-أسماء بوعلي*
لماذا أصبحت الوساطة الأسرية ضرورة مجتمعية؟
يعرف المجتمع المغربي تحولات اجتماعية وثقافية واقتصادية متسارعة، امتدت آثارها إلى بنية الأسرة وأدوارها ووظائفها وأنماط التواصل داخلها، وأفرزت نزاعات أكثر تعقيدا وتداخلا من حيث أسبابها النفسية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية. وقد أصبح الخلاف الأسري في كثير من الحالات تعبيرا عن تغيرات عميقة في أنماط العيش، وفي توزيع الأدوار داخل الأسرة، وفي تمثلات الزواج والسلطة والمسؤولية والتنشئة والرعاية.
وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة بالنظر إلى موقع الأسرة داخل المجتمع، فهي الفضاء الأول الذي تتشكل فيه شخصية الفرد، وتترسخ داخله قيم الحوار والثقة والاحترام والتعاون، كما أنها الحاضنة الأساسية للتنشئة الاجتماعية والحماية النفسية وبناء الشعور بالأمن والانتماء. وكل اضطراب عميق يصيب العلاقات داخلها يمتد أثره إلى الأطفال، وإلى التوازن النفسي والاجتماعي للأفراد، وإلى جودة الروابط داخل المجتمع بأكمله.
وفي هذا السياق، برزت الحاجة إلى تطوير أدوات جديدة لإدارة النزاعات الأسرية، أدوات تنظر إلى الخلاف في أبعاده الإنسانية والاجتماعية، وتتيح للأطراف فضاء آمنا للحوار، وتساعدهم على استعادة القدرة على التواصل وصناعة حلول مشتركة. فالنزاع الأسري يتجاوز حدود الملف والمساطر، لأنه يتعلق بعلاقات تستمر في كثير من الأحيان بعد انتهاء الخصومة، خاصة حين يكون الأطفال جزء من المعادلة الأسرية.
ومن هذا المنطلق، تكتسب الوساطة الأسرية غير القضائية مكانتها باعتبارها إحدى الآليات الحديثة القادرة على مواكبة الأسرة قبل أن يتحول الخلاف إلى قطيعة مفتوحة، وعلى مساعدة أطرافها في إدارة اختلافاتهم بقدر أكبر من الوعي والمسؤولية. كما تعكس هذه الآلية تحولا في فلسفة التدخل الاجتماعي، من معالجة نتائج النزاع إلى الاستثمار في الوقاية، ومن تدبير الخصومة بعد اشتدادها إلى بناء شروط الحوار في مراحلها الأولى.
وقد أولت وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة أهمية متزايدة لهذا الورش، ضمن توجه يروم هيكلة مهن العمل الاجتماعي، وتعزيز جودة الخدمات الموجهة إلى الأسر، وتوفير الأطر المرجعية والتكوينية الكفيلة بتطوير ممارسة مهنية مؤهلة. ويأتي هذا التوجه منسجما مع بناء منظومة اجتماعية أكثر قدرة على الاستجابة للتحولات التي تعرفها الأسرة المغربية، وأكثر قربا من حاجاتها الجديدة.
آفاق مأسسة الوساطة الأسرية وتحديات الواقع المغربي:
تبدأ مأسسة الوساطة الأسرية من الاعتراف بأن إصلاح ذات البين، رغم قيمته الاجتماعية والثقافية، يحتاج في السياق المعاصر إلى معرفة متخصصة، وإلى أدوات دقيقة في التشخيص والتواصل وإدارة النزاع. فالوسيط الأسري يتعامل مع مشاعر متوترة، ومصالح متعارضة، واختلالات في موازين القوة، وتجارب إنسانية قد تكون مثقلة بالألم والخذلان والشك، وهو ما يجعل هذه المهمة شديدة الحساسية ويمنحها مسؤولية مهنية وأخلاقية كبيرة.
وتقوم المأسسة على بناء منظومة تشمل الإطار القانوني، وشروط الممارسة، والمرجعيات المهنية، وأخلاقيات التدخل، ومعايير التكوين، وآليات التقييم والتتبع. كما تستدعي تحديدا واضحا لوظيفة الوسيط، وحدود تدخله، وطبيعة علاقته بالأطراف، ومسؤوليته في حماية السرية والحياد وضمان التوازن داخل جلسات الوساطة.
ويشكل التكوين أحد الأعمدة المركزية في هذه المنظومة، لأن جودة الوساطة ترتبط مباشرة بكفاءة الممارسين وقدرتهم على الجمع بين المعرفة النظرية والمهارة التطبيقية. ومن هنا تبرز أهمية هندسة تكوينية حديثة تعتمد المحاكاة، ودراسة الحالات، ولعب الأدوار، وتحليل المواقف الواقعية، وتطوير مهارات الإصغاء وإدارة الانفعالات والتفاوض وبناء الاتفاقات.
