عزيزة خرازي: ضعف مخرجات الحوار الاجتماعي يعكس اختلالاً بنيوياً عميقاً في موازين القوى (حوار)

 

في خضم النقاش الدائر حول جدوى الحوار الاجتماعي وحدود تأثيره، يبرز البعد السوسيولوجي كمدخل أساسي لفهم أدوار الفاعلين الاجتماعيين، وعلى رأسها النقابات. فهذه الأخيرة لا تقتصر مهمتها الأساس على الدفاع عن المطالب المادية الآنية، بل تضطلع بدور أكثر عمقا في تأطير الشغيلة وتنظيم وعيها الجمعي. وفي هذا السياق، يستحضر عدد من الباحثين في علم الاجتماع أطروحات كارل ماركس، الذي اعتبر أن “النقابات ليست فقط آليات للدفاع عن الأجور، بل هي مدارس لتكوين وعي الطبقة العاملة وتنظيمها…” من هذا المنظور يصبح تعثر الحوار الاجتماعي ليس مجرد إشكال تقني أو نقاش مفتوح، بل انعكاسا لاختلالات بنيوية في علاقات القوة داخل المجتمع، وهذا ما يفسر عادة اللجوء إلى الاحتجاجات كآلية موازية لإعادة إقرار التوازن وفرض المطالب… ولإغناء النقاش تستضيف جريدة ملفات تادلة الدكتورة عزيزة خرازي، أستاذة علم الاجتماع، مختبر البحث في الابتكار، السياسات الاقتصادية والتنمية، بجامعة السلطان مولاي سليمان.

 أجرى الحوار: عثمان التاقي*

  1. كيف يمكن قراءة تعثر الحوار الاجتماعي في المغرب من منظور سوسيولوجي، خاصة في ظل تحولات بنية الطبقة العاملة؟

قبل الحديث عن تعثر الحوار الاجتماعي، لا بد من تعريف مفهوم الحوار الاجتماعي خاصة وأننا في علم الاجتماع نولي أهمية كبرى للمفاهيم لفهم الواقع، ومنه فهو: ” عملية تشاور ونقاش بين الأطراف الاجتماعية الرئيسية الثلاثة: الحكومة بوصفها ممثلة للدولة وللمصلحة العامة، وأصحاب العمل الممثلين عبر اتحاداتهم ومنظماتهم، والعمال الممثلين عبر نقاباتهم واتحاداتهم.  وبالتالي فهو ركيزة أساسية من ركائز الحكامة الاجتماعية المعاصرة، وليس مجرد آلية إجرائية لتسوية النزاعات، بل هو مسار تشاركي عميق يعكس نضج الأنظمة الديمقراطية وقدرتها على استيعاب التوترات الاجتماعية وتحويلها إلى طاقة إصلاحية.

إذن، يكشف المنظور السوسيولوجي أن تعثر الحوار الاجتماعي في المغرب لا يمكن اختزاله في مجرد إخفاقات تقنية أو إجرائية، بل هو انعكاس عميق لتحولات بنيوية طالت تركيبة الطبقة العاملة ذاتها، وأعادت رسم خريطة القوى الاجتماعية بأسرها.

أفرزت العقود الأخيرة ما يمكن تسميته ‘تفكك الطبقة العاملة التقليدية’؛ إذ تراجع العمال الصناعيون المنظّمون لصالح فئات هشة ومتشظية لا تجد لها تمثيلاً نقابياً فعلياً، يتجلى هذا في انتشار العمل المؤقت والموسمي في قطاعات النسيج والفلاحة والبناء، وفي تنامي اقتصاد المنصات والعمل الرقمي الذي يخلق فئة عمالية خارج أي إطار قانوني أو نقابي.

ومن منظور بيير بورديو، يعيد الحوار الاجتماعي إنتاج بنى الهيمنة بدل تجاوزها لأن الأطراف غير المتكافئة في رأس المال الاجتماعي والرمزي لا تستطيع التفاوض بالتساوي مهما تظاهرت الآليات الإجرائية بالحياد.

