في العمل الاجتماعي، على تصور نظري فيدرالي يستفيد من معارف متعددة، إذ يستند إلى علم الاجتماع، وعلم النفس، والأنثروبولوجيا، والقانون، والاقتصاد، وغيرها من العلوم الإنسانية والاجتماعية. ويستند هذا التوجه إلى اعتبار أن المشكلات الاجتماعية تتسم بالتعقيد وتداخل الأبعاد، وهو ما دفع عددا من الباحثين إلى الدفاع عن تبني مقاربة متعددة التخصصات، انسجاما مع الفكر المركب كما صاغه إدغار موران.

ولا يبدو هذا التوجه مستغربا إذا ما عدنا إلى الخلفيات العلمية لمنظري العمل الاجتماعي، إذ ينتمي كثير منهم إلى تخصصات مختلفة، كالقانون، والاقتصاد، وعلم النفس، وعلم النفس الاجتماعي.

وهذا ما يطرح إشكالا إبستمولوجيا أساسيا يتمثل في السؤال الآتي: ما العمل الاجتماعي؟ فإذا كان المفهوم المركزي الذي يؤسس هذا الحقل هو “الاجتماعي”، أفلا تكون مرجعيته العلمية الأولى هي علم الاجتماع والأنثروبولوجيا؟ وهل يمكن لتخصص علمي أن يبني هويته على مرجعية فدرالية متعددة، أم أن كل تخصص يحتاج إلى مرجعية علمية واضحة تمنحه وحدته المعرفية؟ ثم ألا تكشف هذه المرجعية الهجينة عن صعوبة في تحديد موضوع العمل الاجتماعي وحدوده العلمية؟ وإذا كان منظرو العلوم يتفقون على أن كل تخصص يقوم على مرجعية علمية محددة، فهل يعبر تبني العمل الاجتماعي لمرجعيات متعددة عن إشكال في الأساس الإبستمولوجي الذي يقوم عليه هذا الحقل؟

1-من الفهم السوسيولوجي إلى الممارسة المهنية

من خلال ما سلف يظهر جليا لماذا يميل عدد من الأخصائيين الاجتماعيين إلى متابعة تكوينهم في علم النفس أكثر من علم الاجتماع أو الأنثروبولوجيا. ولا يعود ذلك إلى تفوق علم النفس بوصفه مرجعية للعمل الاجتماعي، وإنما إلى أن علم النفس استطاع، عبر مساره التاريخي، تطوير نماذج تطبيقية وأدوات للتشخيص والتقويم والتدخل أصبحت جاهزة للاستعمال داخل الممارسة المهنية. أما علم الاجتماع، ورغم ما راكمه من ثراء نظري ومفاهيمي في تفسير الظواهر الاجتماعية، فقد ظل اهتمامه موجها بدرجة أكبر إلى إنتاج المعرفة العلمية وفهم المجتمع وآلياته، دون أن يصاحب ذلك بالقدر نفسه بناء أدوات تطبيقية قابلة للتوظيف في الممارسة اليومية، فالمعرفة النظرية كعلم النفس موجودة لكن الاختلاف في الأجرأة التطبيقية.

وبهذا فإن لجوء بعض الأخصائيين الاجتماعيين إلى الاستفادة من الأدوات التي طورها علم النفس لا ينبغي أن يفهم باعتباره انتقالا في المرجعية العلمية للعمل الاجتماعي، بل بوصفه ازمة واشكالا ومؤشرا على الحاجة الملحة إلى تطوير أدوات مهنية تنطلق من المرجعية السوسيولوجية والأنثروبولوجية نفسها.، وأن انفتاح ااعمل الاجتماعي على مرجعيات متعددة هو في الاصل ترميق، اولذلك فان الاشكال لا يكمن في استيراد أدوات من حقول أخرى، وإنما في تحويل المفاهيم والنظريات التي راكمتها العلوم الاجتماعية إلى نماذج للتشخيص الاجتماعي، وآليات للتدخل، ومؤشرات لتقويم الممارسة، بما يحافظ على الهوية العلمية للعمل الاجتماعي ويعزز استقلاله المعرفي والمهني.