وقد جسدت برامج تدريب المدربين في الوساطة الأسرية غير القضائية هذا التوجه، من خلال العمل على بناء نواة من الكفاء ات القادرة على نقل المعرفة، وتأطير ممارسين جدد، والمساهمة في توسيع قاعدة المتخصصين على المستوى الترابي. ويحمل تكوين المدربين بعدا استراتيجيا، لأن كل مدرب مؤهل يمثل نقطة انطلاق لتوسيع المنظومة وضمان استمراريتها وتوطينها داخل مختلف الجهات.
وتواجه مأسسة الوساطة الأسرية في الواقع المغربي مجموعة من التحديات، من بينها تفاوت الوعي المجتمعي بوظيفة الوسيط، واستمرار بعض التمثلات التي تربط اللجوء إلى الوساطة بالفشل أو العجز عن حل المشكلات داخل الأسرة، إضافة إلى تفاوت جودة الممارسة، وغياب التمييز بين الوساطة والإرشاد والتحكيم والصلح التقليدي.
كما يطرح التنسيق بين المتدخلين تحديا أساسيا، لأن نجاح الوساطة الأسرية يرتبط بوجود جسور واضحة بين القطاعات الحكومية، ومؤسسات العدالة، والجماعات الترابية، والجمعيات، والمهنيين، ومؤسسات التكوين. فالمأسسة الحقيقية تنمو داخل شبكة من الأدوار المتكاملة، وتحتاج إلى رؤية وطنية تضمن وحدة المرجعية ومرونة التنفيذ وقرب الخدمة من الأسر.
ما الوساطة الأسرية الغير قضائية؟
الوساطة الأسرية غير القضائية عملية طوعية وتفاعلية، يشارك فيها طرف ثالث محايد ومؤهل، يساعد أطراف النزاع على استعادة التواصل، وفهم المصالح والحاجات الكامنة خلف مواقفهم، وصياغة حلول مشتركة قابلة للتنفيذ والاستمرار.
ويقوم الوسيط بدور منظم للحوار، يهيئ فضاء يسمح لكل طرف بالتعبير عن رؤيته، ويوجه النقاش نحو القضايا الجوهرية، ويساعد الأطراف على الانتقال من تبادل الاتهامات إلى تحديد الحاجات والأولويات والمسؤوليات. كما يعمل على توسيع دائرة الخيارات، وتحفيز الأطراف على اقتراح حلول نابعة من واقعهم وقابلة للتوافق بينهم.
وتستمد الوساطة قوتها من كون الحل يصنعه أصحاب النزاع أنفسهم، فيشعرون بملكيته وبمسؤوليتهم عن احترامه وتنفيذه. وهذه المشاركة تمنح الاتفاقات قدرا أكبر من الاستدامة، لأن الأطراف تنتقل من موقع التلقي إلى موقع الفعل، ومن انتظار حل خارجي إلى بناء تفاهم مشترك.
وترتكز الوساطة على مجموعة من المبادئ الأساسية، في مقدمتها الطوعية، والحياد، والاستقلالية، والسرية، واحترام كرامة الأطراف، وضمان التوازن في التعبير والمشاركة. وتمنح هذه المبادئ جلسات الوساطة طابعا آمنا، يتيح مناقشة القضايا الحساسة في جو من الثقة والاحترام.
وتحظى السرية بمكانة مركزية داخل هذه العملية، لأنها تحمي خصوصية الأسرة، وتشجع الأطراف على الحديث بصدق، وتوفر مناخا يساعد على معالجة جذور النزاع. كما يتيح الحياد للوسيط الحفاظ على المسافة المهنية الضرورية، وضمان شعور كل طرف بأنه مسموع ومحترم داخل المسار.
وتكتسب الوساطة قيمتها أيضا من مرونتها، فهي تراعي خصوصية كل أسرة، وطبيعة النزاع، وتركيبة العلاقات، واحتياجات الأطفال، والظروف الاجتماعية والاقتصادية للأطراف. ولهذا تستجيب لمساحات واسعة من الخلافات المرتبطة بالحياة الزوجية، والتربية، والنفقة، والتواصل بعد الانفصال، والعلاقات بين أفراد الأسرة الممتدة.
الأثر الاجتماعي والتنموي للوساطة الأسرية:
يمتد أثر الوساطة الأسرية إلى ما وراء تسوية النزاع المباشر، لأنها تساهم في إعادة بناء الثقة، وترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز قدرة الأفراد على إدارة اختلافاتهم بطريقة أكثر نضجا ومسؤولية. وكل أسرة تكتسب هذه القدرة تصبح أكثر استعدادا لمواجهة الأزمات المستقبلية وأقل عرضة للدخول في دوائر ممتدة من التصعيد والقطيعة.
ويظهر الأثر الاجتماعي للوساطة بوضوح في حماية الأطفال من آثار النزاعات الحادة، خاصة حين يتحول الخلاف بين الوالدين إلى صراع مفتوح يضع الطفل في قلب الخصومة. وتساعد الوساطة على إعادة توجيه النقاش نحو المصلحة الفضلى للطفل، وتنظيم مسؤوليات الأبوين، وبناء أشكال من التعاون الأسري تستمر بعد الانفصال.
