أسامة البحري: رمي الأزبال في الشارع صيفا: نحو مقاربة سوسيو- بيئية للتدخل الاجتماعي

-أسامة بحري*

يشهد حلول فصل الصيف تحولا في ديمغرافية المدن المغربية، لاسيما الساحلية منها، حيث تعرف كثافة سكانية متزايدة نتيجة إقبال المصطافين والسياح على الشواطئ، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع حجم النفايات الناتجة عن أنماط الاستهلاك السريع، مما يضع تدبير النفايات أمام ضغط موسمي يكشف من جهة عن اختلالات بنيوية، ومن جهة أخرى عن ممارسات سلوكية مرتبطة بطريقة تعامل الأفراد مع الفضاء العام. ومن منظور سوسيولوجي، لا يمكن فهم هذه السلوكات بمعزل عن السياقات الاجتماعية والمؤسساتية التي تنتجها. وانطلاقا من ذلك، يسعى هذا المقال إلى التفكير في إشكالية استمرار رمي الأزبال في الفضاء العام خلال فصل الصيف، كما يهدف إلى إبراز دور العمل الاجتماعي وهندسة التنمية الاجتماعية في بناء تدخلات بيئية أكثر فعالية.

-قراءة في الدراسات السوسيولوجية المفسرة لظاهرة رمي الأزبال في الشارع المغربي صيفا:

ترتبط ظاهرة رمي الأزبال في الشارع خلال فصل الصيف بتفاعل سوسيولوجي معقد بين العامل الفردي، والمعايير الاجتماعية، والسياسات العمومية، إذ لا يظهر هذا السلوك من فراغ، بل ينتج داخل بناء اجتماعي تتداخل فيه مجموعة من العوامل المرتبطة بالسياق المادي والمؤسساتي والثقافي. فطريقة تعامل الأفراد مع الفضاء العام تتأثر بدرجة تنظيم المجال الحضري، ومستوى جودة الخدمات، وطبيعة القواعد الاجتماعية السائدة. وانطلاقا من هذا التصور، يمكن فهم رمي الأزبال باعتباره سلوكا اجتماعيا يتشكل داخل شروط معينة وليس مجرد اختيار فردي معزول.

وفي هذا السياق، توصلت الدراسة التي أنجزها “إدريس الحمدوني”، و”عادل الطواهرية”، و”مصطفى الخمليشي”، والمنشورة سنة 2018 في مجلة European Scientific Journal تحت عنوان Sustainable Management of Household Garbage – Status of Citizens Behavior and Participation: A Case Study of Khenifra Region – Morocco، إلى وجود علاقة وثيقة بين جودة خدمات تدبير النفايات وسلوك المواطنين. فقد بينت أن سوء توزيع الحاويات، وعدم انتظام عمليات جمع النفايات، وامتلاء الحاويات خلال فترات الذروة، كلها عوامل تساهم في دفع الأفراد إلى التخلص من نفاياتهم خارج الأماكن المخصصة لها. وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة خلال فصل الصيف، حيث يؤدي ارتفاع الاستهلاك والأنشطة السياحية والترفيهية إلى زيادة الضغط على منظومة تدبير النفايات، مما يجعل الرمي العشوائي مرتبطا بقدرة الجماعات الترابية على تدبير الضغط الموسمي، وليس فقط بمستوى الوعي الفردي. كما أوضحت الدراسة أن المشاركة المواطنة في الحفاظ على نظافة المجال العام تظل محدودة عندما يشعر السكان بأن المؤسسات لا تؤدي أدوارها بالشكل المطلوب، وهو ما يؤثر في مستوى الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة.

