عزيز البرنوصي: دور الأستاذ الجامعي في القانون وولوج مهنة المحاماة: بين الجدال العام وحتمية التجويد

-عزيز البرنوصي-

يدور في الساحة القانونية والرأي العام الوطني المغربي في الآونة الأخيرة جدال واسع ومحتدم حول مسألة واحدة، وهي: مدى أحقية وملاءمة السماح لأساتذة القانون بالجامعات بولوج مهنة المحاماة بسلاسة ويسر. هذا الجدال، وإن كان يبدو في ظاهره مسألة إجرائية أو تنظيمية، إلا أنه يخفي وراءه رؤيتين مختلفتين تمامًا لطبيعة كلتا المهنتين، وقيمتهما، والدور الذي ينبغي أن تؤديه كل منهما في بناء المنظومة القانونية والقضائية في بلادنا. وبينما يرى فريق من المحامين أن هذا الولوج يشكل خطرًا وتهديدًا لمصالحهم، ويعتبره نوعًا من المنافسة غير المتكافئة، نجد أن الحقائق الموضوعية والمعطيات الدقيقة تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن هذا الطرح قائم على تصور خاطئ، وأن فتح الباب أمام أساتذة القانون لممارسة مهنة المحاماة ليس مجرد حق لهم، بل هو ضرورة حتمية لتجويد هذه المهنة والارتقاء بها إلى مستوى التطلعات.

المعطيات العددية: دحض لمخاوف غير مبررة:
أول ما ينبغي التوقف عنده في هذا النقاش هو المعطى الرقمي الذي يغفله الكثيرون، أو يتجاهلونه عمدا لتضخيم المخاوف وتصوير الأمر وكأنه كارثة ستلحق بالمهنة. فعدد أساتذة القانون في مختلف المؤسسات الجامعية المغربية، من مختلف الدرجات والرتب، يكاد لا يصل إلى ثمانمائة أستاذ فقط. هذا الرقم يبدو ضئيلًا جدًا، بل ومحدودًا للغاية، عند مقارنته بعدد المحامين الممارسين في المملكة، أو حتى عند مقارنته بعدد المتدربين الجدد الذين يلجون مهنة المحاماة بشكل دوري وسنوي. فالأعداد التي تنضم إلى سلك المحاماة كل عام تفوق بكثير إجمالي عدد أساتذة القانون في جميع ربوع البلاد.

إذا، كيف يمكن أن يشكل هذا العدد القليل جدًا تهديدًا أو ضغطًا على مهنة تضم عشرات الآلاف من الممارسين؟ وكيف يمكن تبرير المخاوف من أن ولوج هذه الفئة للمهنة سيؤدي إلى كثرة المحامين، أو تدهور أوضاعهم، أو حتى “إفلاسهم” كما يروج البعض؟ إن مثل هذه الادعاءات لا تستند إلى أي أساس منطقي أو واقعي، بل هي مجرد مخاوف وهمية لا تصمد أمام أبسط قراءة للأرقام. فحتى لو سمح لجميع أساتذة القانون بممارسة المحاماة، فإن تأثيرهم العددي سيكون محدودًا جدًا، ولن يغير من الخريطة العامة للمهنة شيئًا، بل سيضيف إليها قيمًا نوعية لا كمية.

المكانة العلمية للأستاذ الجامعي: تميز وريادة لا تقارن:
النقطة الجوهرية الثانية التي يغفلها المعارضون هي طبيعة عمل الأستاذ الجامعي في القانون، ومكانته العلمية والمعرفية التي تجعله في مرتبة أعلى من حيث التكوين والخبرة والمعرفة، مقارنة بغيره من الممارسين. فالأستاذ الجامعي لا يقتصر دوره على تلقين الطلبة القواعد القانونية فحسب، بل هو يدرس، ويحلل، وينقد، ويقترح، ويشارك في صنع السياسات القانونية والتشريعية. هو العنصر الفعال في اللجان البرلمانية التي تعد مشاريع القوانين، وهو المساهم الرئيسي في بلورة النصوص القانونية وصياغتها، مما يعني أنه شريك أساسي في صناعة المادة القانونية من الألف إلى الياء.

بفضل هذا الدور، يكتسب الأستاذ الجامعي معرفة عميقة وشاملة بالقانون، تتجاوز مجرد تطبيق النصوص إلى فهم أسبابها، وغاياتها، وخلفياتها الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية. إنه يمتلك القدرة والآليات والمنهجيات العلمية التي تمكنه من تحليل أي قرار قضائي، سواء كان صادرًا عن محكمة النقض أو عن أية محكمة أخرى أدنى درجة، وبيان ما يشوبه من عيوب، أو ما يتحلى به من نقاط قوة، وتفسير أسباب صدوره ومدى توافقه مع القواعد العامة والمبادئ العليا للقانون. هذه القدرة التحليلية والنقدية هي ما يفتقر إليه الكثير من الممارسين، وتجعل من الأستاذ الجامعي مرجعًا لا يُستغنى عنه في أي مجال قانوني.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول بكل ثقة إن الأستاذ الجامعي أدرى بالقانون وتطبيقاته من المحامي، بل وحتى من القاضي في كثير من الأحيان، ليس انتقاصًا من دور أي منهما، بل نتيجة لطبيعة عمله المتخصص والعميق. فالمحامي يتعامل مع القوانين من زاوية الدفاع عن المصالح، والقاضي يتعامل معها من زاوية الفصل في النزاعات، بينما الأستاذ الجامعي يدرس القانون ككل، ويربط بين أجزائه المختلفة، ويعمل على تطويره وتحديثه باستمرار.