أما من منظور إيريك أولين رايت، فإن الطبقة العاملة المغربية باتت تعاني من ‘موقع طبقي متناقض’: جزء منها في القطاع الرسمي وجزء أكبر في المنطقة الرمادية بين الرسمي وغير الرسمي، مما يُعسّر تشكّل وعي طبقي موحّد قادر على تحريك الحوار الاجتماعي في اتجاه إصلاحي حقيقي.

  1. إلى أي حد يعكس ضعف مخرجات الحوار الاجتماعي اختلالاً في ميزان القوى بين الفاعلين الاجتماعيين (الدولة، النقابات، أرباب العمل)؟

يعكس ضعف مخرجات الحوار الاجتماعي اختلالاً بنيوياً عميقاً في موازين القوى بين الأطراف الثلاثة، ويمكن قراءة هذا الاختلال على مستويات متعددة:

  • الدولة بوصفها لاعباً مهيمناً: لا تؤدي الدولة المغربية دور الوسيط المحايد، بل دور الفاعل المُوجِّه للحوار وفق أجندتها الاقتصادية والسياسية. فهي من تحدد جدول الأعمال وتوقيت الحوار ومآلاته، مما يُحوّله أحياناً إلى آلية لإدارة التوترات لا لحلّها فعلياً.
  • ضعف الرصيد التفاوضي للنقابات: تعاني النقابات من تراجع ملحوظ في قدرتها التفاوضية بسبب التشرذم التنظيمي والتنافس البيني، فضلاً عن محدودية قدرتها على الضغط في ظل تراجع الإضراب كأداة نضالية فعّالة.
  • هيمنة أرباب العمل اقتصاديا: يتمتع الاتحاد العام لمقاولات المغرب بنفوذ اقتصادي يُحوّله إلى طرف ذي ثقل تفاوضي مرجّح، خاصة في ظل حاجة الدولة إلى جذب الاستثمار والحفاظ على التنافسية.

هذا الاختلال يُنتج ما يمكن تسميته “الحوار الشكلي”: اجتماعات وبيانات واتفاقيات لكن دون تحوّل فعلي في علاقات القوى أو في الواقع المُعاش للعمال.

  1. هل ما زالت النقابات تمثل فعلاً مختلف فئات الشغيلة، أم أن هناك فجوة متزايدة بين التنظيمات النقابية والواقع الاجتماعي للعمال؟

النقابات لم تعد تمثّل فئات الشغيلة بشكل شامل، وهناك فجوة تمثيلية آخذة في الاتساع تتجلى في أبعاد متعددة كذلك:

  • الفجوة القطاعية: تتركز النقابات في القطاع العام في حين يبقى القطاع الخاص وقطاع الخدمات شبه غائبَيْن من دائرة التنظيم النقابي الفعلي.
  • الفجوة الجندرية: تظل المرأة العاملة — رغم أنها تمثل شريحة واسعة في النسيج والفلاحة مُقصاة من قيادة النقابات ومن أجندة مطالبها الجوهرية.
  • الفجوة الجيلية: لا تجد الأجيال الشابة في النقابات التقليدية ما يُعبّر عن تطلعاتها، فتتجه نحو أشكال تنظيم جديدة غير رسمية أو عبر الفضاء الرقمي.
  • الفجوة الجغرافية: تبقى البنية النقابية حضرية في جوهرها، في حين يُهمَّش العمال الزراعيون في البوادي والمناطق النائية.

يفسر علم الاجتماع هذه الفجوة بمفهوم “أزمة الوساطة: حين تفقد المؤسسات الوسيطة قدرتها على تمثيل الواقع الاجتماعي المتحوّل، تتشكّل أشكال تعبير بديلة، غالباً خارج المؤسسة وضدها.

