سيرج بوغام: العمل الاجتماعي يجب أن ينسج روابط تحريرية “حماية الطفولة نموذجا”

-أسامة بحري*

في هذا المقال سأقدم قراءة في هذا الحوار القيم الذي أجري مع أحد كبار علماء الاجتماع الفرنسيين، وهو “سيرج بوغام” الذي ناقش أطروحته للدكتوراه سنة 1988 حول موضوع الإقصاء الاجتماعي، أشرف سنة 1997 على سلسلة الرابط الاجتماعي في Presses universitaires de France.

في سنة 2001 عين سيرج بوغام مديرا للدراسات في المدرسة العليا للدراسات في العلوم الاجتماعية (EHESS). وفي سنة 2008 نشر كتابه “الرابط الاجتماعي” (Le lien social) الذي يعد من أبرز أعماله النظرية في سوسيولوجيا الروابط الاجتماعية. وفي سنة 2010 أسس مجلة “Sociologie” الصادرة عن منشورات جامعة فرنسا (PUF)، ولا يزال يشغل منصب مديرها إلى اليوم.

وفي سنة 2017 رقي إلى رتبة مدير بحث من الدرجة الاستثنائية بالمركز الوطني للبحث العلمي (CNRS)، كما شارك في نشر كتاب “ما الذي يفكر فيه الأغنياء بشأن الفقراء؟” (Ce que les riches pensent des pauvres). وفي سنة 2019 تولى إدارة مركز موريس هالبفاكس (Centre Maurice Halbwachs)، أحد أهم مراكز البحث في العلوم الاجتماعية بفرنسا. ثم نشر سنة 2023 كتابه “التعلق الاجتماعي: أشكال وأسس التضامن الإنساني” (L’attachement social. Formes et fondements de la solidarité humaine)، الذي يمثل امتدادا لمشروعه الفكري حول الروابط الاجتماعية والتضامن الإنساني.

 1-العمل الاجتماعي يجب ان ينسج روابط تحريرية:

أجري هذا الحوار سنة 2024 ويمثل خلاصة لتجربة من البحث في الحماية الاجتماعية والتضامن الاجتماعي، مبينا أن العمل الاجتماعي لا يجب أن يقتصر على تقديم الحماية والمساعدات المادية فقط بل يجب أن يقترن بالاعتراف بقيمة المستفيد وتثمين دوره في المجتمع، كما يدعو “بوغام” في الحوار إلى تجاوز المقاربة النفسية في العمل الاجتماعي إلى المقاربة الاجتماعية، وعدم حصر المشكلات الاجتماعية في الجانب الفردي، بل يجب التركيز على التنشئة الاجتماعية والروابط الاجتماعية.

في بداية الحوار تطرق “سيرج بوغام” إلى موضوع حماية الطفولة، مبينا أن أبحاثه عن الفقر والتي تشبه أسلوب أوسكار لويس في كتابه “أطفال سانشيز: سيرة ذاتية لعائلة مكسيكية” الذي قابل فيه جميع أفراد العائلة، الآباء والأبناء لمعرفة تجاربهم مع الفقر، ويرى بوغام أنه تبين له ارتباط حماية الطفولة بالمعاناة سواء لدى الأطفال حين يتم إيداعهم في مراكز الرعاية أو لدى الآباء حين يسحب منهم أطفالهم ويفقدون السلطة الأبوية.

كما تطرق “بوغام” إلى موقف البحث في العمل الاجتماعي اتجاه الطفولة، في الثمانينات كونه كان يتبنى رؤية نقدية، وكان هناك تشكيك في نجاعة التدخل الاجتماعي فكانت أسئلة حول الضبط الاجتماعي ووظيفة الاكراه الذي كان يمارسه المهنيون الاجتماعيون على الجماهير الكادحة، معتمدين على تصور ميشال فوكو، وكذلك صدر كتاب حسبه بعنوان “شرطة العائلات” لجاك دونزيلو، ثم صدر بعدها كتاب جانين فيرديس ليرو بعنوان “العمل الاجتماعي” والذي تبنى منظورا نقديا بورديوزيا “نسبة لبيار بورديو”، مستعملا مفاهيم مهمة كالعنف الرمزي الذي يمارسه العمال الاجتماعيون في التدخل الاجتماعي على الفقراء.