وتتقاطع هذه النتائج مع ما خلصت إليه دراسة Sagebiel وزملائه المنشورة سنة 2019 في مجلة Environmental Science & Policy بعنوان The Impact of Social Norms and Physical Interventions on Waste Management Behavior : The Case of Berlin، والتي أكدت أن السلوك البيئي يتأثر بشكل كبير بالمعايير الاجتماعية السائدة داخل الفضاء العام. فوجود الأزبال في الشارع قد ينتج إحساسا ضمنيا بأن هذا السلوك أصبح مقبولا اجتماعيا، مما يؤدي إلى إضعاف المسؤولية الفردية وتحول الرمي العشوائي إلى ممارسة جماعية يعيد الأفراد إنتاجها. ويكشف هذا المعطى أن نظافة المجال الحضري ليست فقط نتيجة للسلوك الفردي، بل إنها أيضا عنصر يؤثر في تشكيل هذا السلوك؛ فالفضاء النظيف يعزز الإحساس بوجود قاعدة اجتماعية ترفض الرمي العشوائي، بينما يؤدي تراكم النفايات إلى إنتاج ما يمكن تسميته بالمعيار الاجتماعي السلبي، حيث يصبح السلوك المخالف أكثر قابلية للانتشار.

وفي السياق نفسه، أظهرت دراسة عائشة الطواهرية حول Perceived Behavioral Control and Community Engagement in Solid Waste Management in Morocco (2021)، ودراسة محمد العلمي وأحمد شايط حول Local Governance and Civil Society Participation in Waste Management : The Case of Marrakech (2022)، أن الالتزام بالسلوك البيئي يرتبط بمدى شعور الأفراد بقدرتهم على التأثير في محيطهم، وبوجود حكامة محلية تقوم على المشاركة وإشراك المجتمع المدني والسكان في تدبير المجال العام. ويكشف هذا التقاطع بين الدراسات أن ظاهرة رمي الأزبال لا يمكن اختزالها في مسؤولية فردية، بل هي نتيجة تفاعل بين البنية التحتية، والمعايير الاجتماعية، والحكامة المحلية، ومستويات المشاركة والإدماج الاجتماعي، وهو ما يستدعي تجاوز المقاربة الزجرية نحو مقاربة تنموية تقوم على المشاركة وبناء المسؤولية الجماعية.

ومن جهة أخرى، أبرزت دراسة Iria Vázquez Silva وJavier de Rivera Outomuro المنشورة سنة 2024 في Revista Galega de Economía بعنوان Plastic Waste Management in Morocco : A Sociological Reflection about the Informal Sector in the Circular Economy، أن إشكالية تدبير النفايات في المغرب ترتبط أيضا بضعف منظومة الفرز من المنبع، وبالدور المركزي الذي يؤديه القطاع غير المهيكل في إعادة التدوير. فقد أوضحت الدراسة أن جامعي النفايات، رغم مساهمتهم في استرجاع المواد القابلة لإعادة التدوير، يشتغلون في ظروف اجتماعية هشة ويواجهون أشكالًا من الوصم والإقصاء. وتعكس هذه الوضعية مفارقة أساسية تتمثل في اعتماد الاقتصاد الدائري على فاعلين لا يحظون بالاعتراف المؤسساتي الكافي، مما يجعل الانتقال نحو تدبير مستدام للنفايات مرتبطا بتجاوز الحلول التقنية الصرفة نحو مقاربة اجتماعية تدمج مختلف الفاعلين ضمن منظور العدالة البيئية.

– التدخل الاجتماعي في ضوء نتائج الدراسات السوسيولوجية: نحو هندسة بيئية

من خلال عرض الدراسات السوسيولوجية، يتبين أن رمي الأزبال لا يمكن اختزاله في كونه انحرافا فرديا أو نتيجة لضعف الوعي البيئي، بل هو تعبير عن تفاعل معقد بين عدة مستويات، من بينها سلوك الفرد، والتنظيم الحضري، والمعايير الاجتماعية، والحكامة المحلية، وأنماط الإدماج الاجتماعي. وانطلاقا من هذه النتائج، يصبح العمل الاجتماعي في المغرب مطالبا بتجاوز المقاربة الكلاسيكية التي تختزل التدخل في الحملات التحسيسية الموسمية، نحو بناء تدخلات مهنية تقوم على التشخيص العلمي، والتخطيط التشاركي، وتنظيم المجتمع المحلي، بما يجعل التدخل البيئي جزءا من مشروع تنموي شامل.

