من الامتحان إلى “غرفة عمليات”.. كيف أعادت هواجس الغش تشكيل الباكالوريا بين منطق الثقة ومنطق الأمننة؟

-ملفات تادلة 24-

  لم تعد امتحانات الباكالوريا في المغرب مجرد محطة تربوية لتقييم مكتسبات التلاميذ والتلميذات، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى عملية تنظيمية وأمنية معقدة تتداخل فيها الرقمنة والتتبع الإلكتروني وأجهزة الرصد المتطورة ولجان المراقبة المركزية والجهوية، في محاولة للحد من ظاهرة الغش التي باتت تفرض تحديات متزايدة على المنظومة التربوية.

ومع كل دورة جديدة، تتوسع دائرة الإجراءات التقنية والتنظيمية المصاحبة للامتحانات، بما يعكس حجم الرهان الذي أصبحت تمثله قضية النزاهة وتكافؤ الفرص داخل المدرسة المغربية، لكنه يثير في المقابل نقاشا متناميا حول الحدود الفاصلة بين حماية مصداقية الشهادات الوطنية والحفاظ على الأجواء التربوية والنفسية الملائمة لاجتياز الاختبارات.

في هذا السياق، أعلن وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، عن اعتماد آليات رقمية جديدة خلال امتحانات الباكالوريا برسم دورة 2026، بهدف تعزيز تتبع مختلف مراحل الامتحان والرفع من دقة التدبير التنظيمي.

وأوضح الوزير أن عدد المترشحين الذي يفوق 520 ألف مترشح ومترشحة يفرض اللجوء إلى الحلول الرقمية لتفادي الأخطاء وضمان تتبع مسار كل مترشح بشكل دقيق، مشيراً إلى اعتماد رموز تعريفية ورموز استجابة سريعة (QR Code) تمكن من مواكبة مختلف مراحل الامتحان والتصحيح إلى غاية الإعلان عن النتائج.

كما كشفت الوزارة عن تعزيز ترسانتها التقنية الموجهة لمحاربة الغش عبر تعميم حوالي ألفي جهاز إلكتروني متخصص في رصد الهواتف النقالة والاتصالات اللاسلكية داخل المؤسسات المحتضنة للامتحانات، وذلك في ظل التطور المتسارع لوسائل الغش المعتمدة على السماعات الدقيقة والهواتف الذكية وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وترى الوزارة أن الظاهرة لم تعد مرتبطة بالوسائل التقليدية المعروفة، بل انتقلت إلى أشكال أكثر تعقيدا تستثمر الإمكانيات التي توفرها التكنولوجيا الحديثة، وهو ما دفعها إلى اعتماد نظام إلكتروني متطور يحمل اسم “T3-SHIELD” تم تطويره من طرف شركة تابعة لجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية.

ويعتمد هذا النظام على رصد الإشارات المرتبطة بالشبكات الخلوية وخدمات “الواي فاي” و”البلوتوث” ومختلف أنماط الاتصالات الإلكترونية التي يمكن توظيفها خلال الامتحانات. وقد سبق إخضاع هذه التقنية لتجربة أولية خلال دورة 2025 قبل تعميمها بشكل أوسع خلال دورة 2026.

كما شملت التحضيرات تكوين آلاف الأطر التربوية والإدارية المكلفة بالمراقبة، بهدف توحيد آليات التدخل وضمان الاستعمال السليم لهذه التجهيزات داخل مراكز الامتحان.

غير أن توسيع دائرة المراقبة التقنية لم يمر دون إثارة ردود فعل متباينة داخل الأوساط التربوية والحقوقية. فقد عبر عدد من المترشحين عن استيائهم من بعض الإجراءات المصاحبة لاستعمال أجهزة الكشف، معتبرين أن عمليات الرصد والتفتيش داخل القاعات خلال فترة الإنجاز أثرت على تركيزهم وخلقت أجواء من التوتر في لحظات حاسمة من الامتحان.

وأشار بعض التلاميذ إلى أن عمليات الكشف كان يمكن إنجازها قبل دخول القاعات أو قبل انطلاق الاختبارات، بدل مباشرتها أثناء فترة الإجابة، بما يضمن احترام الزمن المخصص للامتحان ويوفر ظروفاً أكثر ملاءمة للتركيز.

بدورها، عبرت هيئات حقوقية ومدنية عن تخوفها من بعض الممارسات المرتبطة بتفعيل إجراءات المراقبة داخل مراكز الامتحان. وسجل المركز المغربي لحقوق الإنسان، استنادا إلى معطيات وشهادات توصل بها، أن بعض التدخلات المرتبطة بالكشف عن وسائل الغش تسببت في استهلاك جزء من الزمن المخصص للاختبارات في بعض المراكز.

وأكد المركز أن حماية مصداقية الامتحانات تظل هدفا مشروعا وضروريا، غير أن تحقيق هذا الهدف ينبغي أن يتم في إطار يحافظ على تكافؤ الفرص ويصون الحقوق النفسية والمعنوية للمترشحين.

كما دعا إلى تقييم شامل لتجربة اعتماد هذه الأجهزة، يشمل مدى فعاليتها وكلفتها المالية وانعكاساتها على سير الامتحانات، مع المطالبة بضمان الشفافية في مختلف مراحل تدبير هذه العملية.

وفي الاتجاه نفسه، نبهت جمعيات تربوية إلى ضرورة تفادي تحويل فضاءات الامتحان إلى فضاءات للشك والارتياب الجماعي، معتبرة أن نجاح أي مقاربة لمحاربة الغش يقتضي الموازنة بين الحزم في تطبيق القانون واحترام كرامة التلميذ وحقه في اجتياز الامتحان في ظروف نفسية سليمة.

في المقابل، تستند وزارة التربية الوطنية إلى مؤشرات رقمية تؤكد، بحسبها، نجاعة المقاربة المعتمدة. فقد أعلنت أن أنظمة الرصد الإلكترونية ساهمت في ضبط 4929 حالة غش خلال الامتحان الجهوي، بارتفاع بلغ 167 في المائة مقارنة بالدورة السابقة.

وترى الوزارة أن هذا الارتفاع لا يعكس بالضرورة انتشار أكبر للغش، بقدر ما يعكس تطور قدرات الرصد والكشف عن الممارسات التي كانت تمر سابقاً دون تسجيل أو توثيق.

ويبدو أن النقاش الدائر اليوم حول امتحانات الباكالوريا لم يعد يتعلق فقط بوسائل محاربة الغش، بل يلامس أسئلة أعمق ترتبط بطبيعة العلاقة بين المدرسة والمتعلم، وبحدود اللجوء إلى التكنولوجيا في تدبير الامتحانات.

ملفات تادلة




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...