وهذا حسبه تغير بعد أن تم الأخذ بعين الاعتبار بالأنواع الأربعة للروابط الاجتماعية، أما في الماضي حسبه فكان يتم التخلي عن هذه العائلات واعتبارها غير مرغوب فيها بناء على أحكام صادرة في حقها، وهذا كان يؤدي إلى تهميش الأسرة بشكل كبير حين يتم سحب الأطفال منهم، فاليوم حسب بوغام أصبح المجتمع أكثر حساسية اتجاه العنف المؤسسي وحقوق الأطفال، وأصبح هناك قلق اتجاه الحالات التي يتعرض فيها الأطفال لسوء معاملة داخل مؤسسة أو أسرة وضعوا فيها من أجل حمايتهم.

ويضيف بوغام أن العاملين والعاملات في المجال الاجتماعي يتلقون تدريبا جيدا لكنهم يقومون بعمل يتنافى مع تدريبهم، وذلك لأن الوضع الميداني لا يسمح لهم بذلك؛ أي بممارسة المهنة بالشكل الذي يفهمونه، فشغفهم يصطدم بالقيود المؤسسية التي تثقل كاهل العمل الاجتماعي، ويرى بوغام أنه يجب أن يكون هنالك عمل كبير يجب القيام به فيما يتعلق بالاعتراف والتقدير سواء للمهنيين في العمل الاجتماعي أو المستفيدين، ويرى أنه من الضروري الاعتراف بقيمة الناس لكن وحدها لا تكفي، فيرى أن إعطاء عكاز لشخص يعاني من إعاقة أمرا جيدا، لكن يجب النظر له أيضا من خلال قيمته وما يقدمه من ايجابية للمجتمع، كما يجب حسبه أن يتم توفير وقت للمواكبة الاجتماعية، ويدعو “بوغام” العمال الاجتماعيين إلى خلق روابط محررة؛ غير قائمة على ثنائية مُساعِد ومُساعَد.

ويرى بوغام أن العمال الاجتماعيين يجدون انفسهم بانتظام مقيدين بجدول مهام لا يترك لهم هامش مناورة، كذلك العمل الاجتماعي تأثر تاريخيا في تدريبه بعلم النفس اكثر من علم الاجتماع، وذلك لايمانه بإصلاح الشخص، ومن تم يركز العمل الاجتماعي حسبه على وسائل لحماية الشخص ودعمه للوصول الى الموارد الكامنة في اعماق ذاته، لكن كما يبين بوغام فان هذا البعد العاطفي والعلاقة مع الذات مهمة، لكن لاعادة نسج الرابط الاجتماعي فإن التحول الفعلي يجب أن يقع في الإطار الجماعي، ويضيف قائلا: “المهام الموكلة للعاملين والعاملات في المجال الاجتماعي لا تسمح لهم حقا بالتدخل خارج النطاق المحدد، حتى لحل “الحالات”، كما لو كانت كل حالة معزولة عن الأخرى. ومع ذلك، في كثير من الأحيان داخل المجتمعات المحلية، هناك روابط يجب بناؤها حتى لا تعود هذه الحالات مجرد “حالات معزولة”، بل يتم التعامل معها حقا في إطار مجتمع أوسع. وهنا أيضا، هناك إجراءات يجب اتخاذها، وهياكل يجب التفكير فيها لإدماج الأشخاص الذين يواجهون صعوبات بشكل أفضل في هذا المستوى الجماعي.[1]