ويتقاطع هذا التوجه مع ما تؤكده الباحثة لينا دومينيلي في كتابها “العمل الاجتماعي الأخضر: من الأزمات البيئية إلى العدالة البيئية“، حيث ترى أن الأزمات البيئية لم تعد مجرد قضايا تقنية، بل أصبحت قضايا مرتبطة بالعدالة الاجتماعية، تستوجب انتقال العمل الاجتماعي من التركيز على التدخل الفردي إلى بناء تدخلات مجتمعية تقوم على تعبئة الفاعلين المحليين، وتعزيز المشاركة المواطنة، وبناء الشراكات من أجل تدبير أكثر عدالة للموارد والفضاءات العامة.

وتقودنا نتائج الدراسة التي أنجزها إدريس الحمدوني، وعادل الطواهرية، ومصطفى الخمليشي (2018) إلى إعادة التفكير في طبيعة التدخل الاجتماعي تجاه ظاهرة رمي الأزبال. فإذا كانت الدراسة قد بينت أن اختلال توزيع الحاويات وعدم انتظام عمليات جمع النفايات يشكلان عاملين مساهمين في إنتاج الرمي العشوائي، فإن ذلك يعني أن دور التدخل الاجتماعي لا ينبغي أن يقتصر على توعية المواطنين فقط، بل يجب أن يشمل التشخيص الاجتماعي لحاجيات الأحياء، ورصد اختلالات الخدمات، والوساطة بين السكان والجماعات الترابية والفاعلين المكلفين بتدبير قطاع النظافة. كما يمكن أن يساهم في تنظيم لقاءات تشاركية مع الساكنة لتحديد الأولويات وتقييم جودة الخدمات، بما يجعل السكان شركاء في إنتاج الحلول بدل اعتبارهم مجرد موضوع للتدخل.

وينسجم هذا التصور مع نموذج التدخل الاجتماعي للمصلحة الجماعية (ISIC)، الذي يقوم على اعتبار المجتمع المحلي فاعلا قادرا على تشخيص مشكلاته والمشاركة في بناء حلولها، وليس مجرد مستفيد سلبي من التدخل. وفي هذا الإطار، يتحول دور الأخصائي الاجتماعي من مجرد ناقل لرسائل التوعية إلى وسيط بين السكان والمؤسسات، وميسر لعمليات المشاركة والتنظيم المجتمعي، بما يسمح بتحويل القضايا البيئية من مشكلات فردية إلى رهانات جماعية تستوجب تعبئة مختلف الفاعلين.

كما تبرز نتائج دراسة Sagebiel  وزملائه (2019) أن السلوك البيئي يتأثر بالمعايير الاجتماعية السائدة داخل الفضاء العام، وأن تراكم الأزبال قد يؤدي إلى إنتاج ما يسمى بـ”المعيار الاجتماعي السلبي“، حيث يصبح رمي النفايات ممارسة تبدو عادية بسبب غياب الإحساس الجماعي بمنعها. وفي هذا السياق، يمكن استحضار تصور إميل دوركايم حول التربية الأخلاقية، حيث يرى أن الفرد لا يولد باعتباره كائنا اجتماعيا، بل يصبح كذلك عبر عملية التنشئة الاجتماعية التي تمكنه من استيعاب القواعد والمعايير التي تحدد ما يجب أن يكون وما لا يجب أن يكون. فكلما ترسخت القاعدة الأخلاقية داخل المجتمع، أصبحت تتحول إلى قوة داخلية توجه السلوك وتمنع الفرد من القيام بأفعال تتعارض معها.