انفتاح المغرب الاقتصادي والحاجة إلى خبرات قانونية رفيعة المستوى:

ولا يفوتنا في هذا السياق أن نشير إلى أن المغرب أصبح منفتحًا اقتصاديًا بشكل كبير على مختلف دول العالم، سواء في أوروبا، أو إفريقيا، أو أمريكا اللاتينية، مما جعله وجهة مفضلة للاستثمارات الأجنبية والوطنية على حد سواء. وهنا تبرز نقطة في غاية الأهمية، وهي أن المستثمرين لا يبحثون عن خدمات قانونية عادية، بل هم بحاجة ماسة إلى خبرات قانونية عليا قادرة على مواكبة تعقيدات المعاملات التجارية والاقتصادية الحديثة. فما يريده هؤلاء المستثمرون هو تقديم الاستشارات القانونية الدقيقة، وإدارة النزاعات عبر آليات التحكيم التجاري الدولي، وصياغة العقود المعقدة التي تتناسب مع طبيعة أنشطتهم وفروع شركاتهم المنتشرة عبر مختلف دول العالم.

وهذا النوع من الخدمات لا يمكن أن يقدمه إلا من هو على دراية تامة وعميقة بكل التطورات والتعديلات المستمرة التي تطرأ على قانون الأعمال، وعلى القوانين المقارنة، وعلى الاتفاقيات الدولية التي تربط المغرب بشركائه الاقتصاديين. ومن الطبيعي جدًا أن يكون أساتذة القانون، بفضل تكوينهم المستمر واطلاعهم الواسع ومشاركتهم الفعالة في صنع السياسات القانونية، هم الفئة الأكثر قدرة وكفاءة على تلبية هذه الحاجة الملحة. فهم وحدهم تقريبًا “الضابطون” لكل هذه التطورات، والقادرون على تقديم الحلول القانونية المثلى التي تضمن مصالح المستثمرين وتدعم الدينامية الاقتصادية الوطنية. وبالتالي، فإن وجودهم في سلك المحاماة سيسد فراغًا حقيقيًا، ويلبي حاجة ملحة للسوق القانوني المغربي الذي يشهد تحولات كبرى، بدلاً من أن يكون وجودهم عبئًا أو منافسة ضارة.

ولوج الأستاذ الجامعي لمهنة المحاماة: تجويد للمهنة لا تهديد لها:

بناءً على ما سبق، فإن الادعاء بأن ولوج أساتذة القانون لمهنة المحاماة سيشكل خطرًا أو منافسة ضارة هو ادعاء باطل تمامًا، بل هو عكس ذلك تمامًا. فالسماح لهذه الفئة بالولوج السلس والسهل إلى مهنة المحاماة، بل والترحيب بهم بكل حفاوة، هو في الحقيقة خطوة تصب في مصلحة المهنة ذاتها، وتساهم في تجويدها والارتقاء بمستواها. فعندما ينضم شخص يمتلك كل هذه المعرفة والخبرة والقدرة التحليلية، بالإضافة إلى إلمامه بمتطلبات الاقتصاد الحديث وقانون الأعمال الدولي، إلى سلك المحامين، فإنه يرفع من المستوى العام للمهنة، ويضيف إليها قيمة نوعية، ويساهم في نشر ثقافة قانونية أعمق وأكثر دقة بين زملائه وبين المتقاضين.

إن وجود أساتذة القانون في ميدان المحاماة سيعمل على رفع سقف الجودة في المرافعات، وفي إعداد المذكرات، وفي التعامل مع القضايا المعقدة، مما سينعكس إيجابًا على العدالة ذاتها، وعلى ثقة المواطنين والمستثمرين على حد سواء في المنظومة القضائية برمتها. فبدلاً من النظر إلى هؤلاء الأساتذة كمنافسين يجب التصدي لهم، ينبغي النظر إليهم كرافد أساسي يمكن أن ينعش المهنة، ويصحح بعض المفاهيم الخاطئة، ويعزز المكانة الاعتبارية للمحاماة كمهنة سامية قائمة على العلم والمعرفة والكفاءة العالية.

ختاما، إن الجدال الدائر حول ولوج أساتذة القانون لمهنة المحاماة يكشف عن نظرة قصيرة النظر لدى البعض، تقف عند حدود المصالح الضيقة وتغفل المصلحة العامة العليا. فالمعطيات الرقمية تؤكد أن عددهم محدود جدًا ولا يكاد يصل إلى ثمانمائة أستاذ فقط، مما يجعل أي حديث عن خطر عددي أو ضغط على المهنة مجرد وهم لا أساس له، ومكانتهم العلمية تثبت أن وجودهم سيكون إضافة نوعية وليس عبئًا، كما أن متطلبات المرحلة الاقتصادية التي يمر بها المغرب تفرض علينا الاستفادة من خبراتهم لتقديم خدمات قانونية ترقى إلى مستوى تطلعات المستثمرين وانفتاح البلاد على العالم. إن السماح لأساتذة التعليم العالي في القانون بولوج مهنة المحاماة بكل يسر وسهولة هو قرار صائب، وحق مشروع، وضرورة ملحة لتجويد المهنة والارتقاء بها. أما الحديث عن أن هذا الولوج سيؤدي إلى تدهور الأوضاع أو كثرة المحامين أو حتى الإفلاس، فهو مجرد كلام فارغ لا يستند إلى أي دليل، وينبغي أن يُطرح جانبًا لصالح رؤية أكثر شمولًا ووعيًا لمستقبل مهنة المحاماة في المغرب.




شاهد أيضا

شاهد أيضا