لقد أنتج علم الاجتماع، إلى جانب الأنثروبولوجيا، ثروة معرفية ومفاهيمية هائلة لفهم المجتمع والعلاقات الاجتماعية وآليات إنتاج المشكلات الاجتماعية وإعادة إنتاجها. فقد أسهمت السوسيولوجيا في تفسير الفقر والإقصاء والانحراف والعنف والوصم والتهميش والتفكك الاجتماعي، كما قدمت الأنثروبولوجيا فهما عميقا للثقافة والرموز وأنماط العيش وتمثلات الأفراد والجماعات. ولذلك تشكل هاتان المرجعيتان الأساس العلمي الذي يمنح العمل الاجتماعي هويته ويحدد موضوعه ومنهجه، وتبينان ان للمشكل تفسيرا اجتماعيا غاية في الأهمية.

وهذا ما اسس له إميل دوركهايم، الذي بين في كتابه “الانتحار” أن الانتحار لا يمكن تفسيرها تفسيرا نفسيا فقط بل هناك هناك تفسير غاية في الأهمية وهو الاجتماعي وقد شكل هذا التحليل منعطفا أساسيا في الفكر السوسيولوجي، لأنه نقل تفسير المشكلة من حدود الفرد إلى البنيات والعلاقات الاجتماعية التي تنتجها. وينطبق الأمر نفسه على العديد من القضايا التي يتعامل معها العمل الاجتماعي، إذ لا يمكن فهمها من خلال خصائص الأفراد وحدها، بل ينبغي تحليلها في ضوء أوضاع الأسرة، وشبكات العلاقات، والمؤسسات، والثقافة، والسياسات العمومية، والبنيات الاقتصادية والاجتماعية.

فمثلا، إذا تعاملنا مع الوصم الاجتماعي انطلاقا من تصور يختزله في ضعف ثقة الفرد بنفسه أو في عدم قدرته على مواجهة الآخرين، فإننا نغفل مقاربة بالغة الأهمية، هي المقاربة السوسيولوجية، التي تبين أن الوصم الاجتماعي سابق على الفرد نفسه، وأنه ينتج داخل المجتمع من خلال التمثلات الاجتماعية والصور النمطية والتفاعلات والمؤسسات. وعندما ندرك ذلك، يصبح واضحا أن المسؤولية لا ينبغي أن تلقى على عاتق الفرد وحده، بل هي مسؤولية المجتمع بمختلف فاعليه ومؤسساته. أما إذا اختزلنا الوصم في الفرد، فإننا نطالبه بمواجهة صورة نمطية جماعية أكبر من قدرته الفردية، وهو ما قد يعمق من شعوره بالإقصاء والوصم. بينما يسمح الوعي بالطبيعة الاجتماعية للوصم بإعادة توجيه التدخل نحو تغيير البيئة الاجتماعية، وتحسيس الأسرة، والفاعلين، والمؤسسات، وصناع القرار، بأن معالجة الوصم لا تتم عبر تغيير الفرد وحده، وإنما أيضا عبر تغيير الشروط الاجتماعية التي تنتجه وتعيد إنتاجه.

وتكشف هذه الحالة أن قوة السوسيولوجيا لا تكمن فقط في تفسير المشكلات الاجتماعية، بل في إعادة تحديد موضع التدخل نفسه؛ فبدل اختزال المشكلة في الفرد، تدفع الأخصائي الاجتماعي إلى تحليل العلاقات والبنيات والتمثلات التي أسهمت في إنتاجها، وهو ما ينسجم مع طبيعة العمل الاجتماعي بوصفه ممارسة تستهدف الإنسان داخل محيطه الاجتماعي.