وانطلاقا من ذلك، لا ينبغي أن يركز التدخل الاجتماعي فقط على شرح مخاطر رمي الأزبال، بل يجب أن يشتغل على إعادة بناء المعايير الجماعية المرتبطة بالفضاء العام. ويتحقق ذلك من خلال تنظيم مبادرات تشاركية تقودها جمعيات الأحياء، وإشراك الشباب والمتطوعين في حماية المجال العام، وتطوير برامج التربية البيئية داخل المؤسسات التعليمية والاجتماعية، بما يجعل النظافة قيمة اجتماعية مشتركة وليست مجرد التزام قانوني مفروض.

وتبين مجمل هذه الدراسات، انسجاما مع تصور دومينيلي، أن القضايا البيئية هي في جوهرها قضايا اجتماعية، لأنها ترتبط بأنماط التنظيم الاجتماعي، وتوزيع المسؤوليات، ومستويات المشاركة، وأشكال عدم المساواة داخل المجتمع. لذلك فإن بناء تدخل اجتماعي بيئي فعال يقتضي النظر إلى النفايات باعتبارها قضية تحتاج إلى تحليل اجتماعي للتفاعلات التي تنتجها، وليس مجرد مشكلة تقنية تتطلب حلولا إدارية. فالتدخل الاجتماعي الأخضر، كما تقترحه دومينيلي، يقوم على فهم العوامل البنيوية والسياقية المؤثرة في السلوك البيئي، والانتقال من منطق تحميل الفرد المسؤولية وحده إلى بناء مقاربة شاملة تربط بين الفرد ومحيطه والمؤسسات المنتجة للسياسات العمومية.

وبناء على ذلك، فإن المقاربة السوسيو-بيئية للتدخل الاجتماعي تنطلق من فكرة أساسية مفادها أن حماية البيئة لا تنفصل عن بناء الروابط الاجتماعية وتعزيز المواطنة. فمواجهة رمي الأزبال في الفضاء العام، خاصة خلال فترات الضغط الموسمي كفصل الصيف، لا تحتاج فقط إلى آليات تقنية أو إجراءات زجرية، بل تحتاج إلى هندسة اجتماعية تقوم على التشخيص، وتنظيم المجتمع، والشراكة بين المؤسسات والسكان. ومن هنا يصبح التدخل الاجتماعي فاعلا أساسيا في الانتقال من تدبير أزمة بيئية ظرفية إلى بناء مشروع جماعي يقوم على العدالة البيئية والمسؤولية المشتركة.

 

المراجع :

إميل دوركهايم – التربية الاخلاقية – ترجمة محمد البدوي – المركز القومي للترجمة

اميل دوركهايم – التربية والمجتمع – ترجمة علي اسعد وطفة –

Dominelli, L. (2012). Green Social Work: From Environmental Crises to Environmental Justice. Polity Press.

El-Alami, M., & Chait, A. (2022). Local Governance and Civil Society Participation in Waste Management: The Case of Marrakech. Journal of Urban and Environmental Engineering, 16(1).

Elhamdouni, D., El Khomlychy, M., & Taouahria, A. (2018). Sustainable Management of Household Garbage: Status of Citizens’ Behavior and Participation: A Case Study of Khenifra Region, Morocco. European Scientific Journal, 14(12).

Rothman, J. (2008). Multi Modes of Intervention at the Macro Level. Journal of Community Practice, 16(1), 11–40.

Sagebiel, J., et al. (2019). The Impact of Social Norms and Physical Interventions on Waste Management Behavior: The Case of Berlin. Environmental Science & Policy, 92, 220–230.

Taouahria, A. (2021). Perceived Behavioral Control and Community Engagement in Solid Waste Management in Morocco. Moroccan Journal of Social Sciences, 8(3).

Vázquez Silva, I., & de Rivera Outomuro, J. (2024). Plastic Waste Management in Morocco: A Sociological Reflection about the Informal Sector in the Circular Economy. Revista Galega de Economía, 33(2), 1–18.

 

*طالب بماستر العمل الاجتماعي كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال

 




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...