-ملفات تادلة 24-
توج المسار الأكاديمي للباحث أسامة باجي، رئيس مركز أݣورا للدراسات الإعلامية والاجتماعية والسياسية، بنيله شهادة الدكتوراه في الآداب والعلوم الإنسانية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة، التابعة لجامعة محمد الأول، عقب مناقشة أطروحته الجامعية الموسومة بـ”الإعلام الثقافي في المغرب: حدود التأثير ورهانات التغيير”، تحت إشراف الدكتور عمارة يحيى.
وانطلقت الأطروحة من إشكالية مركزية تتمحور حول طبيعة حضور وتأثير الإعلام الثقافي في المغرب، وحدود قدرته على أداء أدواره المعرفية والتثقيفية في ظل التحولات العميقة التي يعرفها الحقل الإعلامي والثقافي، حيث سعى البحث إلى مساءلة موقع الثقافة داخل السياسات الإعلامية الوطنية، وكيفية تمثيلها داخل الخطاب الإعلامي، ومدى قدرة المؤسسات الإعلامية على إنتاج محتوى ثقافي يتجاوز منطق المناسباتية والانتقائية.
وأوضح الباحث خلال عرضه أن الإعلام الثقافي لا يمكن اختزاله في مجرد نقل الأخبار أو تغطية الأنشطة الثقافية، بل يمثل فضاء لإنتاج المعنى وبناء الوعي وصيانة الذاكرة الجماعية، باعتباره حلقة وصل بين المجال الإعلامي والمجال الثقافي، وفاعلا مؤثرا في تشكيل التمثلات والهوية الثقافية داخل المجتمع.
واعتمدت الأطروحة مقاربة منهجية مركبة جمعت بين المنهج الوصفي التحليلي والمقاربة الكمية والكيفية، من خلال استثمار أداة الاستبيان الموجهة إلى عينة مكونة من 300 صحفي وصحفية ينتمون إلى مختلف المؤسسات الإعلامية المغربية، إلى جانب إجراء مقابلات مع عدد من الخبراء والمهنيين في المجالين الإعلامي والثقافي، فضلا عن اعتماد دراسة حالة شملت نموذج القناة الثقافية المغربية وبرنامج “مشارف” لرصد كيفية تجسيد الإعلام الثقافي داخل المؤسسات الإعلامية العمومية.
وأكد الباحث أن الدراسة كشفت أن الإعلام الثقافي في المغرب يعيش وضعية مركبة تتداخل فيها عوامل مؤسساتية ومهنية واقتصادية، مشيرا إلى أن حضور الثقافة داخل المنظومة الإعلامية ما يزال محدودا وغير مستقر، ويخضع في كثير من الأحيان لمنطق المناسباتية بدل رؤية استراتيجية واضحة.
كما أبرزت نتائج البحث وجود مجموعة من الإكراهات، من بينها ضعف تموقع الإعلام الثقافي داخل السياسات الإعلامية، وغياب تكوين أكاديمي متخصص في الصحافة الثقافية، إضافة إلى تأثير منطق السوق والإشهار على الاختيارات التحريرية، وهو ما ساهم في تراجع المضامين الثقافية العميقة لصالح محتويات أكثر ارتباطا بسرعة الاستهلاك الإعلامي.
وفي المقابل، سجلت الأطروحة وجود فرص وإمكانات واعدة لتطوير هذا المجال، خاصة في ظل التحولات الرقمية التي فتحت آفاقا جديدة أمام إنتاج وتوزيع المحتوى الثقافي، داعية إلى ضرورة بناء رؤية استراتيجية تجعل من الإعلام الثقافي مجالا مركزيا في التنمية الثقافية وتعزيز الهوية والوعي المجتمعي.
وخلص الباحث إلى أن أزمة الإعلام الثقافي بالمغرب ليست مرتبطة فقط بالجوانب المهنية أو التقنية، بل تعكس اختلالا أعمق في العلاقة بين الإعلام والثقافة والسياسات العمومية، مؤكدا أن تجاوز هذه الوضعية يقتضي إعادة الاعتبار لهذا المجال عبر دعم التكوين المتخصص، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الإعلامية والثقافية، وتطوير منصات رقمية قادرة على إنتاج محتوى ثقافي جاذب ومؤثر.
وشكلت جلسة المناقشة مناسبة علمية لتقديم قراءة أكاديمية في موضوع يلامس تحولات الإعلام والثقافة بالمغرب، حيث أشادت اللجنة بأهمية الموضوع وقيمته البحثية، قبل أن تقدم ملاحظاتها العلمية والمنهجية، في أفق تطوير هذا العمل وإغنائه.
وتأتي هذه المناقشة كتتويج لمسار بحثي اهتم بقضايا الإعلام الثقافي ورهاناته، في سياق تتزايد فيه الحاجة إلى إعلام قادر على مواكبة التحولات المجتمعية، والمساهمة في إنتاج المعرفة وتعزيز الحضور الثقافي داخل الفضاء العمومي.