وينطبق ذلك أيضا على مفاهيم سوسيولوجية أساسية مثل الأنوميا، والرابط الاجتماعي، والاستبعاد الاجتماعي، والوصم الاجتماعي، والعنف الرمزي، والهابيتوس، وإعادة الإنتاج الاجتماعي، والاستراتيجيات الاجتماعية. فهذه المفاهيم لا تمثل مجرد أدوات نظرية، بل توفر إطارا علميا يمكن أن يؤسس لتشخيص اجتماعي أكثر دقة ولمداخل تدخل أكثر ارتباطا بالواقع الاجتماعي. غير أن هذا الإمكان لا يزال في حاجة إلى تطوير نماذج مهنية تجعل هذه المفاهيم قابلة للتوظيف داخل الممارسة اليومية.

ومن ثم، فإن التحدي الذي يواجه العمل الاجتماعي لا يتمثل في البحث عن مرجعيات بديلة، وإنما في إعادة الاستثمار المهني للرصيد الذي راكمه علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، وتحويله إلى أدوات ومناهج للتشخيص والتدخل والتقويم. فكلما استطاع العمل الاجتماعي إنتاج أدواته انطلاقا من مرجعيته العلمية، ازدادت استقلاليته بوصفه حقلا معرفيا ومهنيا، وترسخت هويته داخل منظومة العلوم الاجتماعية، ولعل هذا ما بينه الباحث في العمل الاجتماعي باسكال ليافر في كتابه دليل أسس البحث في العمل الاجتماعي، والذي يقول “البحث في العمل الاجتماعي ليس بحثا ضعيفا مقارنة بالعلوم الاجتماعية، كما أن البحث في العلوم الاجتماعية لا يكفي وحده لإنتاج معرفة صالحة للممارسة المهنية. فالعلاقة بينهما تقوم على التكامل، تماما كما تتكامل معرفة الفيزيائي مع معرفة المهندس؛ إذ تنتج الأولى الفهم النظري، بينما تعمل الثانية على تحويل هذا الفهم إلى تطبيقات عملية. ص: 19 ”

2-نحو بناء أدوات تدخل سوسيولوجية: تجربة غوفمان والعمل الاجتماعي

من بين الأعمال المعاصرة التي سعت إلى ردم الفجوة بين المعرفة السوسيولوجية والممارسة المهنية، يبرز المؤلف الجماعي “Erving Goffman et le travail social”، الصادر عن مطبوعات جامعة أوتاوا بإشراف ستيفاني غارنو وداليا ناميان. وتنبع أهمية هذا العمل من كونه يقدم نماذج تطبيقية توضح كيف يمكن للمفاهيم السوسيولوجية أن تتحول إلى موارد مهنية تساعد الأخصائي الاجتماعي في فهم الحالات وبناء تدخلاته.

ومن الأمثلة التي يقدمها الكتاب الدراسة الإثنوغرافية للباحثة Katharine Larose-Hébert حول سياسات إخراج المرضى النفسيين من المؤسسات الإيوائية إلى المجتمع المحلي في مقاطعة كيبيك. وتبين الدراسة أن الانتقال من المؤسسة إلى المجتمع لا يعني بالضرورة التحرر من آثار المؤسسة، لأن الأفراد قد يظلون خاضعين لأشكال مختلفة من الضبط الاجتماعي والمؤسساتي، سواء من خلال القوانين أو التصنيفات أو الممارسات المهنية أو نظرة المجتمع إليهم.

وفي هذا السياق، يصبح مفهوم “المسار” عند إرفينغ غوفمان أداة تحليلية ذات قيمة مهنية؛ إذ يدعو الأخصائي الاجتماعي إلى فهم التاريخ الاجتماعي والمؤسساتي للحالة، وليس الاكتفاء بوصف وضعها الراهن. فطريقة التشخيص، ومسار العلاج، والعلاقة بالمؤسسات، وتجارب الوصم، كلها عناصر تشكل هوية الفرد وتؤثر في قدرته على الاندماج واستعادة استقلاليته.