وبهذا يرى سيرج بوغام أن العمل على الاعتراف بالمهنة وعلى بعدها الجماعي، يتطلب إعادة التفكير في نمط تنظيم العمل الاجتماعي، ويقول “بوغام” في هذا السياق: “يجب على إدارات المؤسسات أن تأخذ بزمام المبادرة (تمسك الثور من قرنيه). ولكن نظراً لأنها تعتمد هي الأخرى على الممولين، فإنه من الضروري فتح باب التشاور على مستويات متعددة. إذا طالب مهنيو الميدان وحدهم بالوسائل، فسيتم التعامل مع الأمر كقضايا نقابية، في حين أننا بصدد ورشة عمل تتجاوز إطار مجرد الأجور أو ظروف العمل. الأسئلة الحقيقية التي يجب حلها هي: ما هي الأهداف التي يجب تحقيقها اليوم في مجتمعنا من خلال العمل الاجتماعي؟ وأي نوع من العمل الاجتماعي نريده حقا لمجتمع القرن الحادي والعشرين؟ يبدو لي أن هذه الأسئلة تفرض نفسها اليوم ويجب أن تكون موضوع نقاش، ليس فقط داخل المهن الاجتماعية، بل وخارجها أيضا”[2].

ويضيف بوغام في نفس السياق مستندا إلى عمله الجديد “L’attachement social”  أن نظريته هذه تساعد على التفكير في تحولات وأشكال التضامن، وفي موضوع الطفولة يجب محاولة فهم العلاقات والتفاعلات بين ثلاثة أنواع من الفاعلين: “الأطفال، عائلات الأطفال، العمال الاجتماعيون” بالإضافة حسبه إلى المؤسسات التي يتبع لها العمال الاجتماعيون.

ويضيف بوغام أن فهم التجارب التي يعيشها الآباء وأبناؤهم والعمال الاجتماعيون يسمح بإبراز النواقص، بدءا بالصعوبات التي يواجهها الأطفال منذ ولادتهم، أي من الأشهر الأولى والسنوات الأولى من حياتهم، والوقائع التي يواجهونها، ويرى أن الاستماع لهم يعني فهم تطلعاتهم، وتسمح حسبه نظرية الارتباط الاجتماعي التي طورها بتحليل الأنواع الأربعة من الروابط على مدار عملية التنشئة الاجتماعية، وماذا يقع حين لا تتداخل هذه الروابط بشكل متناغم أو إذا غاب أحدها.

ويساعد هذا الفهم على إنجاح تدخل مبكر، ويرى “بوغام” أن هؤلاء الأطفال يعانون من نقص كبير في الحماية مقارنة بالأطفال الآخرين، فتكون لهم فرص أقل للحصول على المساعدة، وغالبا ما يتولد لديهم شعور بالتخلي عنهم، والعجز أمام المهام المتوقعة منهم، فهم يشعرون حسب “بوغام” بنقص في الحماية، وهذا حسب بوغام ينتقل للمدرسة أيضا، فهؤلاء الأطفال يتولد لديهم مجددا شعور بصعوبة إيجاد مكانهم.

ويرى “بوغام” أيضا أن حالة العزلة ضارة لهؤلاء الأطفال وتنعكس بالأساس على محيط الأصدقاء، فعوض أن يكون هذا الرابط حسبه متوازنا مع الأصدقاء والصديقات، يتبنى الأصدقاء أيضا سلوكيات تقلل من الأطفال، ويكون هذا مصدرا للضيق، وبهذا يكون لهؤلاء الأطفال نقص واضح في الحماية، وبهذا يصبح هؤلاء الأطفال يواجهون الرفض، ويستشهد بوغام بأعمال “لابانز” في الستينات التي ناقشت تهميش الأطفال الأكثر فقرا في المدرسة، وخاصة في ساحة الاستراحة، بحيث أن هؤلاء الأطفال كانوا يحتلون مواقع هامشية داخل المؤسسة، كما كان سكن هؤلاء الأطفال في إحياء فقيرة يبرر شك الآخرين وتجنبهم ونفورهم منهم، فلم يكن هؤلاء الأطفال قادرين على الاندماج في اللعب وحياة الصف كباقي الأطفال، وهذا الشعور بعدم تلقي المحبة من باقي الزملاء في المؤسسة يعيشه ايضا الاطفال الذين يقطنون بمراكز حماية الطفولة بشكل يومي حسب “بوغام”. وبذلك فيجب حسب بوغام تجاوز أسئلة: ” أليس لديك أصدقاء؟ كيف يحدث ذلك؟ ربما شخصيتك هي السبب؟”  إلى التساؤل عن كيف تنظم شبكة العلاقات الاجتماعية للطفل في بيئته.