س:          كيف أثرت التحولات الاقتصادية (الهشاشة، العمل غير المهيكل، التشغيل المؤقت) على طبيعة المطالب الاجتماعية وأشكال الاحتجاج؟

أحدثت التحولات الاقتصادية، تحولاً جذرياً في طبيعة المطالب وأساليب الاحتجاج معاً. فعلى مستوى المطالب، انتقلت من النموذج الكلاسيكي المرتكز على رفع الأجور وتحسين ظروف العمل، إلى مطالب أكثر وجودية تمس الحق في الشغل ذاته والحماية من التسريح التعسفي والحصول على تغطية اجتماعية. كما برزت مطالب هوياتية مرتبطة بالكرامة والاعتراف أكثر من ارتباطها بالمكتسبات المادية البحتة.

أما على مستوى أشكال الاحتجاج، فقد تراجع الإضراب العام بوصفه أداة ضغط جماعية، وصعد الاحتجاج القطاعي والمحلي (حراك الريف، احتجاجات جرادة، احتجاجات الأساتذة)، مع توظيف الفضاء الرقمي ساحةً للتنظيم والضغط، خاصة لدى الشباب العمالي.

يُحلّل روبير كاستيل هذه الظاهرة ضمن مفهوم ‘مجتمع المخاطرة’: حين تتوسع مناطق الهشاشة، تتفتت الهوية الجماعية للعمال وتحل محلها استراتيجيات فردية للبقاء، مما يجعل الفعل الجماعي أمراً نادراً وعسيراً.

  1. في سياق الحديث عن الدولة الاجتماعية، هل يمكن القول إن السياسات العمومية نجحت في تقليص الفوارق الاجتماعية، أم أنها أعادت إنتاجها بشكل جديد؟

هنا لا بد من معرفة مفهوم الدولة الاجتماعية، أو مفهوم دولة الرفاه كما تُعرف في الأدبيات الأنجلو-سكسونية، فهي نموذج متميز للحوكمة تضطلع فيه الدولة بمسؤولية مباشرة في ضمان الحد الأدنى من الرفاه والحماية لمواطنيها. وهي بهذا المعنى تتجاوز الدور الكلاسيكي للدولة الحارسة لتُصبح فاعلاً رئيسياً في إعادة توزيع الثروة وتكافؤ الفرص.

وتقوم الدولة الاجتماعية على ثلاثة محاور جوهرية نجملها في:

  • الحماية الاجتماعية: تشمل التأمين ضد البطالة والمرض والعجز، وتوفير نظام التقاعد والمعاشات، ومنح المساعدات الاجتماعية للفئات الهشة التي لا تستطيع الاعتماد على نفسها.
  • الخدمات العامة: وتشمل التعليم المجاني أو المدعوم بوصفه حقاً أصيلاً لا منحةً، والرعاية الصحية الشاملة، والإسكان الاجتماعي الذي يضمن سقفاً لكل مواطن.
  • تنظيم سوق العمل: عبر تحديد الحد الأدنى للأجور وتقنين ساعات العمل، وضمان بيئة عمل لائقة وآمنة تصون كرامة الإنسان العامل.

وبالعودة للسؤال، يمثّل الحوار الاجتماعي الآلية الحية التي تُبنى من خلالها الدولة الاجتماعية وتتطور وتتجدد؛ إذ تصوغ الأطراف الاجتماعية مجتمعةً السياسات الاجتماعية وتُسهم في تمويلها وتطبيقها ورقابتها. ثمة حقيقة سوسيولوجية راسخة مفادها: لا دولة اجتماعية فاعلة بلا حوار اجتماعي حقيقي، ولا حوار اجتماعي ذا معنى بلا دولة تضمن حقوق الأطراف وتُلزم بتنفيذ ما يُتَّفق عليه. هذه العلاقة الجدلية هي التي تجعل من الحوار الاجتماعي ليس مجرد أداة، بل دعامة حضارية لبناء المواطنة الاجتماعية.