ويستفيد التدخل الاجتماعي من هذا المنظور عندما يدمج مفهوم “المسار” في عملية التشخيص الاجتماعي، لأنه يساعد على فهم كيفية تشكل الصعوبات الحالية، كما يدعم بناء علاقة مهنية أكثر تشاركية، تقوم على الاعتراف بخبرة الشخص ومساره، بدل اختزاله في تشخيص أو تصنيف إداري.

ويقدم الكتاب أيضا تطبيقا آخر في دراسة Pierre Pariseau-Legault وDave Holmes حول الحياة العاطفية والجنسية للأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية. وينتقد الباحثان الممارسات التي تعيد إنتاج الوصاية المؤسسية خارج أسوار المؤسسات، حيث تستمر أشكال المراقبة والضبط حتى بعد انتقال الأشخاص إلى العيش داخل المجتمع.

وانطلاقا من التصور الغوفماني، يدعو الباحثان إلى إعادة بناء المجال الخاص للأشخاص في وضعية إعاقة، بما يضمن احترام استقلاليتهم وحقهم في بناء علاقاتهم الإنسانية والعاطفية، مع توفير الدعم والحماية عند الحاجة، دون تحويل الحماية إلى وصاية دائمة. وهنا يتحول المفهوم السوسيولوجي إلى أداة مهنية تساعد الأخصائي الاجتماعي على إعادة النظر في طبيعة العلاقة التي يقيمها مع المستفيدين من خدماته.

وتبين هذه النماذج أن السوسيولوجيا ليست عاجزة عن الإسهام في الممارسة المهنية، بل إن التحدي الحقيقي يتمثل في تطوير آليات منهجية قادرة على تحويل مفاهيمها ونظرياتها إلى أدوات للتشخيص الاجتماعي والتدخل والتقويم، دون فقدان عمقها التفسيري.

إذا كان العمل الاجتماعي يطمح إلى ترسيخ مكانته باعتباره حقلا علميا وممارسة مهنية مستقلة، فإن ذلك لن يتحقق بتجميع معارف متفرقة أو بالاعتماد على أدوات طورت داخل حقول أخرى، وإنما بالحسم في مرجعيته العلمية. فالتخصصات لا تكتسب هويتها من تعدد العلوم التي تستفيد منها، بل من وضوح الموضوع الذي تدرسه، والمرجعية التي تؤطره، والأدوات التي تنتجها انطلاقا من هذه المرجعية.

ومن هذا المنطلق، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يوظف العمل الاجتماعي أدوات علم النفس؟ بل: لماذا لم يتمكن علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، رغم ما راكماه من ثراء نظري ومفاهيمي، من تحويل جزء أكبر من هذا الرصيد إلى أدوات مهنية للتشخيص والتدخل والتقويم؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تمثل مدخلا لإعادة بناء العمل الاجتماعي على أسس أكثر تماسكا، وتجعل من أزمة الأدوات نتيجة لأزمة أعمق تتعلق بالهوية والمرجعية.

وعليه، فإن مستقبل العمل الاجتماعي لن يصنعه استيراد مزيد من الأدوات، بل بناء أدواته الخاصة انطلاقا من المرجعية السوسيولوجية والأنثروبولوجية التي تنسجم مع موضوعه، وتمنحه استقلاله العلمي وتميزه المهني. وعندما تتحول المعرفة السوسيولوجية من تفسير للواقع إلى قوة موجهة للممارسة، يصبح العمل الاجتماعي أكثر قدرة على فهم المشكلات الاجتماعية والتدخل فيها من جذورها، لا من أعراضها فقط. عندئذ فقط، يمكن القول إن العمل الاجتماعي قد تجاوز أزمة الأدوات، لأنه حسم أولا أزمة الهوية.

*طالب باحث بماستر العمل الاجتماعي جامعة السلطان مولاي سليمان بني ملال




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...