-ملفات تادلة 24-
يعد عيد الأضحى من أهم المناسبات الدينية لدى الأجراء المسلمين، لما يحمله من أبعاد روحية واجتماعية وأسرية، إذ يشكل مناسبة لممارسة عدد من الشعائر الدينية المرتبطة بالأضحية وصلة الرحم وإحياء الطقوس الجماعية داخل الأسرة والمجتمع، ولذلك، حرصت تشريعات الشغل على تمكين الأجراء من الاستفادة من العطل والأعياد الدينية باعتبارها جزءًا من الحماية القانونية للحياة الخاصة والدينية للأجير.
وفي هذا الإطار، تعمل العديد من المقاولات ذات البعد الاجتماعي أو ما يُصطلح عليه بـ”المقاولات المواطنة” على اتخاذ مبادرات اجتماعية لفائدة أجرائها خلال هذه المناسبة، من قبيل منح القروض والتسبيقات المالية، أو تقديم مساعدات عينية، قصد تمكينهم من مواجهة المصاريف المرتبطة بعيد الأضحى، كما تعمد بعض المقاولات، رغم خصوصية نشاطها، إلى تدبير ظروف الشغل بما يسمح للأجراء بممارسة شعائرهم الدينية، على غرار بعض شركات النظافة التي تقوم بتفريغ الفترة الصباحية يوم العيد حتى يتمكن الأجراء من أداء شعيرة صلاة العيد ومباشرة الطقوس المرتبطة بهذه المناسبة الدينية.
غير أن واقع بعض القطاعات المهنية يكشف عن وضعية مغايرة، حيث تفرض طبيعة النشاط الاقتصادي استمرار العمل خلال الأعياد الدينية، بل إن بعض المقاولات تعرف ارتفاعا ملحوظا في حجم نشاطها خلال عيد الأضحى، الأمر الذي يؤدي إلى تشغيل الأجراء في عطلتهم الدينية، ويبرز هذا الوضع بشكل خاص داخل الفنادق والمطاعم والوحدات السياحية، التي أصبحت تقدم عروضا خاصة بمناسبة عيد الأضحى تستجيب لتحولات أنماط الاستهلاك والاحتفال لدى بعض الأسر المغربية.
فقد أصبحت العديد من الفنادق المغربية تقترح على زبنائها خدمات غير مألوفة مرتبطة بإحياء طقوس العيد، من قبيل تنظيم عملية ذبح الأضحية، وتهيئة وجبات الغذاء والشواء، بل إن بعض الوحدات الفندقية تخيّر الزبون بين جلب أضحيته الخاصة أو التكفل باقتنائها وذبحها وتحضيرها للاستهلاك، كما توفر بعض الفنادق أجواء احتفالية خاصة بعيد الأضحى داخل فضاءاتها السياحية، بما يستجيب لرغبة فئة من الأسر في قضاء العيد خارج المنزل والتخفف من الأعباء التقليدية المرتبطة بهذه المناسبة.
ولا شك أن تقديم هذه الخدمات يتطلب تشغيل عدد كبير من الأجراء خلال أيام العيد، سواء تعلق الأمر بالطهاة، أو عمال النظافة، أو المستخدمين المكلفين بخدمة الغرف والاستقبال والتنشيط، الأمر الذي يجعل هؤلاء الأجراء يمارسون شعائرهم الدينية داخل فضاء العمل، أو يحرمون جزئيا من ممارستها بسبب متطلبات العمل وضغط الخدمة.
وتعكس هذه الوضعية نوعا من التوتر بين الحق في ممارسة الشعائر الدينية من جهة، ومتطلبات استمرارية المقاولة ومصلحة الزبناء من جهة أخرى، فالمشغل يجد نفسه أحيانا ملزما بضمان استمرارية النشاط الاقتصادي والاستجابة لحاجيات السوق، خاصة في القطاعات التي تعرف ذروة نشاطها خلال المناسبات الدينية والسياحية، غير أن ذلك لا ينبغي أن يتم على حساب الحقوق الأساسية للأجراء، وفي مقدمتها الحق في الراحة والعطل الدينية وممارسة الشعائر المرتبطة بها.
ورغم أن مدونة الشغل المغربية كرست حماية حق الأجير في الاستفادة من الأعياد والعطل المؤدى عنها، وفق المادة 217، منها وغيرها من المواد، فإن الواقع العملي يكشف عن اتساع دائرة تشغيل الأجراء خلال هذه المناسبات، خصوصا داخل القطاعات السياحية والخدماتية. وقد ساهمت التحولات الاجتماعية وأنماط الاستهلاك الجديدة في تعزيز هذا التوجه، حيث أصبحت بعض الأسر المغربية تفضل قضاء عيد الأضحى داخل الفنادق والوحدات السياحية التي تتكفل بكافة تفاصيل المناسبة، بما في ذلك اقتناء الأضحية وذبحها وتحضيرها.
ومن ثم، فإن تحقيق التوازن بين متطلبات المقاولة واحترام الحياة الدينية للأجراء يقتضي تبني مقاربة تقوم على المرونة والتوفيق، من خلال تنظيم أوقات الشغل بشكل يسمح للأجراء بممارسة الحد الأدنى من الشعائر المرتبطة بعيد الأضحى، واعتماد نظام التناوب بين الأجراء، ومنح تعويضات عادلة عن العمل خلال الأعياد الدينية، فضلًا عن تعزيز البعد الاجتماعي للمقاولة بما يكرس احترام الكرامة الدينية للأجير داخل علاقة الشغل.
عبد الجليل بخوشي، دكتور وباحث في القانون الخاص


