-عمر طويل-
مع حلول فصل الصيف، تتحول الشواطئ والحدائق والساحات العمومية إلى وجهة رئيسية لآلاف الأسر الباحثة عن الاستجمام وقضاء أوقات الفراغ. غير أن هذا الإقبال الكبير يرافقه، في عدد من المدن والجماعات، بروز مظاهر وسلوكات تسيء إلى الفضاءات العمومية، من قبيل احتلال الملك العام دون سند قانوني، ورمي النفايات، والاستغلال غير المنظم للشواطئ، وانتشار مواقف عشوائية للسيارات، فضلا عن شكاوى متكررة من ممارسات بعض حراس السيارات غير المرخص لهم.
لا يعاني المغرب من فراغ تشريعي في مجال حماية الفضاءات العمومية، إذ تتوزع الاختصاصات بين عدة نصوص قانونية وتنظيمية تحدد مسؤوليات مختلف المتدخلين، غير أن الإشكال المطروح، بحسب عدد من المتابعين، يكمن في تفعيل هذه المقتضيات على أرض الواقع، وضمان التنسيق بين المؤسسات المعنية.
فالفضاءات العمومية تعد جزء من الملك العام، الذي يتمتع بحماية قانونية، ولا يجوز استغلاله إلا وفق الضوابط والإجراءات المنصوص عليها قانونا، بما يضمن المساواة بين المواطنين ويحافظ على المصلحة العامة.
يمنح القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات اختصاصات واسعة للمجالس الجماعية في مجال تدبير الشأن المحلي، وفي مقدمتها تدبير المرافق العمومية والمحافظة على نظافة الشوارع والساحات والحدائق والأسواق، وتنظيم استغلال الملك العمومي الجماعي.
وتتولى الجماعات إصدار التراخيص المتعلقة بالاحتلال المؤقت للملك العام، وفق شروط قانونية محددة، كما تشرف على تدبير خدمات النظافة وجمع النفايات، وصيانة المرافق العمومية، وإحداث التجهيزات الضرورية لاستقبال المرتفقين، خاصة خلال الموسم الصيفي الذي يعرف ضغطًا متزايدًا على الشواطئ والمنتزهات.
ويرى متخصصون في تدبير الشأن المحلي أن فعالية الجماعات لا تقاس فقط بإصدار التراخيص أو تنظيم الحملات الموسمية، وإنما بقدرتها على وضع تصور استباقي لتدبير الفضاءات العمومية، وتوفير الإمكانيات البشرية واللوجستية الكفيلة بضمان استمرارية المراقبة.
إلى جانب الجماعات، تضطلع السلطات المحلية، ممثلة في الولاة والعمال والباشوات والقياد، بدور محوري في الحفاظ على النظام العام، باعتباره يشمل الأمن والسكينة والصحة العامة.
وتسهر هذه السلطات على تنسيق تدخلات مختلف المصالح، والإشراف على اللجان المختلطة المكلفة بمراقبة احتلال الملك العمومي، وتحرير الفضاءات العمومية من مختلف أشكال الاستغلال غير القانوني، فضلا عن اتخاذ التدابير التنظيمية الكفيلة بضمان سلامة المواطنين خلال فترات الذروة السياحية.
كما تتولى مصالح الأمن الوطني داخل المجال الحضري، والدرك الملكي بالمجال القروي وبعض المناطق الساحلية، مسؤولية تطبيق القانون والتدخل كلما تعلق الأمر بأفعال تشكل جرائم أو مخالفات تمس النظام العام.
وتشمل هذه الاختصاصات التصدي لحالات الابتزاز التي قد يتعرض لها المواطنون من طرف أشخاص يمارسون حراسة السيارات دون سند قانوني، والتدخل في حالات العنف أو الاعتداءات التي قد تعرفها الفضاءات العمومية، فضلاً عن تحرير المحاضر وإحالة المخالفين على النيابة العامة عند الاقتضاء.
تعتبر شرطة النظافة أو أعوان المراقبة الجماعية من الآليات الميدانية التي تعتمدها الجماعات لمراقبة احترام قواعد النظافة والمحافظة على الفضاءات العمومية.
ويقوم هؤلاء الأعوان بمعاينة المخالفات المتعلقة بإلقاء النفايات، أو تخريب التجهيزات العمومية، أو مخالفة القرارات التنظيمية المحلية، مع تحرير المحاضر في حدود الاختصاصات المخولة لهم.
غير أن عددا من الجماعات ما يزال يواجه خصاصا في الموارد البشرية والإمكانات اللوجستية، الأمر الذي يحد من فعالية المراقبة اليومية، خاصة خلال فصل الصيف الذي يتضاعف فيه عدد مرتادي الشواطئ والمنتزهات.
بدوره يشكل القضاء الحلقة الأخيرة في منظومة حماية الملك العام، من خلال البت في المخالفات والجرائم المعروضة عليه، وتطبيق العقوبات المنصوص عليها في التشريعات الجاري بها العمل.
وتكتسي سرعة معالجة الملفات المرتبطة بالاعتداء على الملك العمومي أو الابتزاز أو الإضرار بالمرافق العامة أهمية خاصة في تحقيق الردع، وترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون.
ورغم أهمية الأدوار المؤسساتية، فإن نجاح أي سياسة لحماية الفضاءات العمومية يظل مرتبطًا بسلوك المواطن نفسه، فرمي النفايات، وإتلاف التجهيزات، واحتلال الأرصفة، وإزعاج المصطافين، وعدم احترام التعليمات التنظيمية، كلها ممارسات لا يمكن معالجتها فقط بالمراقبة والعقوبات، بل تحتاج إلى ترسيخ ثقافة المواطنة، وتعزيز التربية على احترام الملك العام منذ المراحل الأولى للتنشئة.
ويرى خبراء في علم الاجتماع أن حماية الفضاء العمومي تبدأ من الأسرة والمدرسة، وتتطلب انخراط وسائل الإعلام والمؤسسات التربوية والجمعيات في نشر ثقافة احترام القانون والمحافظة على الممتلكات المشتركة.
وتجمع مختلف التجارب الناجحة، داخل المغرب وخارجه، على أن تدبير الفضاءات العمومية لا ينجح إلا من خلال تنسيق فعلي بين الجماعات الترابية، والسلطات المحلية، والأجهزة الأمنية، ومصالح النظافة، والسلطات القضائية، إلى جانب مساهمة المجتمع المدني والقطاع الخاص.
فكلما كان التنسيق محكما، والاختصاصات واضحة، والمراقبة مستمرة، تراجعت مظاهر الفوضى، وتحسنت جودة الخدمات، وتعززت ثقة المواطنين في المؤسسات.