ومنه فالإجابة الموضوعية تقتضي الإقرار بنجاحات جزئية وإخفاقات بنيوية في آنٍ معاً. فقد انخفض معدل الفقر المدقع بشكل ملموس خلال العقود الأخيرة، وتوسّعت التغطية الصحية، وارتفعت نسب التمدرس خاصة في الوسط القروي. غير أن هذه المكاسب تُخفي إعادة إنتاج للفوارق بأشكال جديدة:

  • الفجوة بين التعليم العمومي والتعليم الخاص، تُعيد إنتاج التفاوت الطبقي عبر جيل كامل.
  • ورش الحماية الاجتماعية لا تزال تستثني ملايين العمال في القطاع غير الرسمي.
  • السياسات الاجتماعية تتخذ طابع ‘الهبة’ لا الحق المكتسب، مما يُديم علاقات التبعية بدل تكريس المواطنة الاجتماعية الحقيقية.

فحسب بورديو، تُعيد المدرسة والمنظومة الصحية والسياسات الاجتماعية إنتاج الرأسمال الثقافي والاجتماعي وفق توزيع طبقي مُسبق، فتبدو محايدة بينما تُكرّس في الواقع التفاوت القائم وتمنحه مشروعية رمزية.

  1. إلى أي حد يساهم ضعف الثقة بين الشغيلة والمؤسسات في تأزيم الحوار الاجتماعي، وكيف يمكن تفسير ذلك سوسيولوجياً؟

يُشكّل غياب الثقة متغيراً مركزياً في تفسير تأزّم الحوار الاجتماعي، ويتجلى في ثلاثة مستويات متداخلة:

  • أزمة ثقة في المؤسسات النقابية: تراجعت الثقة في النقابات جراء تاريخ من الاتفاقيات غير المُنفَّذة، وتشابك بعض القيادات النقابية مع الحقل السياسي، والبُعد عن الواقع المُعاش للعمال البسطاء.
  • أزمة ثقة في الدولة: يرى كثير من العمال أن التزامات الحكومة في اتفاقيات الحوار الاجتماعي تظل حبراً على ورق، مما يُرسّخ ثقافة الشك في جدوى الوساطة المنظّمة.
  • أزمة ثقة أفقية: حتى بين النقابات ذاتها، يُغذّي التنافس البيني حالة من انعدام الثقة تُضعف أي تنسيق وتُفكّك القوة التفاوضية المشتركة.

وهو ما يؤكده، روبار بوتنام بمفهوم تراجع رأس المال الاجتماعي: ‘حين تتآكل الثقة في المؤسسات الوسيطة، تنهار معها القدرة على التنظيم الجماعي وصياغة مطالب مشتركة.’

  1. هل يمكن اعتبار عودة الاحتجاجات مؤشراً على فشل الوساطة المؤسساتية، أم أنها تعبير طبيعي عن دينامية الصراع الاجتماعي؟

الإجابة السوسيولوجية الدقيقة ترفض الثنائية المطروحة وتُؤكد أن الاحتجاج هو في آنٍ واحد مؤشر على فشل الوساطة ودليل على حيوية الصراع الاجتماعي. فحين يلجأ العمال إلى الشارع بدل طاولة التفاوض، فذلك لأن المؤسسات الوسيطة فقدت مصداقيتها وقدرتها على الترجمة الفعلية للمظالم. احتجاجات الأساتذة المتعاقدين نموذج صارخ: نقابات عاجزة، دولة متصلبة، فانتفضت فئة عمالية خارج الأطر المعتادة.

يرى رالف دارندورف أن ‘الصراع الاجتماعي ليس مرضاً يُعالَج، بل هو محرّك التغيير والتطور المجتمعي.’ فعودة الاحتجاج تعني أن المجتمع حيّ وأن الفئات المهمشة لم تستسلم لمنطق الإقصاء.

فالاحتجاجات المتكررة في المغرب هي في العمق صرخة مزدوجة: صرخة في وجه مؤسسات تتحدث باسم العمال دون أن تسمعهم، وصرخة في وجه دولة تُطلق الأوراش الكبرى دون أن تُحدث أثراً ملموساً في الحياة اليومية للمواطن البسيط. وبهذا المعنى، فإن كل موجة احتجاج هي دعوة ضمنية لإعادة تأسيس الحوار الاجتماعي على قواعد أكثر إنصافاً وشمولاً وتمثيلاً.

 * صحافي متدرب




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...