كما تساهم الوساطة في صون كرامة أفراد الأسرة، وتوفير بيئة أكثر أمنا لمعالجة القضايا الحساسة، والحد من أشكال العنف اللفظي والنفسي المصاحبة للنزاعات الطويلة. وتنعكس هذه النتائج على الصحة النفسية للأفراد، وعلى قدرتهم على مواصلة حياتهم المهنية والاجتماعية بقدر أكبر من التوازن.
ومن الناحية الاقتصادية، تقلص الوساطة الكلفة المالية والزمنية للنزاعات، وتخفف الأعباء المرتبطة بطول المساطر والتنقل والخبرة والدفاع، وتتيح للأسر توجيه مواردها نحو التعليم والصحة والرعاية وتحسين شروط العيش. كما تساعد الحلول السريعة والمستقرة على تقليص أثر النزاعات في الإنتاجية المهنية والغياب عن العمل والتوتر المستمر.
وتساهم الوساطة أيضا في تخفيف الضغط على منظومة العدالة، من خلال معالجة جزء من النزاعات في إطار اتفاقي يراعي إرادة الأطراف ويحافظ على روابطهم. ويمنح ذلك القضاء مساحة أكبر للتركيز على القضايا التي تتطلب الحسم القضائي، كما يعزز التكامل بين العدالة الرسمية وآليات الحل السلمي للنزاعات.
ويكتسب هذا الأثر بعدا تنمويا أوسع حين ننظر إلى الأسرة باعتبارها منتجة للرأسمال الاجتماعي والبشري. فالأسرة المتماسكة تخلق بيئة أفضل للتعلم، وللنمو النفسي السليم، وللاستقرار المهني والاجتماعي، وتؤسس أجيالا أكثر قدرة على بناء علاقات متوازنة والمشاركة الإيجابية في المجتمع.
وتنسجم الوساطة الأسرية مع توجهات التنمية المستدامة المرتبطة بالسلام والعدل والمؤسسات الفعالة والمساواة وحماية الأطفال وتعزيز التماسك الاجتماعي. فهي تمنح التنمية مضمونا إنسانيا مباشرا، لأن جودة المجتمع تقاس أيضا بقدرته على إدارة الخلافات وحماية العلاقات الأساسية داخله.
هندسة التكوين وبناء ثقافة مجتمعية:
يحمل الاستثمار في تكوين الوسطاء ومدربي الوساطة رهانا يتجاوز بناء كفاء ات مهنية متخصصة، لأنه يساهم في نشر ثقافة جديدة لإدارة الاختلاف داخل المجتمع. وكل وسيط مؤهل يصبح حاملا لقيم الإصغاء والاحترام والتوازن والمسؤولية، وكل مدرب ناجح يوسع دائرة هذه الثقافة وينقلها إلى فضاء ات ومجالات جديدة.
وتمنح هندسة التكوين لهذا الورش أساسه العلمي والمهني، عبر توحيد المفاهيم، وتطوير الأدوات، وترسيخ أخلاقيات الممارسة، وربط المعرفة بالتطبيق. كما تساعد على ضمان جودة الخدمة وحماية الأسر من التدخلات المرتجلة التي قد تزيد النزاع تعقيدا.
وتفتح مأسسة الوساطة الأسرية أفقا لتطوير خدمات القرب، وتعزيز أدوار المجتمع المدني، وبناء شراكات بين المؤسسات والمهنيين والفاعلين المحليين، بما يجعل الوساطة جزء من العرض الاجتماعي الموجه إلى الأسر. وهكذا تنتقل من نشاط محدود إلى خدمة منظمة، ومن مبادرات متناثرة إلى شبكة وطنية مؤطرة.
وتعكس هذه الدينامية رؤية اجتماعية تعتبر الوقاية استثمارا، والحوار أداة للحماية، والتماسك الأسري مكونا من مكونات التنمية. فالمجتمع الذي يتعلم أفراده كيف يديرون خلافاتهم داخل الأسرة يبني في العمق قدرة جماعية على التعايش والتوافق وتحمل المسؤولية.
إن مأسسة الوساطة الأسرية غير القضائية تفتح أمام المغرب مسارا واعدا لبناء بدائل سلمية أكثر قربا من الإنسان، وأكثر اتصالا بواقع الأسر، وأكثر قدرة على الجمع بين الحماية والكرامة والنجاعة. ويبدأ هذا المسار من التكوين، ويتقوى بالقانون، وينتشر عبر الشراكات، ويترسخ حين تتحول الوساطة إلى ثقافة اجتماعية مشتركة.
فبناء السلم المجتمعي يبدأ داخل الأسرة، داخل ذلك الفضاء الصغير الذي تتشكل فيه أولى معاني الثقة والإنصاف والاحترام. وكل استثمار في الحوار داخل الأسرة هو استثمار في مجتمع أكثر تماسكا، وفي إنسان أكثر توازنا، وفي مستقبل يختار التفاهم طريقا لإدارة الاختلاف.
*فاعلة مدنية – وسيطة أسرية