وينتقل “بوغام” إلى، بعد أن سئل عن رأيه في البعد النفسي الحاضر في العمل الاجتماعي على حساب المقاربة السوسيولوجية، قائلا إنه في كتابه الجديد بين أن المقاربة النفسية التي طورها “جون بولبي” عن الارتباط، المنشورة سنة 1969، وجب تمديدها وتوسيعها من خلال السوسيولوجيا، ويرى أنه وجب اليوم من الضروري مراعاة عمليات التنشئة الاجتماعية بما يتجاوز العلاقة بين الطفل وأمه، وهذا من جهة يتطلب توفير الوسائل للتدخل في المجال الاجتماعي للعمال الاجتماعيين، أي في أماكن التنشئة الخاصة بالاطفال، لا سيما في المدارس، وذلك حسب “بوغام” من أجل توعية الهيئة التدريسية أن مهمتهم تمس الرابط الاجتماعي، وأن هذا الرابط أساسي في جل عمليات التعلم.

ويضيف “بوغام” أن الطفل الذي لا يقيم روابط قوية في المدرسة يواجه جل مخاطر الفشل، وذلك لأن الأمر غير مرتبط بالموهبة التعليمية والقدرة على التحصيل الدراسي والقيام بالواجبات المنزلية، بل مرتبط بالسياق الاجتماعي، الذي تتيح فيه محفزات إيجابية أو سلبية، أي المساهمة في التقدم أو التأخر. وفي هذا الصدد يقول بوغام: “نُفهم الأطفال أنهم إذا لم ينجحوا، فذلك لأنهم ليسوا أذكياء كبقية زملائهم. لكن مثل هذه الخطابات لم تعد ممكنة اليوم! الاعتماد على، والأهمية لدى: هذا هو الأساس. ومع ذلك، فقد تم التفكير في العمل الاجتماعي أولاً انطلاقاً من ‘الاعتماد على’. إن الربط بين هذين البعدين يساعد على رؤية ما هو مفقود ويجبر أيضاً على التفكير في مجمل العلاقات بين المُساعِد والمُساعَد.

ويختتم بوغام حواره متحدثا عن مقترحه باللجوء الى قراءة تزاوج بشكل منهجي بين الحماية والاعتراف، وذلك لانهما اساس كل نوع من الروابط الاجتماعية، أي من خلال الاعتماد على “الحماية” و”الأهمية لدى” باعتبارها اعترافا. ويرى بوغام أن العمل الاجتماعي يركز على منطق الحماية، ويرى أن ليس كل العلاقات غير المتكافئة تؤدي إلى قمع ومواقف سيئة، وحين يقتصر العمل الاجتماعي هنا على الحماية أكثر من الاعتراف فإنه يغفل العلاقة، ويشجع على خلق مواقف ذات طابع قمعي، ولا يدرك العاملون والعاملات الاجتماعيون هذا دائما.

ويرى بوغام أن وضع نسج روابط لا تترجم إلى علاقات قمعية يتيح محاربة عملية الاقصاء الاجتماعي، وبذلك فان التفكير في منظور الارتباط الاجتماعي بدل الحماية فقط يؤدي إلى إعادة مراجعة أساليب تدخلنا واكتساب فهم أفضل، ويقول: “بسبب انغماسهم في حياتهم اليومية، لا يدرك العاملون والعاملات في المجال الاجتماعي ذلك دائمً. لذا، فإن وضع نسج روابط لا تترجم إلى علاقات قمعية في الحسبان، حتى لو ظلت قائمة على علاقة غير متكافئة، هو ما يتيح محاربة عملية الإقصاء الاجتماعي. والتفكير من منظور الارتباط الاجتماعي يقودنا إلى مراجعة أساليب تدخلنا واكتساب فهم أفضل للآليات الموجودة.

[1] Serge paugam – Le travail social doit tisser des liens libérateurs . Riso 2024

[2]  Ibid

*طالب باحث في ماستر العمل الاجتماعي، جامعة السلطان مولاي سليمان بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بني ملال




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...